تقدير موقف

عن موقع لبنان من خطاب ترامب في الجمعية العامة!

كان خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر/أيلول خطابًا كاشفًا بكل المعايير لطبيعة السياسة الأميركية، وأسلوب الرجل الأول - وربما الوحيد - المسؤول عن إدارتها.

عن موقع لبنان من خطاب ترامب في الجمعية العامة!

أظهر الخطاب الأحكام المتحيّزة وغير الموضوعية التي صدرت عنه بخصوص بعض القضايا، كما في حديثه عن مصادر عدم الاستقرار في المنطقة وكأنّها تعود إلى إيران وحدها، مع أنّ هذه المصادر عديدة وعلى رأسها إسرائيل، وكما في اعتزازه بنتائج خطّته لإحلال السلام في غزّة، مع أنّها حتى الآن صفر كبير، فما زالت إسرائيل تقتل المواطنين، وتغتال قيادات المقاومة، وتدمّر المنشآت، وتنتهك التزاماتها بإدخال المساعدات بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وتُعرقل تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وترفض إدخال اللجنة الفلسطينية المكلّفة بتسلّم السلطة في غزّة من حركة "حماس"، من دون أن يمنع هذا كله ترامب من الفخر والاعتزاز بإنجازات وهميّة لخطته للسلام.

إسرائيل لا تريد أن تتوقّف عن القتل والتدمير في لبنان

غير أنّ ثمّة سمة أخرى ظهرت إلى جوار التحيّز وعدم الموضوعية، وهي سمة التغافل كما ظهر بوضوح في عدم إتيانه على ذكر الوضع في الضفة الغربية ولبنان ولو بحرف واحد، وحتّى لو التمسنا له العذر في إغفال الحديث عن الضفة الغربية، على اعتبار أن خطته لم تشملها، وهو عذر واهٍ لأنّ المعلوم أنّ له موقفًا معلنًا من ضمّ إسرائيل للضفة، وهو موقف تتحدّاه ليل نهار بجرائم المستوطنين بحماية الجيش ضد سكانها، فكيف لنا أن نقبل تغافله عن الوضع في لبنان؟.

ذلك لأنّ لإدارة ترامب الآن سياستها المحدّدة تجاه لبنان التي تقوم أساسًا على إحلال السلام بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وقد رعت هذه الإدارة مسارًا تفاوضيًا ثنائيًا يُفْترض أنّه وصل إلى اتفاق إطاري يواجه تحدّيين كبيرين:

أولهما يتعلق بطرفَيْ الاتفاق، ذلك أنّه من ناحية لا يوجد إجماع وطني لبناني على الاتفاق، وهذه مسألة لبنانية داخلية ليس بمقدور ترامب أن يلعب دورًا فيها، غير أنّه من ناحية أخرى فإنّ السياسة الإسرائيلية في لبنان - كما هي في غزّة - لا تريد أن تتوقّف عن القتل والتدمير، وفرض رؤيتها لأمنها وأمن المنطقة على الجميع، وهي سياسة إسرائيلية متجذّرة وراسخة تجاه محيطها، وحتى لو تذرّعت بوجود مقاومة مسلحة لها في غزّة ولبنان فكيف تبرّر امتداد هذه السياسة إلى سوريا التي لا يُخْفي نظامها الحالي نواياه السلميّة تجاه إسرائيل، ومع ذلك ما زال هدفًا للعربدة الإسرائيلية حتى الآن.

ربْط إيران بين الملف اللبناني وملف المواجهة مع إسرائيل وأميركا يمكن أن يعرقل المسار الثنائي الذي يرعاه ترامب

أمّا التحدّي الثاني الذي يواجه الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل فهو يأتي من خارجه، وبالتحديد إيران التي ربطت بين الملف اللبناني وملف المواجهة الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ربط يمكن أن يتسبّب في عرقلة المسار الثنائي الذي يرعاه ترامب، وكان المفترض والأمر كذلك أن يهتمّ في خطابه أمام الجمعية العامة، ولو من أجل إنقاذ ما تبقّى من صدقيّة سياساته، بإشكاليّات الوضع في المسار اللبناني - الإسرائيلي، وأفكاره بشأن تجاوز هذه الإشكاليّات، لأنّ استمرار انسداد أُفق التقدم في هذا المسار، إضافةً إلى الحال ذاته في المواجهة مع إيران، فضلًا عن فشل جهوده حتى الآن في تسوية الحرب الأوكرانية، يحمل بالتأكيد رسائل يُفْتَرَض أن تكون مقلقةً له ولكلّ من يهتم باستدامة الصدارة الأميركية للنظام العالمي، خاصّةً أن هذه الصدارة تعرّضت من دون شك لحالة من التآكل التدريجي منذ بداية هذا القرن.

ذلك أنّه إذا كانت هذه البدايات قد شهدت ذروة الانفراد الأميركي بقيادة العالم كما تجلّت في الغزو الأميركي للعراق عام 2003 الذي تحدّى مجلس الأمن، فإنّ التطورات اللاحقة كافة حملت معها مؤشرات على بداية هذا التآكل، بل إنّ المشروع الأميركي في العراق في حدّ ذاته كان مؤشرًا في الاتجاه عينه، فقد واجهت الولايات المتحدة مقاومةً ضاريةً في العراق كبّدتها خسائر بشرية فادحة (4488 قتيلًا وأكثر من 32 ألف جريح وفق البيانات الرسمية الأميركية)، ما أدّى إلى انسحاب أساسي للقوات الأميركية أواخر 2011، مع بقاء بعثة أمنية ومستشارين، ويجري حاليًا العمل على إتمام الانسحاب النهائي. ولم تكن الخسارة السياسية أقلّ وطأة، فقد فتح الغزو وتداعياته السياسية صفحة النفوذ الإيراني في العراق التي لم تُغْلق حتى الآن.

يواجه مأزقًا تاريخيًا لن يحلّه التغافل عن المشكلات أو تجميلها

ثم كانت الضربة الكبرى باتفاق ترامب في ولايته الأولى مع حركة "طالبان" على الانسحاب من أفغانستان التي غزتها الولايات المتحدة عام 2001، وأسقطت حكم "طالبان"، وبقيت فيها 20 سنة، لتعود "طالبان" إلى الحكم مرةً أخرى، ناهيك بالصعود الصيني والروسي.

ويواجه ترامب حتى الآن حالة انسداد في المواجهة مع إيران جعلت البعض يشبّه حربه عليها مع إسرائيل بعدوان السويس على مصر عام 1956، ولذلك يمكن القول إن ترامب، بل ومن يأتي بعده، يواجه مأزقًا تاريخيًّا لن يحلّه التغافل عن المشكلات أو تجميلها كما فعل أمام الجمعيّة العامّة!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن