تتابع "الجمهوريّة الإسلاميّة" حربها على دول المنطقة، مستهدفة دول الخليج العربي، بينما ليس في استطاعتها سوى تحييد إسرائيل التي تخشى ردّ فعلها. إلى متى تبقى إسرائيل تتفرّج؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة. يمثل ما تفعله إيران، عبر الحوثيين، محاولة لرسم خريطة سياسية وأمنيّة جديدة للمنطقة، إثر دخول "جماعة أنصار الله"، المخا، وتمركز مقاتليها في جزر عدّة يستطيعون من خلاها تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. لم تعد إيران في اليمن الشمالي فقط، بل تمددت، عبر الحوثيين، في مناطق أخرى.
على الأرض، باتت "الجمهوريّة الإسلاميّة" - إلى حد كبير - تتحكم بطرق النفط والغاز في المنطقة بعدما صارت في مضيق باب المندب ومضيق هرمز في الوقت ذاته. الأكيد أنّ مثل هذا الوضع غير مقبول، لا إقليمياً ولا دولياً، على الرغم من كل التلكؤ الذي تبديه الولايات المتحدة. هل المطلوب أميركياً خلق توازن جديد تلعب فيه إسرائيل دوراً أكبر على صعيد الأمن الإقليمي؟ قد لا يكون مصادفة وجود عبدالرحمن محمد عبداللهي، رئيس "جمهوريّة أرض الصومال" التي تعترف بها إسرائيل وتمتلك فيها وجوداً عسكرياً، في واشنطن حديثاً...
تمثّل السيطرة على صنعاء، قبل 12 عاماً، بداية صعود الحوثيين الذين بات في استطاعتهم إغلاق مضيق باب المندب متى وجدوا ذلك مناسباً... ومتى وجدت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران أنّ من الضروري اللجوء إلى مثل هذه الخطوة الانتحاريّة. إنّّها خطوة انتحارية، إنّما في المدى الطويل، نظراً إلى أن استمرار الوضع الراهن يجعل من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ارتفاعاً لا سقف له!
يمتلك الحوثيون قدرة فائقة على المناورة وإخفاء نياتهم الحقيقيّة وذلك منذ ما قبل سيطرتهم على العاصمة اليمنيّة يوم 21 سبتمبر من العام 2014. مهّدت السيطرة على صنعاء، في أواخر 2017، لاغتيال الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي لعب دوراً محورياً في صعودهم قبل انقلابهم عليه وطعنه في الظهر. ليس مستبعداً لجوء الحوثيين إلى تكتيكاتهم المعهودة في مرحلة ما بعد عودتهم إلى ميناء المخا الإستراتيجي الذي مكثوا فيه فترة قصيرة بعد اقتحامهم صنعاء وتمددهم في اتجاه الجنوب، بما في ذلك عدن، في العام 2015.
يُخشى مرّة أخرى ألّا تمتلك الولايات المتحدة ما يكفي من القدرة على استيعاب معنى تحكّم إيران بالملاحة في البحر الأحمر، المدخل الإجباري إلى قناة السويس. من اللافت تركيز الحوثيين في الوقت الحاضر على طمأنة الإدارة الأميركية في ما يخصّ حرية الملاحة في البحر الأحمر. وأيضاً، التجاهل الحوثي الكامل لإسرائيل. تردّ أميركا بإعلان أنّها "منخرطة في نقاشات"، مع "جماعة أنصار الله"، وهي التسمية التي اعتمدها الحوثيون الذين عرفوا في بداياتهم تحت تسمية "الشباب المؤمن".
هل تنطلي لعبة الحوثيين مجدداً على واشنطن "القلقة" حيال ما يجري في البحر الأحمر... أم تستعيد أميركا تاريخ الجماعة التي عرفت كيف تستفيد في السنوات الأخيرة من تراخي العالم الغربي؟ ليس معروفاً، إلى الآن لماذا وقف الغرب، ممثلاً بأميركا وبريطانيا، حاجزاً دون استعادة قوى تابعة لـ"الشرعيّة اليمنية" ميناء الحديدة مطلع العام 2018. من عادة الحوثيين، بتوجيه إيراني واضح، تفادي كشف نياتهم مباشرة بعد أي اختراق يحققونه. بعدما دخلوا صنعاء في مثل هذه الأيام قبل 12 عاماً سعوا إلى طمأنة اليمنيين ودول المنطقة والعالم، إلى أن أهدافهم ذات طابع سلمي ومرتبطة بحقوق حرمت منها مجموعة يمنية معيّنة بقيت على هامش الدولة التي قامت في 1962 إثر التخلص من النظام الإمامي.
لجأ الحوثيون وقتذاك إلى عقد اجتماع حضره ممثلون لـ"الشرعية" التي كان على رأسها عبد ربه منصور هادي (الرئيس الانتقالي الراحل) وممثل الأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر. من خلال التجارب التي مرت منذ نشوء الحركة التي تسمّى "جماعة أنصار الله" ذات الارتباط المباشر بـ"الحرس الثوري" الإيراني وبـ"الحزب" في لبنان، توجد خلاصة واحدة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها. وتتلخص بأنّ لا مجال للوثوق بالحوثيين الذين يخفون دائماً هدفهم الحقيقي.
هادن هؤلاء علي عبدالله صالح، بين 2014 و2017، وما لبثوا أن قتلوه بدم بارد. فاوضوا الدول المحيطة باليمن وتلك القريبة منها ولم يلتزموا أي اتفاق توصلوا إليه مع هذه الدول. انتهزوا فرصة التجاذبات، كي يحققوا اختراقاً في المخا وكي يسيطروا على جزر ذات أهمّية إستراتيجية في البحر الأحمر. كل من يثق بالحوثيين، خاسر. يشمل ذلك الولايات المتحدة نفسها التي كانت في الماضي القريب لا ترى في "أنصار الله" أي خطر. ما الذي ستفعله أميركا في الأيام والأسابيع المقبلة عندما ستكتشف أن إيران باتت تسيطر على باب المندب الذي ترى فيه امتداداً لسيطرتها على مضيق هرمز أو بديلاً من مضيق هرمز في حال اضطرت إلى تقديم تنازلات في ما يخصّه؟
لا يكون الردّ عليهم سوى بفتح جبهات أخرى والوصول إلى مرحلة تصبح فيها صنعاء محاصرة. هل هذا ممكن، هل يمكن نقل المعركة إلى عقر دار الحوثيين بدل بقاء هؤلاء، مع إيران طبعاً، مسيطرين على أجزاء كبيرة من اليمن؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في ضوء الموقف الأميركي الغامض الذي يطرح علامات استفهام في شأن التمهيد لدور محتمل لإسرائيل.
(الراي الكويتية)

