صحافة

الشتاء الأكثر قسوة على أوكرانيا وأوروبا وروسيا

مصطفى السعيد

المشاركة
الشتاء الأكثر قسوة على أوكرانيا وأوروبا وروسيا

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

تعيش معظم عواصم ومدن أوروبا أجواء الحرب، فالبيانات الداعية إلى الاستعداد لحرب وشيكة في مواجهة روسيا تتردد في كل مكان "أعدوا المخابئ. خزنوا الطعام والدواء. احملوا بطارية وراديو ومبالغ مالية سائلة. جهزوا إسعافات أولية للجرحى"، وعلى مسار آخر تتجهز الجيوش، ويرتفع الإنفاق العسكري، وتزداد مناورات التدريب، وتتحول مصانع سيارات وأجهزة كهربائية إلى مصانع أسلحة وذخيرة، ولا يناقش الإعلام هل تندلع الحرب بين أوروبا وروسيا أم لا، بل تناقش متى ستندلع، وكيف ستكون المواجهات، وأي الجبهات ستشتعل أولا.

الوضع في روسيا لا يختلف كثيرا عن أوروبا، وإن كانت المدن الروسية اعتادت أجواء الحرب، لكن معظم الروس يرون أن مواجهة مباشرة مع أوروبا أفضل من المواجهة معها على أرض أوكرانيا، ويعتقدون أن الحرب مندلعة بالفعل، وما سيتغير هو اتساع ساحة الحرب ليشمل عواصم ومدنا أوروبية، ولن تكون روسيا الوحيدة التي تكتوي بضربات أوروبية ولا ترد إلا داخل أوكرانيا.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي يتوق إلى مشاركة مباشرة لأوروبا في الحرب، حتى لا تدفع أوكرانيا الثمن الباهظ وحدها، ولهجته في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان لافتا، فقد دعا إلى وقف فوري للحرب دون شروط مسبقة، وعلى الأقل وقف استهداف محطات الطاقة قبل الشتاء القاسي. كانت أوكرانيا قد كثفت استهداف مصافي ومخازن الوقود ومحطات البنزين في روسيا، ووجدت أنها أهداف سهلة ومؤلمة وتثير الرعب من كثافة النيران واستمرار اشتعالها، بما يؤثر على معنويات الشعب الروسي، وبالفعل تأثرت روسيا وعانت ضربات الطائرات المسيرة المنطلقة من أوكرانيا إلى أهداف تجاوزت العاصمة موسكو، واضطرت روسيا إلى إغلاق كلي أو جزئي للكثير من مصافي النفط، خاصة القريبة من الحدود الأوكرانية، واستوردت مشتقات بترولية من الهند مقابل تصدير النفط إليها، وجاء الرد الروسي أكثر إيلاما لأوكرانيا، فقد استهدفت جميع محطات الطاقة الأوكرانية، ووضعتها في الأولويات، ودمرت الموانى الأوكرانية على البحر الأسود، خاصة ميناء أوديسا الضخم، مما جعل أوكرانيا دولة حبيسة، محاصرة بحريا.

المناشدات الأوكرانية لأوروبا بسرعة تعويضها عن تدمير روسيا لمحطات الطاقة تلقى الاهتمام والدعم، لكن أوروبا تعاني أكثر من أي وقت مضى من انخفاض مخزونها من النفط والغاز، فلم تفقد فقط نفط وغاز روسيا بعد المقاطعة الأوروبية الجماعية، بل فقدت أهم مواردها البديلة من دول الخليج التي لا تستطيع إخراج سفن شحن النفط والغاز من مضيق هرمز، فالحرب بين إيران والولايات المتحدة مستعرة حول المضيق، والسفن القليلة التي تخرج تتكلف مبالغ باهظة في الحماية والتأمين وفرص النجاة، وعندما تعاني أوروبا أزمة طاقة فإن أوكرانيا ستكون الأكثر تضررا من شتاء بلا تدفئة، يمكن أن يجبر سكان العاصمة كييف والمدن الكبرى على الرحيل، فالمباني الشاهقة تتعرض لانقطاعات في الكهرباء والغاز، والمصاعد تتوقف، ولا يمكن تخيل ماذا سيكون الوضع في شتاء يقترب.

أوروبا تتعامل مع الحرب وكأنها أمر واقع لا يمكن تجنبه، والرئيس الروسي بوتين لم يعد يحتمل الصبر على الحرب الرمادية، ويتهم بريطانيا وألمانيا وفرنسا بالاشتراك الفعلي في الحرب، ولوح بأجيال أشد فتكا من الصواريخ التي يمكن أن تدمر الصناعات العسكرية الأوروبية، ونشر الكثير من الصواريخ في بيلاروسيا، وظهر جيل جديد من الطائرات المسيرة الروسية النفاثة، السريعة للغاية وتقترب من قدرات صواريخ كروز، ومزودة بالذكاء الإصطناعي، بما يجعلها قادرة ذاتيا على تغيير مساراتها، وانتقاء وتحديد الأهداف.

التكهنات بإمكانية وقوع الحرب في الشتاء تستند إلى ما يحدث على الجبهة الأوكرانية، واقتراب روسيا من السيطرة على آخر مدينتين في إقليم الدونباس وهما كراماتورسك وسلوفيانيسك، وأصبحت القوات الروسية على مسافة تقل عن أربعة كيلومترات من المدينتين، وكذلك تتقدم نحو آخر معاقل القوات الأوكرانية في زابورويجيا، وتحقق تقدما كبيرا في خاركيف. وأوروبا يصعب أن تتقبل الهزيمة في أوكرانيا، خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الدول الأكثر حماسا للحرب والأقل استعدادا عمليا لها.

فجيوش تلك البلدان الثلاثة التي كانت تملأ الأرض خوفا لم تعد بتلك القوة السابقة، بل إن جيوش كل منها يدور عددها حول المائتي ألف مقاتل، وكلهم بدون خبرات قتالية، ومن الصعب أن تلجأ إلى التجنيد الإجباري، فالأغلبية يرفضون الحرب رغم كل التحشيد الإعلامي، والتلويح بالخطر الروسي القادم. سيكون الشتاء المقبل الأشد قسوة، ليس للتراجع الشديد في مخزون الطاقة وارتفاع أسعارها فقط، بل مع احتدام المعارك على أشدها في أوكرانيا وإمكانية تمددها إلى أنحاء أوروبا في أي لحظة، ليكون الشتاء اختبارا قاسيا لأطراف الحرب.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن