هل يمكن أن يتهور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويستخدم الأسلحة النووية ضد إيران؟ الإجابة للأسف هي نعم، فمن مجمل سلوك هذا الرجل منذ دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى مطلع عام 2017 وحتى الآن، يمكن عدم استبعاد أي سلوك متهور مهما بلغت درجة غرابته. وفي نفس الوقت يمكن أن نتفاجأ بأن ترامب يخرج علينا ليعلن التوصل إلى اتفاق سياسي مع طهران. لكن عموما فإن فرص العودة للعمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران أكبر من فرص التسوية السياسية.
يوم الأحد الماضي خرج علينا الإعلامي الأمريكي المعروف تاكر كارلسون بتغريدة شديدة الخطورة تقول: "إن إدارة ترامب على بعد أيام قليلة من شن ضربة نووية ضد موقع جبل الفاس الإيراني بضغوط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو". هذه التغريدة حصدت 60 مليون مشاهدة حتى مساء أمس الأول الإثنين طبقا لما نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
التحليل الأولي لهذا العدد الضخم من المشاهدات يعكس بوضوح مدى المخاوف العالمية من إقدام ترامب على شن ضربة نووية ضد موقع جبل الفاس الذي تقول واشنطن إن إيران أعادت تشغيل برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم فيه، وهو مجمع تحت الأرض يقع على مسافة أقل من 2 كيلو متر جنوب منشأة نطانز جنوب طهران، في حين أن إيران تنفي كل ذلك وتقول إنه مخصص لتجميع وتصنيع أجهزة الطرد المركزي.
كارلسون إعلامي معروف جدا وكان أحد أشد المؤيدين لترامب لكنه الآن دائم الانتقاد له، خصوصا تحالفه مع نتنياهو. وهذا الإعلامي اليميني المحافظ له علاقات وطيدة مع غالبية أركان الطبقة السياسية الأمريكية، وهناك من يرى أن تغريدة كارلسون هي تسريبة ترامبية مقصودة بهدف تشديد الضغط على ايران ودفعها للوصول الى تسوية بشروط أمريكية .
نعود للسؤال الجوهري الذي بدأنا به، وهو: هل يقدم ترامب على استخدام الأسلحة النووية، وهو الأمر الذي لم يفعله أحد منذ 1945، حينما أمر الرئيس الأمريكي الأسبق هارى ترومان باستخدام الأسلحة الذرية ضد اليابان، وقصف مدينة هيروشيما بالقنبلة الأولى في 6 أغسطس 1945، ومدينة ناجازاكى بالقنبلة الثانية في 9 أغسطس مما أجبر اليابان على الاستسلام الفوري، وكانت النتيجة مقتل 200 ألف شخص، ناهيك عن آثار الإشعاع لسنوات طويلة.
كارلسون استخدم تعبير "ضغوط نتنياهو" على ترامب وهو أمر صار ملفتا للنظر، فبينما يقوم ترامب بمهاجمة غالبية رؤساء وكبار المسؤولين في العالم وفي أمريكا، بل ويتنمر عليهم، نراه "حمامة وديعة جدا" مع نتنياهو، وإلى حد ما مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتتعدد الاجتهادات في تفسير ذلك وتبدأ من إيمان ترامب بالصهيونية وضرورة حماية إسرائيل، مرورا بالتبرعات اليهودية له ولحزبه الجمهوري وتنتهي عند أن إسرائيل تمتلك أدلة مادية خطيرة يمكن أن تنهي حياة ترامب السياسية فورا.
ومن يلاحظ تصريحات ترامب الأخيرة سوف يكتشف أنه استخدم عبارة متكررة تقول إنه سيضرب موقعا أو موقعين ولن يستغرق ذلك أكثر من عشر دقائق، وبعدها ستنتهي الحرب تماما. والترجمة الفعلية لهذا الكلام ربما تشير إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي، بعد أن عجزت كل أنواع القنابل الذكية والثقيلة عن تدمير ما تعتقد أمريكا وإسرائيل أنها المواقع الموجود بها البرنامج النووي السري ومكوناته المختلفة.
ربما يعتقد ترامب أن استخدام هذا السلاح النووي هو الطريقة الوحيدة للحصول على صورة نصر كامل، بعد أن صمدت إيران بصورة لم يتوقعها أحد منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضى، بل تمكنت من توجيه ضربات مؤلمة للمواقع والقواعد الأمريكية. رغم أنها في نفس الوقت تعرضت لضربات شديدة من أمريكا وإسرائيل. لا يخشى ترامب من أي عواقب سياسية إذا استخدم السلاح النووي، لأن نتيجة الانتخابات النصفية ستكون قد ظهرت وهو ليس مرشحا لفترة جديدة، والأهم أنه لا يقيم وزنا لأي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية أو قانونية.
لكن القيد الوحيد هو المؤسسة العسكرية الأمريكية التي قد تخشى أن ذلك سيفتح الباب واسعا لاستخدام السلام النووي في الصراع الروسي الأوكراني أو الهندي الباكستاني. ليس غريبا أن يحاول نتنياهو تحريض ترامب فهو يواجه شبح الفشل في تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات الكنيست التي لم تعطه أغلبية الـ61 مقعدا، وفوجئ بأن العرب هم من سيتحكمون في تشكيل الحكومة الجديدة.
وبالتالي فإن "الخيار شمشون" سيحقق له كل الأمنيات الصهيونية دفعة واحدة، أي التخلص من صداع إيران وبرنامجها النووي وأن يتوج زعيما على المنطقة وألا يتم محاسبته على فساده وإخفاقه في 7 أكتوبر 2023.
(الشروق المصرية)

