صحافة

أمريكا تتغير وإسرائيل تخسر

مصطفى السعيد

المشاركة
أمريكا تتغير وإسرائيل تخسر

غادي آيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يلوّح بالعلم الإسرائيلي بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية (د.ب.أ)

قالوا "إذا عطست أمريكا يصاب العالم بالأنفلونزا"، فماذا لو أصيبت أمريكا بتصلب في شرايين الاقتصاد، وارتفاع في ضغط التضخم، وعجز لا شفاء منه في أزمة ديون هائلة، ووهن في عضلاتها العسكرية؟ انتخابات الكونجرس الأمريكي جرت في أجواء تلك الأزمات، وعكست القلق من سياسات الرئيس الأمريكي ترامب، فكانت أشبه بالاستفتاء على إدارته أكثر من كونها انتخابات للتجديد النصفي للكونجرس. لم تكن تلك الأزمات وليدة اليوم، فسبق أن جرت إنتخابات الرئاسة لثلاث دورات متتالية تحمل سمة التصويت الانتقامي، ولم يكمل اي رئيس دورتين متتاليتين، وهو ما يعكس حالة غضب مستمرة على الإدارات المتعاقبة، لكن الأزمات تفاقمت ودخلت مرحلة جديدة.

لم تكن مفاجأة انتخابات الثلاثاء الماضي فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ، فهو أمر معتاد أن يخسر حزب الرئيس انتخابات التجديد النصفي التالية لولايته، وغالبا ما يكون ردا على عدم التزامه ببرنامج ترشحه، أو قلة المردود قياسا بالوعود، ويتوجهون إلى إعادة توزيع السلطة بين الرئيس والكونجرس كضمانة لاتزان السياسات، لكن المفاجأة كانت تتمثل في نواح أخرى، منها حجم الهزيمة التي لم تحدث منذ نصف قرن، والأهم نوعية من دخلوا الكونجرس، فالجمهوريون الذين خاضوا الانتخابات كانوا يتجنبون الارتباط بالرئيس ترامب، والمرشحون من الحزب الديمقراطي زادت فيهم نسبة من ينتمون إلى يسار الحزب والأقليات العرقية من اللاتين والأفارقة والعرب والمسلمين.

والمفاجأة الأكبر أن الكثير من المرشحين كانوا يعلنون أنهم لم يتلقوا تمويلا من منظمة "إيباك" اليهودية، التي تدعم المرشحين المؤيدين لسياسات إسرائيل، التي تحولت إلى وصمة بعد أن كانت تأشيرة المرور إلى النجاح، فلم يكن بإمكان أي مرشح أن ينتقد إسرائيل، حتى لا يواجه تهمة العداء للسامية، ويتحول إلى شخص منبوذ، ويكمن السر في التغير الواضح تجاه إسرائيل في حرب غزة، وارتكاب جرائم حرب مروعة، زادت حدة الغضب تجاه إسرائيل مع اندلاع حرب إيران، التي يراها كثيرون حربا من أجل نيتانياهو، وليست من أجل مصالح أمريكية.

هذا التغير الواسع في توجهات الرأي العام الأمريكي انعكست بعض ظلاله على نتائج انتخابات الكونجرس، ويبدو أن التغيير سيتواصل ويؤدي إلى حراك سياسي أوسع داخل كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ففي الحزب الجمهوري ظهر التصدع سريعا، وأعلن نائب الرئيس جي دي فانس عن برنامج سياسي جديد، قال إنه السبيل لخروج الحزب الجمهوري من وطأة الهزيمة الثقيلة في الانتخابات، التي كان سببها الحرب على إيران والتضخم الذي أثر على مستوى المعيشة والعلاقة مع إسرائيل، داعيا إلى إيقاف الحرب وتوجيه الأموال نحو النهوض بمستوى المعيشة وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.

هكذا لم تعد العلاقة الأمريكية مع إسرائيل من الثوابت التي لا يمكن المساس بها، فلم يسبق أن أعلن مسئول أمريكي بحجم نائب الرئيس مثل هذا الطرح، ولا مرشحون أو نواب في الكونجرس، وما قاله فانس يعد برنامج ترشحه للرئاسة في الجولة المقبلة بعد عامين، ويعبر عما يجول في قطاع واسع من جماعة "ماجا" التي وعدها الرئيس ترامب بالنأي عن الحروب، وتكريس الجهد لإعادة بناء أمريكا، واجتذاب الصناعات ورءوس الأموال، تحت شعار "أمريكا أولا"، فوجدوه يخوض الحروب، والإقتصاد يتراجع، والشعار تحول إلى "إسرائيل أولا".

هذا التحول في الرأي العام انعكس أيضا على الحزب الديمقراطي، وبروز جناحه اليساري، الذي يطالب بالحد من نفوذ كبار رجال الأعمال وأموالهم السياسية، وإجراء إصلاحات جذرية في نظام الضرائب والنهوض بالخدمات الاجتماعية وتحسين الأجور والحد من الفقر الذي يعاني منه نحو 30% من السكان.

العجز عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المتفاقمة، خاصة الديون الهائلة التي تخطت 40 تريليون دولار، والتضخم المنفلت، أدى إلى حالة من الانقسام السياسي وتراجع الثقة في النخبة السياسية، وهو ما يغذي الغضب الشعبي والرغبة في تغييرات أكثر جذرية، ستكون ضحيته الأولى العلاقة مع إسرائيل، وجاء إعلان الرئيس مطلع الشهر الحالي عن إيقاف المساعدات الأمريكية السنوية الثابتة لإسرائيل، وقدرها 4 مليارات دولار.

ستمر الولايات المتحدة بعامين من عدم الاستقرار أكثر صعوبة، يتصارع خلالهما الرئيس ترامب مع الكونجرس، تعرقل الكثير من الإجراءات مثل التعيينات وأوجه إنفاق الميزانية، وإجراء الكثير من الاستجوابات للوزراء وكبار المسئولين في إدارة ترامب، من بينهم صهره كوشنر وصديقه ويتكوف حول مخالفات مالية وسوء إدارة، وإعادة فتح ملفات قضية إبستين، ومحاولات لعزل الرئيس أو إجباره على الاستقالة،لتواصل الولايات المتحدة حالة تصدع في الداخل وتراجع في الخارج حتى تجد مسارا في نهاية النفق.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن