اللّافت أنّ المشكلة ليست في مقدار العطاء العربي الذي يتجاوز المعدّلات العالمية، إذ تتراوح ما بين 74% و87% من السكّان المتبرّعين، ويتجاوز العرب المعدّل العالمي في ما يُخصّصونه من دخلهم حيث تصل النسب إلى 1.4% و2.3% (مصر) بقدر ما هي في الطريقة التي يتخذها هذا العطاء والجهة التي يصل إليها. فالعربي قد يكون سخيًّا جدًّا، لكن سخاءه لا يتحوّل بالضرورة إلى مؤسّسة أو جمعية أو شبكة تضامن تتجاوز الحي أو البلد، أو يصل إلى تضامن عربي ما وراء الحدود.
على المستوى العالمي، تتوزّع التبرعات بين ثلاثة مسارات رئيسية: نحو 41% تذهب مباشرة إلى الأشخاص، و38% إلى المؤسّسات المدنيّة، و21% إلى المنظّمات الدينيّة.
"التضامن الشخصي" له جذور عميقة في المجتمعات العربية
غير أنّ العالم العربي يُقدّم صورةً أكثر تعقيدًا. ففي عدد من البلدان العربيّة غير الخليجيّة، يظلّ التبرّع المباشر للأشخاص هو الشكل الغالب. ففي المغرب، مثلًا، تصل حصّة التبرّعات الموجّهة مباشرة إلى الأشخاص إلى 77% (رقم 1 عالميًّا في التبرع الشخصي)، مقابل 17% إلى المؤسّسات المدنيّة و5% إلى المؤسّسات الدينيّة. وفي تونس تبلغ النسبة 73%، وفي الجزائر 64%، وفي الأردن 64%، وفي لبنان 59%. نحن، إذن، أمام ثقافة تبرّع تقوم بدرجة كبيرة على علاقة مباشرة وشخصيّة بين المانح والمُحتاج.
يمكن تسمية هذا النموذج "التضامن الشخصي"، وهو نموذجٌ له جذور عميقة في المجتمعات العربيّة، حيث تلعب الأسرة والجيرة والقرابة والشبكات المحليّة والدينيّة دورًا أساسيًّا في تحديد مَن يستحق المساعدة. المتبرّع يعرف الشخص الذي يساعده، أو يعرف شخصًا يعرفه، ولذلك لا يحتاج إلى وسيط مؤسّسي كي يثق بأنّ ماله سيصل إلى مَن يحتاجه. وهذا ما يُفسّر جزئيًّا لماذا يحتلّ بعض البلدان العربية مراتب مرتفعةً عالميًّا في التبرّع الشخصي. لكنّه يطرح في الوقت عينه سؤالًا آخر: ماذا يحدث عندما يتجاوز الاحتياج قدرة العلاقات الشخصيّة على الاستجابة؟.
التبرّع إلى شخص قد يحلّ مشكلة فردية أما التبرع إلى مؤسسة فقد يموّل مشروعًا يستفيد منه مئات الأشخاص
هنا تظهر خصوصيّة وتفوّق النموذج الخليجي في هذا الاتجاه. ففي السّعوديّة، تبلغ حصّة التبرّعات الموجّهة إلى المؤسّسات المدنيّة (الجمعيات المحليّة) نسبة 51% من مجموع التبرّعات الإجماليّة، وفي الإمارات وقطر نحو 40%، والنّسب الخليجيّة هي أعلى من المتوسط العالمي للتبرّع إلى المؤسّسات الذي هو 38%، وتحتلّ الإمارات في ترتيب الدول من حيث عدد السكان الدين يتبرّعون إلى الجمعيات (رقم 2 دوليًّا) وهي نِسب أعلى بوضوح من المغرب والجزائر وتونس. وهذا لا يعني أنّ التبرّع إلى الأفراد يختفي في الخليج؛ لكن ما يبدو مختلفًا هو أنّ التبرّع الشخصي يتعايش بدرجة أكبر مع التبرّع المؤسّسي، وبعبارة أخرى، النّموذج الخليجي يُوسّع دائرة الوساطة المؤسّسيّة بين المتبرع والمستفيد.
التبرّع الدولي أكثر من مجرّد مساعدة إنسانية
هذه جزئيّة مهمّة لأنّ التبرّع إلى المؤسّسات المدنيّة ليس مجرّد طريقة أخرى لإرسال المال. إنّه أحد الموارد التي تسمح للمجتمع المدني بأن يوجد ويستمر. التبرّع إلى شخص محتاج قد يحلّ مشكلة فرديّة اليوم، أمّا التبرع إلى مؤسّسة فقد يموّل برنامجًا، أو شبكة متطوّعين، أو خدمة اجتماعية، أو مشروعًا يستفيد منه مئات الأشخاص. ولذلك فإنّ السؤال المهم ليس "كم يتبرّع المجتمع؟" وحسب، بل أيضًا: "ما الذي يبنيه المجتمع من خلال تبرّعاته؟"، بل إنّ المقارنة تُصبح أكثر دلالةً عندما نعرف أنّ التبرع المدني إلى الجمعيات يصل إلى 79% في هولندا، بينما لا يتجاوز 17% في المغرب، و25% في الجزائر وفق البيانات عينها، ما يُشير إلى ثقة منخفضة في المؤسّسات المغاربيّة التي تستقبل وتوزّع المساعدات.
هناك بعدٌ آخر مهمٌ لبناء التضامن العربي وهو نسبة التبرّع الدولي، فإذا كان التبرّع المحلي يعكس حدود التضامن داخل المجتمع، فإنّ التبرع إلى المؤسّسات والمنظمات الدوليّة يكشف مدى استعداد الفرد لتوسيع دائرة التضامن خارج حدود بلده. وتشير البيانات إلى أنّ البلدان الغربيّة توجد في مقدّمة البلدان التي توجّه نسبًا مرتفعةً من تبرّعاتها إلى المنظمات غير الحكوميّة الدوليّة، حيث تتراوح نسب التبرعات الدوليّة في البلدان العشرة الأولى دوليًّا وهي بلدان أوروبيّة بالإضافة إلى كوريا الجنوبيّة، ما بين 29% و45% من مجموع التبرّعات. وتتراوح النِسب من التبرّع الدولي في البلدان الخليجيّة بين 24% و28% وهي نِسب تفوق المعدل العالمي الذي هو 13.8%، وهنا يصبح التبرّع الدولي أكثر من مجرّد مساعدة إنسانيّة؛ إنّه مؤشرٌ محتملٌ على القدرة على بناء تضامن يتجاوز الحدود الوطنيّة. وبالنسبة إلى العالم العربي، يطرح ذلك سؤالًا كبيرًا: هل يمكن أن يتحوّل السخاء العربي من مجموع تبرّعات محليّة وطنيّة متفرّقة إلى شبكة تضامنٍ عربيٍّ عابرة للحدود؟.
العالم العربي بحاجة إلى شبكات تضامن وتبرّع تتجاوز الحدود
التحدّيات في المنطقة العربيّة متزايدة وخاصة تحدّي الأزمات (حرائق وفيضانات وزلازل وغيرها) والاستجابات الحكوميّة محدودة الفعّالية في غالب الأحيان وكذلك الاستجابات التطوّعية العفوية للأفراد، هي كذلك استجابات محلية ومحدودة الموارد، ولأنّ الأزمات هي لحظات تستدعي التبرّع إلى العربي الذي لا نعرفه شخصيًّا، فإنّنا في حاجة في العالم العربي إلى بناء شبكات تضامن وتبرّع تتجاوز الحدود حتّى يتمكّن كلّ مواطنٍ عربيٍّ من تقديم المساعدة في بلد عربي آخر من خلال شبكات عربيّة في شكل منصّات تنظّم وتنسّق جهود المجتمعات المدنيّة في العالم العربي، ولا يُعقل أن تشبّ حرائق في الجزائر أو تونس أو المغرب ويبقى المغاربيون مُكبّلي الإرادة يتفرّجون على الكوارث عبر منصّات التواصل الاجتماعي ويكتفون بالتوجّه إلى السماء عساها ترحم المنكوبين وتطفئ الحرائق.
(خاص عروبة 22)

