بينما تعرض واشنطن وطهران شروطهما لإنهاء الحرب، تنقلان مواجهتهما إلى مرحلةٍ أكثر خطورة، بعد أن تحولت ناقلات النفط والممرّات البحرية إلى أهدافٍ عسكريةٍ وأوراق تفاوض. فالولايات المتحدة توسّع ضرباتها ضد الأسطول النفطيّ الإيرانيّ، وإيران تُمدّد نطاق تهديدها من مضيق هُرمز إلى خليج عُمان وبحر العرب، لتصبح كلفة الحرب معلقةً أيضًا بأمن السفن التجارية وحركة الملاحة الدولية.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها دمرت 10 ناقلات نفطٍ إيرانية خلال الأسبوع الماضي، نافيةً ادعاء "الحرس الثوري" بإصابة مدمرتين أميركيتين. وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن إيران "لم تصب السفن الأميركية، لكنها خسرت 5 ناقلات إضافية خلال الليلة الماضية"، محذرًا من أنها "ستدفع ثمن إطلاق النار على السفن الأميركية بخسارة ناقلاتها النفطية". وفي هذا السياق، استهدفت الولايات المتحدة 3 ناقلاتٍ إيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع، ردًا على ما قالت إنه "محاولةٌ إيرانيةٌ لاستهداف حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين". في المقابل، ادّعى "الحرس الثوري" مهاجمة سفينتين أميركيتين و8 ناقلات و10 سفن أخرى. كما حذّر طواقم السفن التي تستخدم موانئ في الكويت والبحرين من التعرض للاستهداف. ولم تكتفِ طهران برواية الضربات، فأعلنت توسيع "المنطقة المحظورة" خارج مضيق هُرمز، لتبدأ تقريبًا من جهة تشابهار وتشمل أجزاء من خليج عُمان وبحر العرب. وهدّد المتحدّث باسم "الحرس الثوري" حسين محبي بفرض "إجراءاتٍ عقابيةٍ" على السفن التي تدخل المنطقة من دون تنسيقٍ، من ضمنها حرمانها من خدماتٍ مرتبطةٍ بالملاحة، على أن تعلن طهران إحداثياتها الدقيقة لاحقًا.
وأوضحت إيران أن القيود قد تشمل السفن ومالكيها والجهات المستأجرة لها، وأن أكثر من 50 سفينة أُدرِجَت بالفعل ضمن قائمة العقوبات. كما لوّحت بفرض قيودٍ على المسار الجنوبي القريب من سلطنة عُمان، وصولًا إلى منطقة خصب، لتتجاوز نطاق التهديد السابق في مضيق هُرمز. ومع توسيع المنطقة المحظورة، امتدّ التّهديد من ناقلات الخصوم إلى السفن التجارية في مساحةٍ بحريةٍ أوسع. فتلقّت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغاتٍ تتعلّق بسفنٍ تجاريةٍ عدة في شمال الخليج وخليج عُمان، قالت إنها "تعرضت لإطلاق نار" أدى إلى تعطيلها، من دون أن تتمكن من تأكيد وقوع إصاباتٍ أو آثارٍ بيئية. وامتدت الوقائع البحرية إلى المياه الإقليمية العراقية، فتعرّضت ناقلةٌ ترفع علم بنما لهجومٍ قرب ميناء العمية في البصرة، بينما كانت تحمل نحو مليوني برميلٍ من زيت الوقود العراقي. وأعلنت وزارة النفط العراقية أن الهجوم، الذي وقع عند الفجر، تسبّب بأضرارٍ في هيكل السفينة من دون إصاباتٍ أو وفياتٍ أو تسربٍ نفطيٍّ، وأن الحريق أُخمِدَ والناقلة عُزِلَت لمراقبتها. ولم تحدّد السلطات العراقية الجهة المسؤولة، مكتفيةً بالقول إن "مصدر الهجوم مجهول".
وتزامن اتساع الاستهداف البحري مع سماع انفجاراتٍ قرب الساحل الإيراني. فأفادت وكالة "فارس" بدويّ انفجاراتٍ عدة في جزيرة قشم ومنطقة سيريك، بعد أن تحدثت عن انفجارٍ قرب جاسك "ناجمٍ عن مصدرٍ في البحر". وذكر إعلامٌ رسميٌ لاحقًا أن مناطق عدة في سيريك تعرّضت للاستهداف بمقذوفاتٍ، من دون إعلان الجهة المنفذة. وبذلك بات الساحل الذي تستند إليه إيران لتوسيع قيودها البحرية معرّضًا بدوره للضربات. ولا تنفصل المعركة على ناقلات النفط عن أصل المواجهة بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي عاد إلى مجلس الأمن بقرارٍ من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقرّر المجلس إحالة مسألة عدم امتثال إيران لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات، استنادًا إلى عدم تقديمها تفسيراتٍ فنيةٍ موثوقةٍ لآثار يورانيوم، عُثِرَ عليها في مواقع لم تعلن عنها للوكالة. وأيّد القرار، الذي قدمته أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، 23 عضوًا من أصل 35، وعارضته روسيا والصين والنيجر، فيما امتنعت 8 دول عن التصويت. ولا تعني الإحالة فرض عقوباتٍ تلقائيةٍ أو إحالة البرنامج النووي الإيراني كله، بل إبلاغ مجلس الأمن بأن إيران لم تفِ بالتزاماتٍ محددةٍ مرتبطةٍ بالضمانات النووية. من جهتها، اعتبرت طهران أن الإحالة لن تحقق أيّ نتائج، وقالت بعثتها لدى الوكالة إن "إيران خضعت لأنشطة تحقّقٍ طويلة الأمد لم تخضع لها أي دولةٍ أخرى".
غير أن إحالة مسألة عدم الامتثال إلى مجلس الأمن لم تُنهِ الحديث عن التسوية، إنما رفعت سقف الشروط التي يريد الطرفان إدخالها في أيّ اتفاقٍ محتمل. فقال ترمب إن الاتفاق مع إيران سيكون "أوسع بكثير" من اتفاقٍ نووي، وإن الملف النووي سيكون ضمنه "بنسبة 99.9 في المئة"، إلى جانب مسائل أخرى لم تكن مطروحةً قبل 3 أشهر. وبينما تحدّث عن اتفاقٍ محتملٍ، توقّع ترمب انتهاء الحرب "مباشرةً" بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وأشار إلى أن إيران لن تتمكن من الاستمرار فترةً أطول، متهمًا إياها بمحاولة التأثير في الانتخابات.
وبالتوازي مع المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، واصل الحوثيون نقل التصعيد إلى السعودية. فأطلق الدفاع المدني الإنذار المبكر في أبها وخميس مشيط، فجر اليوم الخميس. وقال المتحدث باسم قوات التحالف إن الحوثيين يواصلون محاولاتهم استهداف البنى التحتية في المملكة. ثم أعلنت قوات التحالف لاحقًا تعرض 3 مدنٍ سعودية جنوبية لاعتداءاتٍ حوثية، من دون أن تسميها، مؤكدةً حق المملكة في الدفاع عن نفسها. ومع وصول الهجمات إلى السعودية، لوّح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بأن اتساع الحرب إلى المملكة قد يؤدي إلى تفعيل اتفاق مكّة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا. وهو الاتفاق الذي ينصّ على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا.
وبينما ترفع واشنطن وطهران شروطهما وتتسع هجمات الحوثيين، تتحمل دولٌ عربيةٌ جانبًا متزايدًا من كلفة المواجهة. وهذا ما أظهرته الإدانات التي صدرت بعد الهجوم الإيراني على الأردن، فجر أمس الأربعاء. فأدانت السعودية ومصر والإمارات الهجوم، وأكدت تضامنها مع الأردن ووقوفها إلى جانبه في حماية أمنه وسيادته وسلامة أراضيه. وطالبت القاهرة بالوقف الفوري للهجمات وضبط النفس وتغليب المسارات الدبلوماسية، فيما وصفت الإمارات الاستهداف بأنه "هجوم إيراني عدواني". كما أدانت وزارة الخارجية البحرينية استمرار الاعتداءات الإيرانية بالصواريخ الباليستية على البحرين. وبحث وزيرا خارجية مصر والبحرين تنسيق المواقف واحتواء التوترات منعًا لاتساع الصراع.
وفي اليمن، حيث تنطلق الجماعة في هجماتها الإقليمية، واصلت القوات الحكومية توسيع هجومها على مواقع الحوثيين في مأرب والجوف وتعز. وبحسب بيانات عسكرية حكومية، استعادت القوات مواقع وتقدمت في أكثر من محورٍ، بعد تمهيدٍ جويٍّ ومدفعيٍّ، إلى جانب محاصرة مجموعات حوثية وقطع بعض خطوط إمدادها. وامتدّت العمليات إلى غرب تعز، فأعلنت القوات الحكومية، بمشاركة قوات "درع الوطن"، استعادة مواقع ومرتفعات، بينما أكد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية أنه أسقط مسيّرةً انتحاريةً حوثية. وأعلنت ألوية العمالقة أسر القيادي الحوثي مرتضى النعمي، المعروف باسم «عبد الصمد»، فيما لفتت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية إلى أنها أحبطت هجومًا بزوارق حوثية في البحر الأحمر.
من جهته، منح رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي العمليات غطاءً سياسيًا، قائلًا إن الحوثيين "اختاروا الحرب وعليهم تحمل نتائجها". وطالب المجتمع الدولي بتحميل الجماعة مسؤولية التصعيد وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ودعم الدولة في حماية مواطنيها واستعادة مؤسساتها واحتكار السلاح.
وفي تطورٍ منفصلٍ، أوضحت إسرائيل أن وجودها العسكري في جنوب سوريا ليس مؤقتًا. إذ تعهّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أثناء مرافقته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تفقد القوات الإسرائيلية داخل جنوب سوريا، بـ"عدم الانسحاب من المنطقة". وقال كاتس إن الرئيس السوري أحمد الشرع "يجلس على بعد 35 كيلومترًا"، وإسرائيل "موجودةٌ في جبل الشيخ ولن تغادره". وردّت الخارجية السورية بإدانة الدخول غير الشرعي لنتنياهو وكاتس إلى الأراضي السورية والتجوّل في جبل الشيخ. واعتبرت الخطوة انتهاكًا للسيادة ووحدة الأراضي وتصعيدًا يهدّد أمن المنطقة.
وبالتزامن مع رفض دمشق الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا، واصلت تلّ أبيب عملياتها العسكرية في لبنان. فشنّت إسرائيل غارةً على وادي السلوقي بعد قصفٍ مدفعيٍّ استهدف المنطقة، وتحرّكت دباباتها شرق الخيام وسط إطلاق نارٍ كثيف. كما نفّذت قواتها تفجيرين في مركبا، وألقت مسيّرةٌ قنبلةً صوتيةً على حاريص من جهة حداثا، وفجّرت مدرسة المنصوري بعد تفخيخها باستخدام مسيّرة. كما أدت غارةٌ على دراجةٍ ناريةٍ في طريق مرج حاروف - زبدين قرب النبطية إلى مقتل شخص. ولا يقتصر فرض الوقائع الإسرائيلية على جبهتي سوريا ولبنان، إذ يتواصل هدم المنازل والقصف في الأراضي الفلسطينية، بالتوازي مع تصعيد تلّ أبيب ضد التحرك البريطاني بشأن المستوطنات. فشرعت القوات الإسرائيلية في هدم منزلٍ في بلدة سلوان في القدس المحتلة، بينما أعلن مستشفى العودة إصابة 6 أشخاص في غارةٍ استهدفت منزلًا في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة. وفي مقابل استمرار العمليات الميدانية، أخذ الضغط الدبلوماسي على الاستيطان يتحول إلى إجراءاتٍ اقتصاديةٍ، بعدما قررت بريطانيا حظر التجارة في السلع المُنتَجَة في المستوطنات، وفرض قيودٍ على الخدمات المرتبطة بها. ورحبت جامعة الدول العربية ووزراء خارجية السعودية والإمارات ومصر وقطر والأردن وإندونيسيا وباكستان وتركيا بالخطوة البريطانية. وأكد الوزراء أن غزة جزءٌ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعوا إلى تنفيذ خطة ترمب للقطاع، وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وردّت إسرائيل على الموقف البريطاني بالضغط على الوجود الدبلوماسي للمملكة المتحدة في القدس الشرقية. فأبلغت القنصلية البريطانية بأن دبلوماسييها سيفقدون اعتمادهم خلال 30 يومًا، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤولٍ إسرائيليّ. وهو أمرٌ يضع القنصليّة، المخصّصة للتواصل مع الفلسطينيين، أمام احتمال الإغلاق الفعلي، ويحوّل الخلاف بشأن الاستيطان إلى أزمةٍ دبلوماسيةٍ مباشرة.
وعلى الصعيد الدولي، أعرب الكرملين عن أمله في استمرار الجهود الأميركية لتسوية الأزمة الأوكرانية، وتطلّع إلى استئناف المفاوضات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا قريبًا، من دون تحديد موعد.
وفي الجولة الصباحية على الصحف العربية تركيزٌ على هذه الملفات وغيرها، وفي الآتي أبرزها:
كتبت جريدة الرياض أن "اليمن يقف اليوم أمام منعطف بالغ الحساسية، مع اتساع دائرة المواجهة، والتقدم الذي تحرزه القوات الشرعية على مختلف المحاور والجبهات، في الوقت الذي تتراجع فيه قوات الحوثي وتتقهقر ويستسلم عناصرها للقوات الشرعية، وهذا يدل على أن اليمن مقبل على مشهد جديد مختلف لا يكون الحوثي موجودًا فيه". وأشارت إلى أن "الموقف السعودي في جوهره واضح: السلام هو الخيار، والاستقرار هو الهدف، وأمن المملكة وسيادتها خط أحمر لا يمكن تجاوزه. ولذلك ظلت المملكة تدفع باتجاه الحل السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن الحرب لا يمكن أن تكون طريقاً دائماً لإنهاء الأزمة اليمنية، وأن الشعب اليمني هو أول من يدفع ثمن استمرارها".
من جهتها، قالت صحيفة الغد إن "سمعة إسرائيل في العالم الغربي ليست كما كانت، وهذه إحدى نتائج الحرب، وقد رأينا مواقف عدة لإسبانيا ودول أوروبية أخرى أدانت إسرائيل في مراحل مختلفة". وأضافت: "تخرج دولة كبرى مثل بريطانيا وتفرض عقوبات على إسرائيل مثل حظر بضائع المستوطنات، وتفرض عقوبات على الشركات والأفراد، الذين يقدمون خدمات البناء، والتمويل، والبنية التحتية، أو العقارات المخصصة لتوسيع المستوطنات، مع رفض كافة طلبات التراخيص المتعلقة بتصدير الأسلحة أو المنتجات التي تساهم في دعم الاحتلال، مكملاً قراراً سابقاً بتعليق أكثر من 30 رخصة لتصدير السلاح، ومع هذا اتهام الخارجية البريطانية إسرائيل رسمياً بـ"غض الطرف" عن "تطهير عرقي" ينفذه مستوطنون متطرفون بحق المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية".
وأكدت صحيفة الصباح العراقية أنه "ليس السؤال اليوم الذي يدور في أذهان الجميع هو، كيف يمكن حصر السلاح بيد الدولة؟ فهذه ليست المرّة الأولى التي يُطرح فيها هذا السؤال، بل أصبح واحدًا من أكثر الأسئلة التصاقًا بفكرة الدولة العراقية منذ عام 2003. لكن السؤال الأكثر أهمية هو، ماذا سيحدث عندما تنتهي المهلة التي حدّدتها الحكومة في الثلاثين من أيلول الحالي، بينما لا تكون جميع الفصائل قد سلّمت سلاحها؟". ولفتت إلى أن "العراق أمام فرصةٍ تاريخية. فهو، طوال العقود الماضية، عانى طويلًا من تعدّد مراكز القوّة والقوى، ويستطيع أن ينتقل إلى مرحلةٍ جديدة إذا نجحت الحكومة في تحويل حصر السلاح من شعارٍ سياسيّ إلى عمليةٍ مؤسّساتيةٍ لا تستهدف طرفًا بعينه، ولا تمنح طرفًا آخر استثناءً". وخلصت إلى أن "نجاح الدولة لن يكون في قدرتها على جمع السلاح فحسب، وإنما في قدرتها على جعل السلاح جزءًا من مؤسّساتها، والقرار جزءًا من سيادتها، والاستقرار نتيجةً طبيعية لوجود دولةٍ واحدة، لا تتعدّد فيها مراكز القوّة والقرار".
(رصد عروبة22)

