استعدادات أمريكية وإيرانية لخوض جولة جديدة من المعارك بعد فشل التوصل إلى تسوية، فالولايات المتحدة تحشد المزيد من الطائرات والبوارج والقنابل الثقيلة، وتتوعد بضربة مدمرة لإيران، وعلى الجانب الآخر تعلن إيران جاهزيتها للحرب بحملة واسعة للتجنيد وأسلحة جديدة قالت إنها ستفاجئ الولايات المتحدة، وستجبرها على الانسحاب.
ربما يكون الحشد العسكري المتبادل بهدف الردع والضغط لتحسين شروط التفاوض في مبادرة جديدة، لكن المشكلة ليست في الحشد ولا التهديدات، إنما في تباعد المسافة بين ما يمكن أن يقبله الجانبان، فالرئيس الأمريكي ترامب مزق مذكرة التفاهم التي وقعها، وغالبا كان يعتزم تمزيقها قبل توقيعها، ولم يكن يستهدف من المفاوضات والاتفاق على مذكرة التفاهم سوى كسب المزيد من الوقت لكي يعود إلى الحرب، فمن الصعب أن يقبل باتفاق أسوأ بكثير من اتفاق الرئيس الأسبق أوباما مع إيران، والذي اعتبره هزيمة نكراء وخيبة كبيرة، وإيران لن تقبل بأقل من اتفاق أوباما، بل أصبحت في موضع أقوى مما كانت عليه وقت الاتفاق، فالظروف الدولية والإقليمية أفضل كثيرا، فلم تكن الصين قد خرجت من شرنقتها في شرق آسيا، وروسيا كانت تعيد بناء قوتها، وخيار خوض حرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل كان صعبا ومقامرة خطيرة، والآن أصبحت أكثر ثقة في قدراتها وحلفائها، ولن تقبل بأقل من رفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة، والاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي، وأضافت مطلب التحكم في مضيق هرمز.
هذا ما يجعل الهوة عميقة بين الجانبين، خاصة إذا أضفنا الأهداف غير المعلنة، والمتعلقة برغبة ترامب في السيطرة على بترول وغاز إيران، إضافة إلى ثروات دول الخليج، بما يمكنه من الضغط على كل من روسيا وإيران، فالتحكم في الغاز والنفط سيجعله متحكما في سعرهما، وبالتالي ستكون الورقة الأكثر تأثيرا على روسيا المعتمدة على تصدير الغاز والنفط، وإذا كانت روسيا لديها أكبر احتياطي عالمي من الغاز فإن إيران تحتل المرتبة الثانية تليها قطر والولايات المتحدة، وبهذا تكون أمريكا الأكثر سيطرة وتحكما في سعر الغاز وتجارته، وكذلك النفط، الذي تحتاجه الصين، الخصم الأكثر خطورة على الولايات المتحدة، وهناك أيضا أمن إسرائيل التي ترى أن إيران تشكل أكبر خطر عليها.
متى يمكن أن تندلع الجولة الجديدة؟ لم تتهيأ الحشود الأمريكية الكافية لجولة طويلة من القتال، ولهذا يصعب اندلاع مواجهات كبيرة قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، وتحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من القطع البحرية والحشد الجوي، أما احتمال خوض حرب برية فقد تراجع كثيرا، لأن الحرب البرية مع دولة بحجم إيران يحتاج ما لا يقل عن نصف مليون جندي، ومع انسحاب القوات الأمريكية في العراق الخميس الماضي أصبح الاحتمال شبه معدوم، وإن كان من غير المستبعد القيام بعملية إنزال محدودة وسريعة، وهذا يختلف عن حرب برية.
الوقت المرجح للحرب بعد الانتخابات الأمريكية، حيث يتخفف ترامب من الضغوط، ويحل فصل الشتاء الأنسب للقوات الأمريكية، ويكون قد أنتج كمية من الذخائر تكفي لجولة جديدة من القتال. السؤال الملح هو "هل يمكن أن يحقق ترامب في الجولة المنتظرة ما لم يحققه فى الجولات السابقة؟". سيظل هذا السؤال يطارد الرئيس الأمريكي ووزير حربه، فالمؤشرات لا تميل إلى قدرة أمريكا على تحقيق تغيير ملموس في نتائج المواجهات، فالولايات المتحدة ليست في حالة أفضل مما كانت عليه قبل الحرب، بل العكس، فقد تضررت بعض قواعدها في دول الخليج والعراق، وتضاءل مخزونها من الذخائر، وفقدت أعدادا كبيرة من الطائرات والرادارات، وظهرت قوتها البحرية أقل كثيرا من المتوقع، والأهم أنها فقدت ثقة حلفائها في المنطقة.
يظل الخيار النووي أو نوع جديد من الأسلحة هو القادر على إحداث تغيير، وهذا احتمال صعب للغاية، لأن استخدام سلاح دمار شامل سيلحق ضررا كبيرا بإسرائيل وحلفاء واشنطن، بل والولايات المتحدة، ويكفي أن تلقي إيران بقنبلة من اليورانيوم المنضب لتحدث اضطرابا هائلا يهز إسرائيل، ومن غير المستبعد امتلاك إيران لما هو أشد فتكا، وستدفع دول الخليج الثمن الأكبر بتدمير منشآت الطاقة وبنيتها التحتية.
لهذا لن تحقق الجولة المنتظرة من الحرب تغييرا ملموسا في موازين القوى الحالية مهما تكن خسائر الجانبين، والحل المنطقي أن يتم التوصل إلى اتفاق ولو مؤقت يزيل حالة الاحتقان الحادة والاستنزاف المتواصل لمنطقة حيوية ومؤثرة على الاقتصاد العالمي، ومن الأفضل تجنب أي مواجهات عسكرية طالما لن تحقق شيئا، وهذا يتطلب أن يكف الرئيس ترامب عن تصور أن أمريكا قوة لا يمكن هزيمتها.
(الأهرام المصرية)

