العراق أمام فرصة تاريخيَّة

عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب)

إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، رغم ما تحمله من مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية جسيمة على العراق، قد تفتح في الوقت نفسه نافذة تاريخية نادرة أمام الدولة العراقية لإعادة تعريف موقعها ودورها في المنطقة. فالعراق ليس مجرد دولة تقع بين طرفي الصراع، بل يمتلك مجموعة من عناصر القوة التي تؤهله، إذا أحسن استثمارها، للانتقال من دولة مستهلكة ومستوردة إلى مركز إقليمي للإنتاج والنقل والطاقة والتجارة.

المسألة إذن لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية: كيف يحمي العراق نفسه من تداعيات الحرب؟ وإنما من زاوية أكثر استراتيجية: كيف يستطيع العراق أن يحول موقعه الجغرافي وموارده النفطية وسوقه الداخلية إلى أدوات لبناء قوة اقتصادية مستقلة؟ وهنا تبدأ النقلة الحقيقية في فلسفة الدولة الاقتصادية.

أولاًـ تحويل النفط إلى قوة اقتصادية: ينبغي أن نغادر السؤال التقليدي، كم نحتاج من النفط لتمويل الموازنة؟ وننتقل إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نستخدم عائدات النفط لتمويل اقتصاد يستطيع بعد عشر أو خمس عشرة سنة أن يقلل اعتماده على النفط؟ هذه هي جوهر عملية الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.فالثروة النفطية لا ينبغي أن تستهلك في الرواتب والنفقات التشغيلية وحدها، وإنما يجب أن تتحول تدريجياً إلى رأسمال وطني يُستثمر في الصناعة والزراعة والطاقة والنقل والموانئ واللوجستيات والتكنولوجيا والبنية التحتية.

العراق يمتلك سوقاً كبيرة، وموارد طبيعية ضخمة، وموقعاً يربط الخليج بتركيا وأوروبا، ويربط المشرق بالمشرق الآخر. لكن هذه المزايا لن تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية ما لم تُبنَ حولها استراتيجية وطنية متكاملة. وهنا تصبح مشاريع النقل والموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، وإنما جزءٌ من مشروع تحويل العراق إلى عقدة اقتصادية إقليمية.

ثانياً: ـ الجغرافيا العراقية من عبء إلى قوة: لطالما نظر العراق إلى موقعه الجغرافي باعتباره مصدراً للمخاطر، فهو يقع بين قوى إقليمية ودولية متنافسة. لكن يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى. الدولة التي تقع بين القوى الكبرى يمكن أن تتحول من ساحة صراع إلى مساحة التقاء، إذا امتلكت قرارها الوطني.

فالعراق يستطيع أن يكون جسراً اقتصادياً بين إيران والخليج، وبين تركيا والخليج، وبين شرق المنطقة وغربها، وأن يستثمر موقعه في شبكات التجارة والطاقة والنقل. وهذا يتطلب أن تتعامل الدولة مع موقعها الجغرافي بوصفه رأسمالاً استراتيجياً، لا مجرد حقيقة جغرافية.ثالثا ـ التوازن بدل المحاور: على المستوى الخارجي، لا يستطيع العراق أن يبني سياسته على قاعدة الانحياز الكامل إلى محور ضد محور آخر. فالجغرافيا تفرض عليه التعامل مع إيران، والاقتصاد يفرض عليه الانفتاح على دول الخليج، والمصالح الأمنية والتكنولوجية تفرض استمرار علاقاته مع الولايات المتحدة، والموقع التجاري والاستثماري يفتح أمامه مجالات واسعة للتعاون مع تركيا وأوروبا.

ولهذا فإن الخيار الأكثر واقعية ليس أن يكون العراق مع واشنطن ضد طهران، أو مع طهران ضد واشنطن، وإنما أن يبني توازناً عراقياً مستقلاً.

والتوازن هنا لا يعني مساواة جميع العلاقات، ولا تجاهل الاختلافات والمصالح المتعارضة بين الدول، وإنما يعني أن تكون بغداد هي التي تحدد مستوى علاقاتها ومجالاتها وحدودها وفق المصلحة الوطنية العراقية.العراق يحتاج إلى الولايات المتحدة في مجالات متعددة، لكنه لا يحتاج إلى أن يتحول إلى قاعدة أو منصة لمواجهة إيران. وفي المقابل، يحتاج العراق إلى علاقة مستقرة ومصالح متبادلة مع إيران بحكم الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ، لكنه لا يحتاج إلى أن يتحول إلى امتداد للسياسة الإيرانية. وهنا ينبغي أن تكون القاعدة الحاكمة للسياسة الخارجية العراقية، لا قطيعة مع أحد، ولا تبعية لأحد.

رابعاً ـ الاقتصاد وبناء الدولة: لا يمكن للعراق أن يصبح مركزاً إقليمياً للتجارة والطاقة والاستثمار في ظل دولة تعاني من ضعف المؤسسات، أو اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على النفط، أو نظام مصرفي غير قادر على مواكبة الاقتصاد الإقليمي والدولي. ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي ليس ملفاً منفصلاً عن الإصلاح السياسي والأمني.الدولة القوية اقتصادياً تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى قرار سيادي موحد. ومن هنا فإن إصلاح المصارف، وتطوير القطاع الخاص، وتحسين البيئة الاستثمارية، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتطوير النظام الضريبي والجمركي، ومكافحة الفساد، ليست مجرد إجراءات فنية؛ بل هي عناصر في مشروع بناء الدولة 

الحديثة.

خامساً ـ يمكن تصور مستقبل العراق بعد الحرب من خلال ثلاثة مسارات رئيسة:

المسار الأول: استمرار الوضع القائم، وهو أخطر المسارات. يبقى الاقتصاد ريعياً، والسلاح موزعاً، والسياسة الخارجية متأثرة بالمحاور، والدولة منشغلة بإدارة الأزمات بدلاً من صناعة المستقبل. وفي هذه الحالة ستظل كل أزمة إقليمية قادرة على إنتاج أزمة عراقية جديدة، وسيبقى العراق متلقياً لتداعيات الصراعات بدلاً من أن يكون لاعباً مؤثراً فيها.

المسار الثاني: التحول الأمني والسياسي دون التحول الاقتصادي، قد ينجح العراق في تعزيز مؤسسات الدولة وحصر قرار القوة بها، لكنه يبقى اقتصادياً معتمداً على النفط والاستيراد. وهذا قد ينتج دولة أقوى أمنياً، لكنها تظل ضعيفة أمام الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط والأزمات المالية. فالسيادة السياسية والأمنية لا تكتمل من دون سيادة اقتصادية.

المسار الثالث: بناء الدولة المتكاملة، وهو المسار الأكثر طموحاً، والأكثر قدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة. ويقوم على أربعة أعمدة مترابطة:

أولاً: دولة تحتكر قرار القوة.

ثانياً: اقتصاد متنوع يقلل الاعتماد على النفط.

ثالثاً: بنية تحتية تجعل العراق مركزاً للنقل والطاقة والتجارة.

رابعاً: سياسة خارجية متوازنة تجعل العراق شريكاً للجميع وليس تابعاً لأحد.

وهذا المسار وحده قادر على نقل العراق من موقع المتلقي للأزمات إلى موقع المستفيد من التحولات الإقليمية.

(الصباح العراقية)

يتم التصفح الآن