في دولة عربية مثل مصر تحديدًا تحوّلت الزيادة السكّانية إلى تفسير معلّب وجاهز لمشكلات كثيرة، من التعليم والصحة إلى البطالة والإسكان والنقل. وكان السؤال دائمًا - ولا يزال - هو كيف نحدّ من الزيادة، وكيف نُقنع الأسر بإنجاب عدد أقل من الأطفال؟.
انخفاض الخصوبة أصبح تحوّلًا ديموغرافيًا واضحًا داخل عدد متزايد من المجتمعات العربية
لكنّ الصورة بدأت تتغيّر مؤخرًا. فوِفقًا لورقة سياسات أصدرها منتدى البحوث الاقتصادية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، واعتمدت على بيانات مسح سوق العمل المصرية لعام 2023، انخفض معدل الخصوبة في مصر من نحو 3.5 أطفال لكل امرأة عام 2014 إلى نحو 2.2 عام 2023، أي بتراجع يقارب 37% خلال أقلّ من عشر سنوات.
وفي المغرب، أظهر التعداد العام للسكان لعام 2024 أنّ المعدل هبط إلى 1.97 طفل لكل امرأة، مقابل 2.47 عام 2004، وأصبح أقلّ من مستوى الإحلال السكّاني البالغ نحو 2.1. وفي تونس انخفض المعدّل إلى 1.5 في عام 2024، بينما بلغ في الكويت نحو 1.6.
لم يعد انخفاض الخصوبة إذن ظاهرة أوروبية أو شرق آسيوية بعيدة، وإنما أصبح تحوّلًا ديموغرافيًا واضحًا داخل عدد متزايد من المجتمعات العربية.
المشكلة عندنا أصعب من دول أخرى لأنّ أنظمة الرعاية الاجتماعية في معظم الدول العربية أضعف
وراء هذه الأرقام تغيّر اجتماعي حقيقي. الزواج أصبح أكثر صعوبة وكلفة، والسكن مشكلة في معظم المدن العربية، وفرص العمل غير مستقرة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشباب. سنّ الزواج ارتفع في مجتمعات كثيرة، والنساء يقضين سنوات أطول في التعليم ويُشاركن بصورة أكبر في سوق العمل، كما تغيّرت تصوّرات النّاس عن الأسرة نفسها. عدد الأطفال الذي كان طبيعيًا قبل جيلين لم يعد كذلك الآن. كثير من الأزواج يريدون طفلًا أو طفليْن فقط، وبعضهم يؤجّل الإنجاب لأنه لا يشعر أصلًا أنه قادر على تحمل تكلفته.
المهم أنّ هذا التحوّل لا يحدث فقط في الدول الغنيّة. لو كان انخفاض الخصوبة مقصورًا على الخليج لكان من السهل تفسيره بارتفاع الدخل والتعليم والتحضّر. لكن وجود الظاهرة عينها في مصر والمغرب وتونس يعني أننا أمام تغيّر أوسع داخل المجتمع العربي. وقد يبدو هذا خبرًا جيّدًا. فدول مثل مصر والمغرب ظلّت لعقودٍ تشكو من الضغط السكّاني على المدارس، والمستشفيات، وفرص العمل، والخدمات. وإذا كان عدد الأطفال داخل الأسرة ينخفض فمن الطبيعي أن نتوقّع تراجع هذا الضغط تدريجيًا. لكن الأخبار الجيدة لا تظلّ بالضرورة جيدة إلى الأبد.
الأطفال الذين لا يولدون اليوم لن يدخلوا سوق العمل بعد عشرين عامًا. وفي الوقت عينه يرتفع متوسط العمر المتوقّع على المدى الطويل. ومع استمرار انخفاض الخصوبة تتحرّك المجتمعات تدريجيًا نحو زيادة نسبة كبار السن مقارنةً بالشباب في سن العمل. وهذا ليس احتمالًا بعيدًا. ففي تونس بلغ مَن هم في سن الستّين فأكثر نحو 17% من السكّان في 2024، وفي المغرب ارتفعت نسبتهم من 9.4% عام 2014 إلى 13.8% عام 2024. وحتّى مصر ستتحرك تدريجيًا في الاتجاه عينه مع استمرار التحوّل الديموغرافي.
قد نصل إلى مرحلة الشيخوخة قبل أن نستفيد اقتصاديًا من مرحلة الوفرة الشبابية
قد تكون هذه المشكلة عندنا أصعب من دول أخرى لأنّ أنظمة الرعاية الاجتماعية في معظم الدول العربية أضعف، ولأن الأسرة ظلّت تقوم بوظائف كثيرة تقوم بها الدولة في مجتمعات أخرى. حين يكبر الأب والأم يظلّ الافتراض أن الأبناء سيهتمّون بهما. هذا النموذج كان أسهل عندما كان لدى الأسرة أربعة أو خمسة أبناء. لكن ماذا يحدث عندما يصبح هناك ابن واحد أو ابنان فقط؟ وماذا لو هاجر أحدهما وكان الآخر يعمل طوال اليوم بينما يحتاج الأبوان إلى رعاية صحية مستمرّة؟
ثم هناك سوق العمل. كثير من الدول العربية لم تنجح حتى الآن في الاستفادة الكاملة من أعداد الشباب الموجودة لديها. البطالة بين الشباب ما زالت مرتفعة، ومشاركة النساء في سوق العمل منخفضة مقارنة بمناطق أخرى من العالم. معنى ذلك أنّنا قد نصل إلى مرحلة الشيخوخة قبل أن نستفيد اقتصاديًا من مرحلة الوفرة الشبابية. الدول التي استفادت من تحوّلها الدّيموغرافي فعلت ذلك لأنها خلقت وظائف وحسّنت التعليم ورفعت الإنتاجية ووسّعت قاعدة دافعي الضرائب. وهذا هو جوهر ما يسمّى بالفرصة الديموغرافية، وهي فرصة لا تستمرّ إلى الأبد.
في مصر مثلًا، سيستمرّ عدد السكان في الارتفاع لفترة طويلة حتى مع انخفاض معدّل الخصوبة، بسبب ما يعرف بالزخم السكّاني. فمصر تضم أجيالًا كبيرة العدد وصلت إلى سنّ الإنجاب أو تقترب منه. ولذلك يمكن أن تنجب المرأة عددًا أقل من الأطفال في المتوسط، بينما يظل العدد الإجمالي للمواليد كبيرًا لأنّ عدد النساء في سنّ الإنجاب عينه كبير. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2024، قد يرتفع عدد سكان مصر من نحو 116 مليون نسمة في 2024 إلى نحو 166.5 مليونًا في 2054. أي أنّ الضغط السكاني لن يختفي سريعًا، حتّى مع انخفاض الخصوبة.
السؤال لم يعد كم سيكون عددنا وإنما ما تركيبة هذا العدد
المفارقة أن خطابنا العام ما زال يتحدّث في معظمه بلغة قديمة. نناقش السكان وكأنّ السؤال الوحيد هو كيف نقلّل عدد المواليد، بينما بدأت مجتمعات عربية بالفعل تواجه الوجه الآخر للتحول عينه.
السؤال لم يعد فقط كم سيكون عددنا، وإنّما أيضًا ما تركيبة هذا العدد: كم سيكون عدد الشباب؟ وكم سيكون عدد كبار السن؟ ومَن سيعمل؟ ومَن سيعول مَن؟ وهل ستكون لدينا أنظمة تعليم وصحة ومعاشات قادرة على التعامل مع مجتمع يختلف كثيرًا عن ذلك الذي عرفناه خلال العقود الماضية؟.
(خاص عروبة 22)

