حالة الطبقة الوسطى في سوريا نموذج ومثال للحالة التي عاش فيها المجتمع السوري في الخمسة عشر عامًا الماضية بكل ما شهده من ثورة وصراعات، وحروب وهجرات، وموت ودمار، تركت بصماتها الأبرز والأكثر حضورًا في حياة السوريين.
وللحقّ فإنّ الطبقة الوسطى السورية دخلت دائرة تراجعها وضعفها، قبل اندلاع ثورة العام 2011، بحكم ما وصلت إليه حالة الدولة/السلطة والمجتمع. إذ عمّقت سياسة الأولى مشاكل المجتمع بدل الاستجابة لمطالب الإصلاح والتغيير، وأغرقته في أزمة سياسية مقرونة بتصاعد القمع الذي توجّه إلى الطبقة الوسطى في العشرية الأولى من القرن، وأشاعت الفقر في غالبيّة المجتمع، حيث صار أكثر من ثلثي السكان تحت خط الفقر وفق التقارير الدولية لعام 2010.
نظام الأسد كان في سنوات الحرب قوة تدمير للطبقة الوسطى
وبانطلاق الثورة، تحوّل القمع إلى حرب واسعة على الشعب، عطّلت مسارات الحياة في قطاعات الإنتاج والخدمات، وبدأت في تدمير البنى التحتية والاقتصادية والقوى العاملة مع عمليات حصار وتهجير وتدمير مناطق ذات أهمية وحساسية معيّنة، وسط تصعيد العسكرة، وإشراك أطراف محلية وإقليمية ودولية في المقتلة السورية، وكان من النتائج المباشرة لهذه التطورات أنّ الطبقة الوسطى أخذت مسارات التخفّي والاختفاء، وكان الأبرز فيها انخراط جزء منها في الحرب على جبهات القتال بدل دورها ونشاطها المدني، وتحوّل جزء آخر منها إلى الفقر الذي سبّبته الحرب، وما تبقّى ذهب على طريق الهجرة نحو بلدان الجوار أو اللجوء نحو الغرب الأورو-أميركي. وبكلّ الأحوال فإنّ قلّة محدودة من الطبقة الوسطى حافظت على وجودها ودورها متحدّيةً ظروف موتها.
لم يكن نظام الأسد في سنوات الحرب سوى قوة تدمير للطبقة الوسطى، وإن كانت المناطق الخارجة عن سيطرته أحسن حالًا في النوايا والأهداف، فإنّ انخراطها في العسكرة والحرب قاد إلى تحوّل سلبي في وجود ودور الطبقة الوسطى خاصةً مع اندماج جزء منها في ظاهرة أمراء الحرب، والمشاركين في الإدارة العسكرية ومؤسساتها المدنية.
عندما سقط النظام أواخر 2024، قاربت الاختفاء، ثم جاءت بعض الخطوات المرتجلة للسلطة الجديدة في تسريح الموظّفين وبناء مؤسسات جديدة بديلة للسلطة، وألحقت الضرر بالقلّة الباقية في وقتٍ كانت الحاجة تتزايد للكوادر والخبرات والتخصّصات العلمية والتقنية، بل بدا من الغريب والمُستهجن عدم تفاعل السلطات بصورة إيجابية وواسعة مع عائدين إلى البلاد ومهاجرين راغبين في المشاركة وممارسة دور في إعادة بناء البلاد، وكان ذلك من بين عوامل ضيّعت فرصًا في مسار عاميْن أعقبا سقوط الأسد، ومن عمر نظام جديد بديل.
سوريا بأشدّ الحاجة إلى طبقة وسطى حديثة نشطة وفاعلة
تبدو سوريا اليوم بأشدّ الحاجة إلى طبقة وسطى حديثة نشطة وفاعلة، وهذا لا يكمل البناء الهيكلي الطبيعي فقط، يملك روابط وقنوات تواصل وتفاعل بين أقلية في الأعلى وأكثرية في القاعدة. بل هي أدوات تنفيذ الخطط، ولا سيما خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال فئات الإداريين والتقنيين والخبراء، وهي بين الأدوات الرئيسية لإنهاض المجتمع وإخراجه من مشاكله الأساسية من خلال المربّين والمعلمين وأساتذة الجامعات والمعاهد، والمثقّفين والمبدعين وأصحاب المبادرات الخلّاقة.
إنّ رؤية الطبقة الوسطى ودورها الراهن تبدأ من تقييم تجربة السلطة في العامين الماضيين، وتجربة الطاقم الإداري والتقني الفاعل، وتقييم تجربة من خضعوا لعمليات التدريب، وتصويب الأخطاء التي وقعوا فيها، ودفعهم مجدّدًا نحو التقدم، إضافةً إلى إعادة الذين تمّ تسريحهم (أو معظمهم) إلى العمل، والاستجابة لرغبات كوادر السّوريين الرّاغبين بالعودة والمشاركة في إعادة بناء سوريا، ويوازي أهمية ما سبق إطلاق موجة من مبادرات تشجيعية للشابّات والشباب لأخذ دورهم في مجتمع سوري ينهض في مواجهة تحدّياته.
(خاص عروبة 22)

