بصمات

محاصرة "التخريب" وتعزيز الهوية!

إنّ إنسان ما بعد الحداثة اليوم لم يعد بإمكانِه الخلوّ بنفسه بعيدًا عن المجتمع الحيّ، في سبيل التخطيط لبناء المجتمع "اليوتوبي" المثالي. فانهمامُه بالحرية والعدالة والكرامة ومفاهيم الوجود الكبرى لا يمكنه الاشتغال الفلسفي عليها مِن خارج بؤرة الواقع. إلّا أنّ فرصةَ التفكير في مجاوَزة الإجراء اليومي لحفظ الأمن الشخصي والاجتماعي والسياسي ممكنة إذا ما تعزَّزت النظرة إلى العلاقات الإنسانيّة في إطار الاجتماع الثقافي المفتوح.

محاصرة

لئن كان التخريب متفشِّيًا في السياق الحضاري بإيذاء قصديّ غاشم، فإنّ محاصرة التخريب ممكنة إذا ما وعينا شروط التمييز بين عبثيّة الخراب وانبعاثية الاختلاف. ذلك أنّ المجتمع الثقافي إذا ما دخل في مشروع حيوي لبناء مفهوم العيش المشترك، فإنّه سيهدم فرصَ التخريب في احتلال المساحات العامِرة، لأنّه سيكون قادرًا على ممارسة السيادة الثقافيّة لتحصين النفس ضدّ مهاوي الشرور الولائية والتبعية.

والتخريب لا ينحصر في الدمار المادي الذي تحدِثُه الحروب فحسب، بل هو العطَب الذي يُطاول القيم المشتركة التي تربط الجماعات بعناصر التمكين التواصلي الإبداعي كالثقة واللغة والتفكير الحرّ، وهي التي تؤسّس للذاكرة المشتركة، وبالنتيجة تفسِحُ المجال أمام إمكان استشراف المستقبل المشترك للعيش الإبداعي الآمن. لذا فإنّ تعزيز الانشغال بفلسفة العيش معًا سيؤدّي إلى الانشغال الدائم بإنتاج المعنى الحقيقي للوجود الهنيء، بحيث ينتجُ المجتمع المتماسك مواقفه المستقلَّة من داخل تجربته التاريخيّة الحيّة، فلا يبقى رهين الصراعات والأفكار والمصالح التي تُفرَض عليه من خارج محاولاته الوثيقة لتشكيل الكينونة الاعتبارية.

الأمن الثقافي لا يتم تكريسه إلا بمحاصرة التخريب العبثي

المشكلة ليست في وجود فاعل للتخريب فحسب، بل في قابليّة البيئة المحليّة لاعتماد الذهنية الولائية في كل أمر. ذلك أنّ الأمن الثقافي الذي يضمن الفاعلية الحضارية المقبولة عالميًّا لا يتمّ تكريسه واقعًا إلا بابتداء مشاريع محاصرة التخريب العبثي، وذلك من خلال الإفصاح الإجرائي عن مضامين ثقافة الاختلاف التي تجعل الفرد يجاوِز ثقافة الدفاع الدّائم عن النفس إلى التموضع الأنطولوجي بمبادرة الكون بالسؤال، وهذا ما يؤسّس الشروط الدائمة لمقاومة التخريب.

هذا ما يتمّ بتحويل الهُوية الثقافية من مخزون ثابت للعادات والقيم والتقاليد والأفكار إلى رصيد لا يكفي لمواكبَة الحاضر. عندئذٍ تُضطرّ الذات من موقع القدرة المقرونة بالإرادة إلى الانشغال بإنتاج معنى للوجود في المجتمع اليوم. فإذا ما تنازَلت الذّوات عن عُقَد الانتماء إلى لحظاتٍ سابقةٍ للحضور، ستتولَّد في الحال إمكانات التفسير لانبثاق الكينونة المواكبة للحدث الرّاهن.

إنّ الانفتاح المباشر على العلوم القائمة يجعلُ من الذات الحيّة كيانًا فاعلًا في تشكيل حيثيّة العلوم في المجتمع المعرفي، ويغدو المجتمع كلّه مجالًا يعزّز حضور الإنسان الباني على مكوث الإنسان المخرِّب، فننتقل من ذهنية التذكُّر والضغينة إلى عملية التفكر في المسير والمصير.

هنا ننتقل من الهوية الموروثة غير المُنتِجة إلى الهوية الإبداعية من طريق ملازَمة الهوية المعيشة، أي عبر ابتكار طريقةٍ تتيح التفكير في مضامين الهوية في الزمن الرّاهن، بحيث تتكرّس مشروعيّة السؤال، بما هي فعلٌ تاريخي يتقصّى الإجابات المستقبليّة الممكنة عن مصير الكائن البشري في هذا العالم. وهنا لا تكفي ثقافة التحصين للتراث أو ذهنية الحماية والدفاع عن النّفس، بل لا بدّ من العيشِ تحاوُرًا، فالآخر لن يكون يومًا بعيدًا عن الذّات، بل إنّ اللقاء الدائم هو المجال الحيوي لأي تفكير وانتماء.

ولو أخذنا وضعيّة الحرب اليوم، علينا أن نفهمَها من موقع البطولة، بمعنى أن نُحاصر تخريبها بفرض شروط السّلام الدائم. وهنا المسألة لا تعني الانتصار العسكري أو السياسي فحسب، بل نقصد تهيئة المجتمع للاعتراف بقوّته داخل الأزمة التي يمرّ بها. فليست الخسارة العسكرية آخر مطاف التفكير في القدرة على العيش الآمن داخل الوطن، بل هي نقطة البداية في إثارة التساؤل الحرّ عن شروط تجاوُز لحظة الخراب والدمار إلى لحظة المبادرة الحرّة في إنتاج الهوية الثقافيّة المفعمة بالعزيمة على منع العدو من الاستفادة الشاملة، بالتخريب والاحتلال والهيمنة وفرض سلطة الأمر الواقع على مجتمع اليأس والهزيمة.

فلسفةَ التحرّر لا تنجزها الشعارات بل تقوم على الاشتراك في صناعة المعرفة

إنّ الانشغال بتعزيز الأمن الاجتماعي يؤسّس لتوريش العمل في تنمية البيئة الداخلية للمجتمع، بحيث يمكن تحديد أثر التخريب ومحاصرته ومنع امتداده إلى نواة التركيب المجتمعي، وذلك باستثمار المساحات الآمنة في بناء المؤسّسات المنتجة والمصانع الكبرى وتعزيز الاقتصاد بما يضمن الحاجة إلى تطوير العلوم والعناية بمخرجات الجامعات والمعاهد العلمية. ثم إنّ تشكيل الفرد القوي، حيث هو، أفضل من إهماله وهو يتداعى أمام مشهديّة العجز عن مواجهة القدر الذي أجبره على العيش الضعيف أمام أصحاب الذّهنيات التخريبية الفالتة. فصدُّ العدوان وحماية الجغرافيا المكانيّة والسياسيّة للبلد لا يمكن أن يأتيا بصوت الرصاص والحروب العبثية، بل بمواكبة الصّيرورة العلمية الحيوية للتّكنولوجيا الذّكية وأدوات التفكير الآلي الرّاهنة، بحيث نضمن العيش العلمي المشترك في العالم اليوم، وليس العيش الاستهلاكي على ما هو مشترك بين صُنَّاع القرار من رجال الأعمال الكبار أو دولهم المُهيمنة.

إنّ فلسفةَ التحرّر اليوم لا تنجزها شعارات الحرية والسيادة والاستقلال التي شغلت سياسات القرن الماضي، بل إنّها تقوم على إحراز فرصة الاشتراك في صناعة المعرفة، وتوسيع خيريَّتِها الأخلاقيّة لتشمل نفعيّتها العملية لبني الإنسان.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن