في العراق شرقي سوريا، وفي لبنان غربها، اندلعت في مطلع تشرين الأول /أكتوبر عام 2019 انتفاضتان شعبيتان سلميّتان متقدّمتان في مضمونهما، وحملتا آمالاً جديدة للسوريين المنكوبين – تلك الأيام- بحكم آل الأسد، الذي كانت محاولة إعادة تأهيله قد بدأت وانقطعت في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024. كان لهاتين الانتفاضتين مردود مقبول، ليس حاسماً بالنتيجة بسبب انقضاض نقيضهما عليهما. نتذكّرهما بإكبار، الحراك وضحاياه، الذين بلغ عددهم في العراق نحو 800 متظاهر قتيل، وأكثر من سبعة وعشرين ألف جريح.
كانت هنالك في البلدين إشارةٌ إلى تدخّل "طرف ثالث" معروف ومعلن في لبنان وتمّ تجهيله في العراق، حيث استُخدم الحديد والنار ضدّ المتظاهرين، وقُيّد ضدّ مجهول/معلوم. حتى فاجأ الناس مؤخّراً السياسي هادي العامري زعيم منظمة بدر التي نشأت وتخلّقت أساساً على الأرض الإيرانية؛ بتصريح له يحيي فيه "وقوف المقاومة بشجاعة أمام فتنة تشرين، وحفظها الدولة والنظام السياسي"، وكان بديهيّاً أن يفسّر هذا كإقرار بدور مهم لفصائل مسلّحة ومنظّمات معيّنة في قمع تلك الانتفاضة، إضافة إلى ما قامت به مجموعات شعبوية أخرى.
وكما يفعل "حزب الله" في لبنان، ترفض الفصائل المسلّحة العراقية الأعمق ارتباطاً بالحرس الثوري الإيراني تصفية وجودها واستقلالها العسكري، ما دام التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة موجوداً، وتتحدث عن مواجهة أخطارٍ أخرى تتوالد، جوهرها الاصطفاف مع الجهود الإيرانية في حربها مع واشنطن وإسرائيل والدول التي تراها في صفّهما في المنطقة. هي تنطلق في ذلك من "حق المقاومة" ضدّ الاحتلال، وتعميم الاحتلال ليشمل كلّ ما يعيق تحقيق السيادة الكاملة داخل الحدود وربّما خارجها. متذرّعةً بالقانون الدولي، الذي يسمح بذلك بشكلٍ صريح ضماناً لحقّ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي بمقاومته بكلّ الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح لتحقيق التحرّر وتقرير المصير. ويبدو أن الحكومة العراقية الجديدة لا تريد التورّط بمفاهيم المقاومة والاحتلال والنيل من السيادة الوطنية، كما ترِد لدى بعض الفصائل، ولدى السلطة الإيرانية والحرس الثوري من ورائها؛ في حين كانت حكومات عراقية متعاقبة- كما الحكومة الحالية - تربط نزع سلاح الفصائل وحصر حق حيازته واستعماله بالدولة، كما يقتضي القانون الدولي أيضاً وبشكلٍ مطلق.
من هنا جاءت إشارة رئيس الحكومة الزيدي إلى تاريخ الثلاثين من سبتمبر كحدّ فاصل لوجود التحالف في العراق، متفّق عليه ما بين حكومته والأمريكيين. كأنّ هنالك احتلالاً سوف ينتهي في ذلك اليوم، وينتهي معه حق المقاومة، هكذا من دون وضوح في المصطلحات والمفاهيم. ولأنّ الأمور لا تحدث بكبسة زرٍّ كما يقال، ومراعاة لحسن الجوار مع إيران، التي أرسلت قائد فيلق القدس لديها لمتابعة الأمر ميدانياً، تراجعت الحكومة شكلاً على الأقل، وقالت إنها لم تقصد أن يكون تاريخ الثلاثين من سبتمبر نهاية حصر السلاح، بل بدايته. ومن ثمّ، فهو ليس إنذاراً نهائياً يمكن آن يبدأ بعده حصر السلاح وحق ممارسة العنف بالدولة.
وبالمناسبة، لا يتميْز العراق عن نماذج أخرى تحمل معالم متقاربة، مثل لبنان كما قلت، وهو لا يختلف جذرياً عن تجارب مثل تلك التي كانت في إيرلندا وأفغانستان وكولومبيا واليمن. يقول أصحاب تجربة العراق ولبنان إنهما "مقاومة"، ويتمتّعان بغطاء قانوني كقانون الحشد الشعبي في العراق، والبيانات الحكومية عند طلب الثقة من البرلمان في لبنان. في حين أنّ تلك المقاومة تحوّلت في تجارب أخرى، مثل كولومبيا وإيرلندا إلى أحزاب سياسية تناضل سلمياً من أجل برامجها التي أصبحت أقل ثقلاً وكثافة بشكل طبيعي، وهي تخضع لاتفاقات وأحكام دستورية التزمت من خلالها بنزع سلاحها. لكنّها في اليمن وأفغانستان رفضت تسليم سلاحها (بعد الخروج السوفييتي في أفغانستان ثمّ هيمنة طالبان: الميليشيا الأقوى والأشدّ انضباطاً وأكثر شباباً… وتشدّداً.
أما في اليمن فقد حاولت "مخرجات الحوار الوطني اليمني" 2013-2014 وضع بند دستوري ينص على نزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، لكن غياب سلطة قضائية وتنفيذية قوية أدى إلى نجاح اقتحام الجماعة الحوثية للعاصمة بسهولة في عام 2014 وسيطرتها على مؤسسات الدولة، ما جعل نزع السلاح معضلة لم يصل الأمر حتى إلى طرحها، بالقهر والغلبة وفي ظلّ غياب القضاء وتعطيله وسقوط العاصمة تحت سلطة الأمر الواقع. ومبدئياً، يفرّق القانون الدولي بشكل حاسم ما بين قوى المقاومة التي تمارس حداً مقبولاً من العنف ضد الاحتلال- حين يكون احتلالاً غير ملتبس على الإطلاق- والمجموعات الإرهابية، في الهدف والوسيلة. فالمقاومة تهدف إلى إنهاء الاحتلال وطرد القوات الغازية وتطبيق حق تقرير المصير، وكلّها أهداف يقرّها ميثاق الأمم المتحدة. في حين أنّ قوى الارهاب تهدف إلى إشاعة الخوف والذعر، لتحقيق مآرب سياسية أو إيديولوجية خارج السياق الوطني الجامع. وفي حين تلتزم المقاومة المشروعة بالقانون الدولي والإنساني وبأعراف الحرب؛ يستهدف الإرهاب المدنيين العزّل، كما أنه "يخطف" و"يأخذ الرهائن" وينفّذ "تفجيرات عشوائية" و"إطلاق نار" عشوائي أحياناً، غالباً لتحقيق أهدافه الخاصة.
كذلك، ليس الاحتلال مفهوماً مفروغاً منه وحالة لا شكّ فيها حالياً، بعد أن ظهرت اجتهادات مهمة لمحكمة العدل الدولية وفي القانون الدولي المعاصر، بل أصبح علي شكلين أحدهما قانوني، مؤقّت ومشروع، ويكون إجراءً مرحلياً تنطبق عليه حالة الدفاع المشروع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ولردّ اعتداء أو تهديد مباشر. وثانيهما احتلال جليّ يبرّر الكفاح المسلح ضدّه. هذا "الاحتلال" ذاته، تقطْعت أنفاس القوى المذكورة ذاتها، آو أسلافها، وهي تناشد وتتضرّع من أجل حدوثه في أواخر القرن المنصرم، ومطلع الحالي، وهي لم تصبح بهذه القوة في العراق، ومعها إيران، لولاه ولولا بركاته… ونظلمها بالطبع إن عمْمنا هذا عليها جميعها.
ومنذ أيام أضاف رئيس الحكومة العراقية السابق والشخصية البارزة في الإطار التنسيقي/الشيعي نوري المالكي، رميةً استباقية مجهولة المفاعيل، عندما قال جازماً: "لا نزعَ سلاحٍ للفصائل بعد الثلاثين من سبتمبر، بل تنظيم واحتواء"، مما يمكن آن يعيد الأمور إلى الدائرة الجهنمية والمربع الأول، الذي لا يسمح بدعم الدولة كصاحب حق حصري بالعنف وحمل السلاح، متفّق عليه ما بين الحكومة والأمريكيين. يقتات الإرهاب على التوتْر، ولا يتوقْف عن إثارته، بل يبدع في ذلك، إلى أن يجد سدْاً متيناً في وجهه، أو تتلاشى قواه مع استمرار ضعفه ووحدة خصومه… لكنْ القلق مشروع، وقد أصبح لنا عادة يومية!
(القدس العربي)

