تبدو أسعار الطاقة العالمية في قلب المعركة الراهنة، بعدما ضاقت فرص التسوية، سواء في ما يتعلق بالحرب الأميركية ـ الإيرانية أو الحرب الروسية ـ الأوكرانية، نتيجة الاستهداف المتكرّر للمنشآت الحيوية، إلى جانب تعطيل حركة الملاحة البحرية في مضيق هُرمز، ما ترك الأمور مفتوحةً على كافة الاحتمالات. وفيما يحاول الوسطاء والدول المعنية لعب دورٍ توافقيٍّ والبحث عن تفاهماتٍ دوليةٍ أوسع تضبط الأمور وتضع حدًا للتوترات الحالية، تبدو العُقد والعراقيل على حالها، ما يُرجّح "فرضية" فشل المفاوضات وبقاء الأمور معلّقة حتى إشعارٍ آخر. وأعلنت وكالة الطاقة الدولية، أمس السبت، أن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 325 مليون برميلٍ من النفط والمنتجات النفطية من احتياطيات الطوارئ، بما يمثل أكثر من 80 في المئة من إجمالي 400 مليون برميلٍ تعهّدت بضخّها في الأسواق خلال آذار/مارس الماضي، لمواجهة اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وجاء إعلان الوكالة بعد اتفاق قادة مجموعة السبع على الإفراج عن 100 مليون برميلٍ من احتياطيات الطوارئ، في تحركٍ يستهدف تخفيف الضغوط على الإمدادات وأسعار الوقود. في حين خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليؤكد مجددًا أن أسعار النفط ستنخفض إلى مستويات ما قبل شباط/فبراير 2026 وربما إلى ما دونها بمجرد انتهاء الحرب مع إيران، مشيرًا إلى أن أوروبا لديها كميات كبيرة من الديزل، وأنها ستقدم مساهمةً كبيرةً إلى السوق العالمية وإلى الولايات المتحدة. وهذا الكلام المتكرّر هدفه إراحة الأسواق المضطربة وتهدئة المخاوف، على الرغم من أن المؤشرات لا تشي بذلك، خصوصًا بعد ردّ واشنطن السلبي على المقترح الإيرانيّ الأخير، والقاضي بفتح مضيق هُرمز خلال مدة سبعة أيام مقابل تنفيذ شروطها، مع محاولاتٍ حثيثة يبذلها الوسيط القطري عبر طرح مجموعةٍ من الحلول البديلة الساعية إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين. وتتّجه الأنظار إلى ما سيحمله الأسبوع المقبل من تطوراتٍ وسط توقعاتٍ بتكثيف الحراك الدبلوماسيّ، مع بقاء احتمال التصعيد العسكري حاضرًا. وتواجه طهران ضغوطًا متزايدة مع مواصلة الريال الإيراني تراجعه إلى مستوياتٍ قياسيةٍ جديدةٍ، إذ تجاوز للمرة الأولى حاجز الثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو، على الرغم من إعلان البنك المركزي ضخّ ما يصل إلى ملياري دولار في السوق لدعم العملة الوطنية، فيما يتأزم الوضع الاقتصادي بفعل العقوبات والحصار البحري الأميركي المتشدّد، بحسب وكالة "رويترز". ويسعى النظام إلى ضبط الأوضاع داخليًا، منعًا لأيّ تحركاتٍ أو احتجاجاتٍ من شأنها إشعال فتيل الأزمة أكثر، تمامًا كما جرى في كانون الثاني/يناير الماضي، حين اجتاح شوارع طهران الآلاف من المتظاهرين المطالبين بتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية، قبل أن تستخدم السلطة الحاكمة العنف والاعتقالات، كما ضاعفت وتيرة الإعدامات لبثّ الخوف في صفوف الإيرانيين.
"لكن بقاء الحال من المُحال"، كما يُقال، وهو ما تدركه القيادة الإيرانيّة جدًا، ومن هنا، جاء كلام الرئيس مسعود بزشكيان، الذي أكد فيه أن حكومته اتخذت ترتيباتٍ جديدةً لإدارة الظروف الاستثنائية لمنع العدو من تحقيق أهدافه من الحرب الاقتصادية، مشددًا على أن هذه القيود، التي ازدادت وتيرتها، لن تستطيع تحقيق أهدافها بفعل "مساندة شعبنا والخطوات التي تُتّخذ مؤخرًا". هذا وتتصاعدُ التهديدات الأميركيّة، إذ نقل موقع "أكسيوس" عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، أن اجتماعًا عُقد بين كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب استمرّ لساعاتٍ في كامب ديفيد، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، في لقاءٍ لم تعلن عنه واشنطن. وبحسب الموقع، ترأس نائب الرئيس جي دي فانس، بمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين هذا الاجتماع. ويأتي الاجتماع في توقيتٍ شديد الحساسيّة، خصوصًا أن لقاءً مماثلًا عُقد في حزيران/ يونيو 2025، أي قبل أيامٍ من بدء الحرب، ما يضفي أهميةً في ظلّ الضبابية التي تحيط بمسار الصراع واستمرار التهديدات المتبادلة وبقاء الأوضاع في مضيق هُرمز "في مهب الريح". وتعرضت ناقلتا نفطٍ لهجومٍ بمقذوفٍ "مجهولٍ" أثناء محاولتهما عبورهما المضيق، يوم الجمعة الماضي، في أحدث تطورٍ يُهدّد حركة الملاحة.
وتحوّل المضيق إلى عقدةٍ مستعصيةٍ، لا سيّما أن كافة الصيغ المتبادلة للحلّ تسعى إلى إعادة ضبط الأوضاع في هذا الشريان الحيوي الاستراتيجي. وتريد واشنطن وحلفاؤها عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بدء الحرب، بينما تسعى طهران إلى توظيفه باعتباره إحدى أهم أوراقها التفاوضية، تمامًا كما تحاول أن تكون لها اليد الطولى في القتال المستعر في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. لكن، قبل الدخول في هذه الجبهة المشتعلة ومستجداتها، لا بدّ من الإشارة إلى أن السلطات الأميركية رحّلت اثنين من أعضاء الوفد الإيراني، اللذين حضرا أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، نتيجة عدم امتثالهما لطلب واشنطن مغادرة البلاد. ويتزامن هذا الإجراء مع ما سبق وكشفه موقع "أكسيوس" عن قيام وزير الخارجية، ماركو روبيو، بطرد وفدٍ إيرانيٍّ تفاوضيٍّ، من ضمنهم وزير الخارجية عباس عراقجي، بعد عدم تحقيق أي تقدّمٍ يُذكر على صعيد المباحثات ووصولها إلى طريقٍ مسدودٍ، على الرغم من نفي طهران هذه الرواية جملةً وتفصيلًا. واعتُبِرت خطوة روبيو "توبيخًا دبلوماسيًا غير معتاد" إلى حدٍّ كبيرٍ، وكشفت عن عمق انعدام الثقة بين البلدين، وسط جهودٍ لم تُثمر بعد عن نتائج لإنهاء الحرب التي أسهمت في دخول لاعبين جدد وتوسّع رقعة التوتر إلى ساحاتٍ جديدة. ففي اليمن، الأمور على حالها من التصعيد الدراماتيكيّ، مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ ضرباتٍ على أهدافٍ حيويةٍ لجماعة الحوثيين في العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة، مؤكدةً أن قدرات الجماعة لن تكون في مأمنٍ من نيران القوات، وأنها ستُدمَّر. كما كشفت عن تنفيذ 257 عملية استهدافٍ شملت صنعاء وميدي وباقم والجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز.
في المقابل، أفاد المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، بقصف شركة "أرامكو" السعودية في العاصمة الرياض بصواريخ باليستيةٍ وطائراتٍ مًسيّرةٍ ردًا على استهداف صنعاء، مشيرًا إلى تعرّض العاصمة ومحافظات أخرى لـ60 غارة جوية خلال 24 ساعة، ما رفع إجمالي الغارات إلى 1420 غارة، مضيفًا أن "الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد". لكن هذا الادعاء نفاه المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، خلال حديثه لصحيفة الشرق الأوسط"، مؤكدًا أن ما ورد يدخل في إطار محاولات الجماعة "البحث عن انتصاراتٍ وهميةٍ نتيجة ما تتعرض له في تعز وما نتابعه ونشاهده من خسائر بشرية لعناصر الجماعة على يد أبطال القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية في جميع الجبهات". ومع دخول التصعيد الجاري شهره الرابع، تتوالى التحذيرات الدولية من خطورة الوضع الإنسانيّ المتدهور أصلًا، مع غياب أيّ حديثٍ عن تفاهماتٍ أو مفاوضاتٍ جديةٍ لارتباطها بشكلٍ وثيقٍ بالحرب المستمرّة بين واشنطن وطهران. في الأثناء، تستمر الإدارة الأميركية في "الوقوف على الحياد" ورفض العودة إلى ضرب الحوثيين في اليمن، على الرغم من الهجمات التي تشنّها الأخيرة على السعودية، وتهديدها الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، ما عزاه موقع "بوليتيكو" إلى أسبابٍ عمليةٍ وعسكريةٍ وسياسيةٍ تفسر جانبًا من إحجام واشنطن عن فتح جبهةٍ جديدةٍ وتريّثها حتى الساعة. ومن ضمنها أزمة نقص الذخائر، التي تفاقمت جزئيًا بسبب الحرب مع إيران، إلى جانب وجود قناعة في واشنطن مفادها بأن جماعة الحوثي شريكٌ لطهران أكثر من كونها وكيلًا تابعًا لها، ولديها مظالم وأهداف خاصة بها، ما يجعل التعامل معها عسكريًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعدما أظهرت قدرةً عاليةً على تعديل الصواريخ وتحسين أنظمة التوجيه وإطالة مدى الأسلحة من خلال التجربة والخطأ، ما يعني أن توقف الإمداد الإيرانيّ سيضرّ بقدراتها لكنه لن يشلّها بالضرورة.
وبغض النظر عن السياقات والأسباب التي يتمسك بها ترامب للبقاء خارج المواجهة السعودية الحوثية لأطول فترةٍ ممكنة، إلا أن المعطيات تكشف عن أن الحوثيين يستغلّون ذلك لتوسيع تهديداتهم للملاحة في باب المندب، مع إدراك السعودية حجم المخاطر التي تحيط بها. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، إن لجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لـ"اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين بلاده والسعودية وتركيا، ستعقد اجتماعًا طارئًا في الرياض، الأسبوع المقبل، لبحث هجمات جماعة الحوثي المتكرّرة، متحدِّثًا عن رغبة أكثر من 6 دول في الانضمام إلى "حلف مكة". وتوالت الإدانات ومواقف الشجب العربية والدولية، خلال الأيام الماضية، بعد تعرّض المملكة لعدة أعمالٍ إرهابيةٍ، فيما كانت الأعين تتجه إلى حادثة قاعدة "فيرفورد" الجوية الواقعة جنوب غرب إنجلترا، التي تستخدمها القوات الأميركية في حملتها ضدّ طهران، بعد تهديدات الأخيرة بتوسيع النطاق الجغرافي للمواجهات إلى مواقع ومناطق جديدةٍ، وصولًا إلى المحيط الهندي "أو ربما أبعد منه". وبينما لا تزال تبعات وخلفيات الحادثة قيد التحقيق ويعتريها الكثير من الغموض، أعلنت شرطة مكافحة "الإرهاب" البريطانية الإفراج بكفالة عن شخصٍ يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية كان اعتُقل على خلفية مخطط الاستهداف، من دون تقديم المزيد من الإيضاحات. من جانبه، حذّر وزير الدفاع البريطاني، ويس ستريتنغ، من مخططات النظام الإيراني الذي "لديه نوايا عدائية"، مؤكدًا أن لندن ستدرس الردّ المناسب "بعد التوصل إلى استنتاجاتٍ مؤكدةٍ في ما يتعلق بقاعدة فيرفورد".
وتُلقي هذه الحادثة بثقلها على المشهد العام، لا سيّما أن المنطقة برمّتها تعيش تبعات التصعيد، فالحرب الأميركية ـ الإيرانية باتت صراعًا إقليميًا محتدمًا، مع بروز بغداد وبيروت وصنعاء في صدارة الأحداث. فالعراق، على سبيل المثال، يحاول الحدّ من تبعات القرارات الأميركية، ولا سيّما ما يتعلّق بحظر الطيران الإيراني. إذ نجحت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، في الحصول على موافقة واشنطن لتسيير 40 رحلة جوية يوميًا من وإلى مطار النجف لشركات الطيران الإيرانية، باستثناء شركة "ماهان"، ما قوبل بترحيبٍ من شخصياتٍ وجهاتٍ حليفةٍ لطهران. من جهةٍ أخرى، جدّدت قوى "الإطار التنسيقي" دعمها الكامل لجهود الحكومة في حصر السلاح في يد الدولة ونزع أسلحة الفصائل، على الرغم ممّا يواجهه هذا القرار من عقباتٍ، أُضيفَ إليها الانسحاب الأميركي بعد سنواتٍ طويلةٍ، ما ترك الأبواب مشرّعةً أمام مختلف الاحتمالات، خصوصًا أن خروج هذه القوات لم يترافق مع نزع السلاح المتفلّت، وفق ما وعدت به حكومة الزيدي، قبل أن تُرجئ الأمر إلى منتصف حزيران/يونيو 2027. وهذا الموضوع الحسّاس والمعقّد لن يكون علاجه بالسهل اليسير، وتبدو الساحة اللبنانية خير دليلٍ على ذلك، مع محاولات تبذلها الحكومة من أجل حلّ هذه المعضلة من دون "صدامٍ داخلي". في الأثناء، تعيد زيارات أركان الدولة، من رئيس الجمهورية، جوزاف عون، إلى رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، إلى مناطق الجنوب، تسليط الضوء على محاولاتها تثبيت حضورها وعدم التخلي عن دعمها لهذه البلدات في مواجهة العدوان الإسرائيلي. فملفات إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي وبسط سيطرة الشرعية ليست مجرّد شعارات رنّانة، بل حقائق تسعى إليها حكومة سلام، الذي زار الجنوب ثلاث مراتٍ منذ تولّيه رئاسة الحكومة في شباط/فبراير 2025.
ووضع سلام عودة مؤسّسات الدولة إلى الجنوب في مواجهة معادلة الانتظار المفتوح للتسويات الإقليمية. وقال إن انتظار تسوية إقليمية كبرى "ليس خيارًا"، مشدّدًا على أولوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وبناء دولة يكون لها "جيشٌ واحدٌ وقرارٌ واحدٌ"، خصوصًا في ما يتعلّق بقرارَي الحرب والسلم. كما أعلن عن سلسلة مشاريعٍ ومناقصاتٍ إنمائيةٍ في القضاء، في محاولةٍ لربط الرسالة السياسية بحضورٍ مؤسّساتيٍّ وإنمائيٍّ على الأرض. لكن هذه الحكومة تنوء تحت هول الأزمات التي تعاني منها، من مواصلة إسرائيل اعتدءاتها وهجماتها إلى التعثّر في ملف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مع عدم تحديد موعد جولةٍ جديدةٍ نتيجة حسابات تلّ أبيب، التي تستعدّ لانتخابات الكنيست المفصلية أواخر الشهر الحالي، وصولًا إلى عدم التجديد لقوات "اليونيفيل" وغياب البت بإمكانية وجود بدائل، على الرغم ممّا يدور في الكواليس عن مساعٍ فرنسيةٍ دؤوبةٍ في هذا الإطار. توازيًا، التقى رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، أمين سرّ دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، على أن ينتقل إلى باريس لعقد سلسلة لقاءاتٍ تتناول الوضع في لبنان، خصوصًا مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل". وأوضحت مصادر مطّلعة أن مهمّة كرم في الفاتيكان تندرج أساسًا في إطار التشاور حول مسار المباحثات وإبقاء الكرسي الرسولي على اطّلاعٍ على تطوّراته، لا في إطار البحث عن بديلٍ مباشرٍ عن هذه القوات الأمميّة. ويتقاطع هذا الحراك اللبنانيّ والدوليّ مع التحركات الإسرائيليّة الميدانيّة، إذ استمرت الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية جنوبًا. من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيليّ عن إصابة ثمانية جنودٍ من اللواء المدرّع السابع بجروحٍ طفيفةٍ، إثر حادث سيرٍ وقع خلال نشاطٍ عملياتيٍّ، معلنًا فتح تحقيقٍ في ملابسات الحادث.
إلى ذلك، يدخل لبنان مرحلة انتظارٍ ثقيلة، لا يملك فيها موعدًا ثابتًا لمسارٍ سياسيٍّ، ولا ضمانة بأن الجولة العسكريّة المرتقبة ستفتح باب التسوية، تمامًا كما يجري في قطاع غزّة، حيث لم يفلح قرار وقف النار في التحول إلى واقعٍ ملموسٍ مع استمرار الاحتلال في غاراته وهجماته والإعلان عن سقوط المزيد من الشهداء والجرحى. وفي أحدث المعطيات، رجّحت إذاعة الجيش فشل محاولة اغتيال علي العمودي، القيادي البارز في حركة "حماس"، في قطاع غزّة. وخلّف الاستهداف 5 ضحايا، هم 4 نساء وطفل نتيجة استهداف شقةٍ سكنيّةٍ، فيما طالبت الحركة الوسطاء والإدارة الأميركيّة بـ"تحمّل مسؤولياتهم إزاء هذه الانتهاكات الخطيرة، واتخاذ مواقف جادة تكبح جماح الاحتلال، وتتصدى لمحاولات مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، اتخاذ اتفاق وقف إطلاق النار غطاءً لمواصلة حرب الإبادة والمجازر". في إطارٍ منفصلٍ، وجّهت السلطات الفرنسية اتهاماتٍ إلى خمسة أشخاصٍ للاشتباه في تمويلهم "حماس" عبر جمعياتٍ إنسانيةٍ، وفق ما أعلنت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، أمس السبت. أما في ما يتعلق بحادثة طائرة "فلاي دبي"، التي كانت متجهةً إلى تلّ أبيب، فأعلن النائب العام الإماراتي أن التحقيقات في هذه الواقعة كشفت أن مساعد قائد الطائرة، العُماني الأصل، هجم عليه مستخدمًا "فأس الطوارئ" في إطار خطةٍ لتنفيذ "عمليةٍ إرهابيةٍ"، وفق ما أفادت به وكالة "وام"، فيما كشفت وكالة "رويترز" ان اسمه هُمَام الهُمَامي.
دوليًا، جدّدت روسيا دعوتها إلى الدبلوماسيين والأجانب الموجودين في العاصمة الأوكرانية كييف إلى المغادرة، وتعهّدت بمواصلة "ضرباتٍ انتقاميةٍ واسعة النطاق" عليها، بالتزامن مع مقتل 6 أشخاص بغاراتٍ روسية. يأتي ذلك بعد تصريحاتٍ للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أكد فيها أن بلاده "لن تستهدف مدنيين" لكنها ستكثّف هجماتها على مصافي النفط الروسية، ردًا على سياسة موسكو الجديدة المُتمثّلة في شنّ غاراتٍ جويةٍ بهدف إجبار سكان كييف ومدنٍ أوكرانيةٍ أخرى على مغادرتها. وذكر زيلينسكي أن الدافع وراء هذا التحول في السياسة هو "رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الظهور بمظهر القوي، في وقت يخسر فيه جيشه أراضٍ في منطقةٍ رئيسيةٍ على خطّ المواجهة، ويُمنى بمزيدٍ من الخسائر البشرية".
هذه الأخبار وغيرها ناقشتها تحليلات وافتتاحيات الصحف العربية الصادرة اليوم. وفي الآتي موجزٌ بأبرزها:
كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية: "تبدو منطقة الشرق الأوسط، في اللحظة الراهنة، أكثر حاجة إلى التفاوض، وأقل استعداداً له في الوقت نفسه، فمن فلسطين ولبنان والسودان والعراق واليمن، ومن المواجهة مع إيران إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، تتعدد ساحات الصراع وتتشابك، بحيث يصبح احتواء إحداها إجراءً مؤقتًا لا يحول بالضرورة دون انتقال التوتر إلى ساحة أخرى، ومع ذلك، فإن الجهود الدبلوماسية تتحرك بصورة جزئية، وغالبًا بعد اقتراب المواجهات من حافات خطرة، بهدف لجم التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة". واعتبرت أن "خطورة الهدن تكمن في تحولها من جسر نحو السياسة إلى بديل دائم عنها، فهي بإمكانها أن تجمّد بعض مظاهر الصراع، لكنها تترك بنيته قائمة، وقد تمنح الأطراف وقتًا لترميم قدراتها وتحسين مواقعها قبل الجولة التالية، لكنها بدلًا من أن تكون بداية للخروج من الحرب، تصبح جزءًا من دورتها، التي تبدأ بالتصعيد فالوساطة وصولًا إلى الهدنة، ثم الانفجار مرة أخرى".
أما صحيفة "عكاظ" السعودية، فتطرقت لما يجري على صعيد استهداف الأماكن المقدسة قائلة إن "الحوثيين سوف يواجهون مصيرهم كما كان أمر القرامطة، حيث يكون سخط المسلمين لهذا الفعل المستهدف للمدينتين المقدستين. ومن أولى الحقائق أن الحوثيين جماعة وليسوا دولة، والشرعية (السلطة في اليمن) تحاربهم، وجميع دول الإسلام ساخطة عليهم، والحقيقة المؤكدة أن صواريخ الحوثيين لا تؤثر فينا، ولا تشغل المواطنين من قريب أو بعيد، والأجمل أن السعودية تغطي على مواطنيها بالأمان والرخاء الدائم، فلا تهتز حياتنا قيد أنملة على ما نحن فيه من حياة مطمئنة. ونحن نعيش زمن الحرب، وقد عشنا متلقين للحروب، ومحاربين في أماكن أخرى". وأضافت أن "ما صواريخ الحوثيين إلا تجريب لصبر السعودية، وهي الدولة التي نهضت لحماية الشعب اليمني من فئة مخربة، عاثت فسادًا في اليمن، ولأن السعودية ملبية لطلب الجمهورية اليمنية لاستعادة الشرعية، سوف ينفد صبرها، هي دولة والحوثيون جماعة، فكيف لجماعة تهدد دولة وكذلك تهدد دولًا إسلامية في مقدساتها؟".
صحيفة "الغد" الأردنية، أكدت أن "الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تمس منطقة تتقاطع فيها الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية. وقد رفضت الصين وروسيا الهجمات ودعتا إلى وقفها، لكن الرفض السياسي لا يعني التزامًا تلقائيًا بخوض الحرب دفاعًا عن طهران. فبكين وموسكو توازنان بين علاقاتهما بإيران، ومصالحهما الخليجية، ومخاطر الصدام مع واشنطن. وتبدأ عتبة الخطر الأعلى عندما يتحول الدعم السياسي أو المادي إلى اشتباك مباشر بين قوات القوى الكبرى". وشددت على أن "الاعتداءات الحوثية على السعودية والملاحة، مع الدعم الإيراني للحوثيين، تكشف اختلالًا آخر في بنية الأمن الإقليمي. غير أن وصف الموقف الأميركي بالسكوت المطلق يحتاج إلى تدقيق؛ فتقارير حديثة تشير إلى مساعدة استخبارية واستشارية أميركية للسعودية، مع محدودية الانخراط المباشر. لذلك تتمثل المشكلة الاستراتيجية في الفجوة بين توقعات الحماية وحدود الالتزام الأميركي، بما يدفع الرياض إلى تنويع شراكاتها وتعزيز قدرتها الذاتية على الردع".
(رصد "عروبة 22")

