تقدير موقف

الشرق الأوسط بعد حرب إيران: بعض التداعيات المحتملة!

سيتحدّد شكل الشرق الأوسط الذي سيظهر بعد حرب إيران عام 2026 بالضمانات الأميركية التي فشلت في منع استهداف الخليج، وبنظام إيراني بقي على قيد الحياة على الرغم من أن المنطق العملياتي كان يشير إلى احتمال عدم بقائه، وبنظام إقليمي تعرّض لاضطراب عميق إلى درجة أنّ شكل النظام الذي سيحلّ محله لا يزال مجهولًا.

الشرق الأوسط بعد حرب إيران: بعض التداعيات المحتملة!

إنّ حالة عدم اليقين الناتجة عن الوضع الراهن ليست في الحقيقة فشلًا في التحليل، بل هي الوصف الصّادق للواقع الذي تمر به المنطقة فعليًّا[1].

مع ذلك، سنطرح أربعة تداعيات محتملة يمكن أن تساعد في رسم ملامح صورة مستقبلية للشرق الأوسط ما بعد الحرب:

1 – إيران تبقى على قيد الحياة، لكنّها ستصبح أكثر ارتيابًا: لا يزال نظام طهران قائمًا، لكن ما تغيّر هو الحسابات التي يجريها النظام بشأن بقائه. فالنظام الضعيف، الذي استُنزفت موارده العسكرية وخرج سكّانه من الحرب مصابين بصدمة نفسية واقتصادية، لا يشكّل تركيبةً مستقرّةً. وستهيمن غريزة البقاء على كلّ ما عداها في المدى القريب، بما في ذلك أي انخراط ديبلوماسي جدّي، وهو أحد الأسباب التي أدّت إلى فشل المحادثات النووية في إسلام آباد، وهو ما يُفسّر أيضًا لماذا ستنطلق أي مفاوضات مستقبلية من مستوى ثقة أدنى حتى.

ستتطلّب استعادة الثقة بنية أمنية إقليمية مُستدامة

2 – الخليج اهتزّت استقراريّته، وتصدّعت صورته عن نفسه: هزّت الحرب صورة منطقة الخليج، وكشفت عن هشاشة عميقة الجذور تحت واجهة التحوّل الاقتصادي السريع الذي شهدته دول الخليج. ومن المرجّح أن تخرج دول الخليج من هذه الحرب أقلّ استعدادًا لإخضاع بنيتها الأمنية لراعٍ واحدٍ، وأكثر اهتمامًا ببناء نوعٍ من القدرات الدفاعية الإقليمية المتكاملة التي تمنحها خيارات لا تستطيع واشنطن أو لا ترغب في توفيرها. ومن هنا جاء الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان.

كذلك، كانت الاستثمارات الأجنبية في العقارات والبنية التحتية الخليجية تواكب، لسنوات، الرواية القائلة باستقرار المنطقة. لكن هذه الرواية باتت أكثر تعقيدًا بعدما أثبت الواقع أنّ دول الخليج يمكن أن تتعرّض لضربات متكرّرة خلال حرب إقليمية. وستتطلّب استعادة الثقة التي تستند إليها هذه الاستثمارات ليس مجرّد وقفٍ لإطلاق النار، بل بنية أمنية إقليمية مُستدامة لم تخضع للاختبار بعد.

3 - اتفاقات أبراهام مُجمّدة: يواجه أي زعيم عربي يوقّع اتفاق تطبيع مع إسرائيل في البيئة الحالية كلفةً سياسيةً داخليةً لا تستطيع أي ضمانة أمنية أميركية أو حزمة اقتصادية تعويضها بالكامل. وإن لم يمت مسار التطبيع السعودي نهائيًا، إذ إنّ المنطق الاستراتيجي الذي جعل هذا المسار جاذبًا للرياض لم يختفِ تمامًا، لكنّه مُجمّد. وكانت قدرة واشنطن على بناء إطار أمني أميركي – إسرائيلي - خليجي في مواجهة إيران الرّهان الاستراتيجي الذي كان من المفترض أن تثبته الحرب. لكن الحرب جعلت بناء هذا الإطار أكثر صعوبة، وليس أسهل.

شكوك حول موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية ستؤدي إلى إحياء الحاجة إلى حماية الذات

4 - منع الانتشار النووي لم يعد قابلًا للاستمرار: كانت بنية منع الانتشار النووي تعاني أصلًا ضغوطًا شديدةً قبل 28 فبراير/شباط 2026. وقد سرّعت حرب إيران تدهور منظومة منع الانتشار، التي كانت تعتمد على الاعتقاد بأنّ الدول غير النووية تكون في وضع أفضل من دون أسلحة نووية مقارنةً بامتلاكها. وأصبح من الصعب الحفاظ على هذا الاعتقاد بعدما تعرّضت دولة، هي إيران، للقصف خلال مفاوضات صُمّمت أساسًا للحفاظ على هذا الاعتقاد.

والأهمّ من ذلك، أنّ الرسالة التي تلقّتها دول مثل السعودية وكوريا الجنوبية واليابان وحتى تركيا من الحرب، لم تكن الرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها. ففي هذه الدول، ستنشأ شكوك حول موثوقيّة الضمانات الأمنية الأميركية، وبالتّالي ستؤدّي إلى إحياء الحاجة إلى حماية الذّات والاستقلالية، بما في ذلك الحاجة إلى امتلاك ترسانة نووية وقدرات ردع.

نودّ أن نختم بتداعيين إضافيين، أولهما أقلّ احتمالًا، فيما الثاني أكثر احتمالًا:

أولًا، قد يحدث شرخ في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، إذ ستواجه الإدارات الأميركية المقبلة بيئةً سياسيةً يصبح فيها الارتباط بإسرائيل عبئًا انتخابيًا حقيقيًا بطرقٍ لم تكن ببساطة في السابق، فيما سيحتاج صانعو السياسات الإسرائيليّون، الذين عملوا على افتراض وجود دعم أميركي بلا حدود، إلى إعادة النظر في هذا الافتراض.

هل ستكون دروس الحرب حافزًا لصياغة عالم عربي أكثر تماسكًا وقوةً ونفوذًا؟

ثانيًا، تواصل الصين صعودها كقوةٍ لا غنى عنها، إذ بات نفوذها يشمل الآن الشرق الأوسط، بعدما أصبحت داعمًا مهمًّا لإيران "من وراء الكواليس" وشريكًا "متردّدًا" للولايات المتحدة، وهو أمر سيكون بالغ الأهمية في أي جهود لإنهاء الحرب وما بعدها.

وأخيرًا، ثمّة سؤال أساسي يتعلّق بـ"التداعي المفقود". فقد أوضحت حرب إيران أن العالم العربي ضعيف ومجزّأ وعاجز، فهل ستكون دروس الحرب حافزًا قويًا بما يكفي لصياغة عالم عربي أكثر تماسكًا وقوةً ونفوذًا؟.



[1] تستند الآراء الواردة في هذا المقال في معظمها إلى: "بعد حرب إيران: سبعة عوامل ستحدّد شكل الشرق الأوسط الجديد"، مودرن ديبلوماسي، مايو/أيار 2026؛ و"مغامرة إيران الإقليمية وتداعياتها على مستقبل أمن الخليج"، مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، آذار/مارس 2026.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن