المنصّات الاجتماعية العالمية.. والاحتياج العربي!

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي العالمية مسرحًا مجتمعيًّا دوليًّا، تتمثّل فيه مختلف الظواهر المجتمعية البشرية، وبات صعبًا على البلدان المتقدّمة التي تُطوّرها الاستغناء عمّا تقدمه لها هذه المنصّات من مصالح متنوّعة. فالاقتصاد والتجارة والحركة المالية والاستثمار، وكلّ ما يتعلق بمؤسَّسات الأموال والأعمال، كلّ ذلك في الواقع هو مشهد دولي رقمي ابتداءً...!

المنصّات الاجتماعية العالمية.. والاحتياج العربي!

كذلك الشّأن في المشاهد الإعلامية والمعرفية والثقافية والسياسية، جميعها بصورة أو بأخرى تعتمد بشكلٍ أساسي على حركة "السوشيال ميديا" الدولية؛ ما يجعل المؤسّسات الكبرى المعنية ببناء هذه المنصّات الرقمية تُنفق أموالًا طائلة، بملايين ومليارات الدولارات حتى تضمن فعّالية منصّاتها ومنتجاتها الرقمية، وقوّتها، وتحقيقها لأهدافها المعلنة وغير المعلنة.

المنصّات العالمية أضحت تـُمثّل دولها المنتِجة لها وتمنحها حضورها وهويتها وشخصيتها

إنّ أهمّ ما يعني الشركات الكبرى المُصنِّعة لشبكات التواصل الاجتماعي هو اكتسابها لأكبر عدد ممكن من المستخدِمين الذين يُشكّلون رأس المال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لهذه المنصّات، حيث إنّه في الوقت الحالي هناك أكثر من خمسة مليارات مستخدِم لقنوات التواصل الاجتماعي العالميّة، والتي يُقدّر عددها بعشرات ومئات القنوات، أشهرها حوالى 200 منصّة، في مقدّمتها فيسبوك، وواتساب، وإنستغرام، وتيليغرام، وتيك توك، وويتشات، وميسنجر إلخ...

بنظرة سريعة للعالم من حوْلنا، لا يغيب عنّا تصدُّر الدول الكبرى بمنصّاتها الرقمية، معزّزةً بتكنولوجيا الذّكاء الاصطناعي، لدرجةٍ أنّ هذه المنصّات أضحت تُمثّل دولها المنتجة لها، وتمنحها حضورها وهويتها وشخصيتها العالمية، ولا توجد دولة من الدول الكبرى دون اشتهارها بمنصّة رقمية واحدة متميّزة، أو أكثر... بل هناك بلدان، كالولايات المتّحدة مثلًا، لها باع طويل في هذا الخصوص، وتُعرف بعديد المنصات التي تُجسّد هيمنتها وتبسط ثقافتها على بلدان الكوكب، أوّلها منصات "ميتا بلاتفورمز" المذكورة، و"يوتيوب"، و"إكس" (توتير)، وغيرها...

بالإضافة إلى الصّين والهند وروسيا وعدد من البلدان الأوروبية، فهذه جميعها تتصدّر الحراك الرقمي على الإنترنت، وتنشر من خلالها ثقافاتها ولغاتها، وتُحقق نوعًا من التحكّم والرّقابة المعلوماتيّة، وتُجري الأبحاث والدراسات والإحصائيّات، وترسم السياسات، وتُوجّه المجتمعات المستهدَفة على النّحو الذي يُبلغُها غاياتها. ولا شكّ أنّ مثل هذه المساعي تُصاحبها جهود علمية وتكنولوجية وإنفاقات مالية سخيّة، كي تصبح في المستوى العالمي العابر للحدود الجغرافية والثقافية والسياسية بنجاح.

حاجة العرب مُلحة إلى أن يكونوا ضمن المسار العالمي بوجود مستقل وجهود ذاتيّة منافسة لبناء المنصّات الرقمية

أشارت تقديرات في العام الماضي 2024، إلى أنّ الشخص العادي على مستوى العالم، يتنقّل بين حوالى سبعة مواقع للتواصل الاجتماعي يوميًا... ولهذا كلّه، تبرز الحاجة المُلحة للعرب خاصّة، إلى أن يكونوا ضمن هذا المسار العالمي بوجود مستقل، وجهود ذاتيّة منافسة، لبناء المنصّات الاجتماعية الرقمية وأنظمتها المتقدّمة. أوّل الخصائص التي يجب أن تتوفّر في هكذا منصّات هي أنّه لا بدّ أن تكون "عالميّة"، بإمكانات معيّنة تُحقّق عالميّتها، وتتركز فيما يلي:

أولًا: أن تكون واسعة الانتشار، تُستخدم في مختلف أنحاء المعمورة.

ثانيًا: تعتمد بشكل كامل على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المحلية، من خلال بنية تحتية قوية، وفائقة السرعة على مدار الساعة.

ثالثًا: أن تكون ذات أُطر ونماذج تقنية عربية مناسبة، بأحدث التقنيات الذكية ولا تتخلّف عن نظيراتها من المنصّات العالمية.

رابعًا: أن تكون ذات قدرات وإمكانات ومزايا جاذبة لملايين، بل مليارات المستخدِمين، على غرار المنصّات الدولية الشهيرة المُشار إليها.

قرابة 60% من عدد السكّان العرب يستخدمون الإنترنت والغالبية العظمى يستخدِمون المنصّات الاجتماعية العالمية

وبما أنّ تطوّرات هذه المنصّات الاجتماعية جعلتها تندرج تحت المنظورات الإعلامية والاقتصادية والسياسية والثقافية... فلا بدّ، إذن، أن تُحقّق المنصّات العربية المطلوبة قفزة اجتماعية كبيرة للتواصل عبر الشبكة العنكبوتية بشكل تفاعلي مستمر، وأن تسمح بنقل كميات ضخمة من البيانات والمعلومات، وأن تتواصل مع الثقافات الأخرى باستخدام التقنيات والتعابير الفنية المتنوّعة، وألاّ تقتصر على تمثّل النّص العربي، بل عليها أن تُوفّر وسائل التمثّل المختلفة، صوتية ومرئية ورسومية فنية، والتركيز على قدرات الفيديو والموسيقى والمقالات المؤثّرة ومواصفات الدردشة الذّكية، إلى جانب توفير الأمن والأمان الشخصي للمستخدِمين والحفاظ على الحقوق المختلفة.

كذلك، ضرورة الاستفادة التنمويّة من التطبيقات المستخدَمة، وبخاصةٍ توفير إمكانات استثمار القدرات البشرية والمادية، وأُطر الإعلان والتوجيه والتوعية والتثقيف، وربما التعليم والتدريب في بعض النواحي اللازمة. وأن تستوعب فئات مختلفة من المستخدِمين، كبارًا وصغارًا، في المجتمعات العربية. يُذكر في هذا السياق، أنّ قرابة 60% من عدد السكّان العرب يستخدمون الإنترنت، والغالبية العظمى لهؤلاء يستخدِمون المنصّات الاجتماعية العالمية. ويشير بعض الإحصاءات إلى أنّ المستخدِم العربي يُنفق نحو ثلاث ساعات يوميًّا، متفاعلًا مع هذه المنصّات الإلكترونية، بحثًا عن التواصل الاجتماعي، وعن المعلومات، وسعيًا وراء فرص التعبير وإبداء الرأي، والاستفادة من كل ما تُقدّمه المنصّات الرقمية الاجتماعية من خدمات وميزات متعددة.

ما تستفيده الشركات الدولية من الاستخدام العربي لتطبيقاتها الاجتماعية يجب أن يعود بالنّفع على الشركات العربية

إنّ دواعي الاحتياج العربي كثيرة وكبيرة في آن، ترتبط مباشرة بضرورة تحقيق الهوية العربية على نطاق عالمي، وإيصال الرأي الحرّ، والتمثّل الإنساني غير المقيَّد أو المُهيمَن عليه، وضرورة الفكاك من التبعية التقنية للشركات المعلوماتية العالمية الكبرى، والخلاص من احتكارها التّكنولوجي، والحفاظ على الخصوصية، وتوفير الأمن والأمان الشخصي لكلّ مستخدِم، وتجاوز التوجيهات السياسية والإيديولوجية العالمية... ويكفي في هذا كلّه أن يتحقّق للعرب مكانٌ مرموقٌ في السباق التّكنولوجي الاجتماعي، يحفظ اللغة والوجود المتميّز، ويُظهر الكفاءات والمهارات العربية المنافِسة، فضلًا عن أنّ ما تستفيده الشركات الدولية من الاستخدام العربي لتطبيقاتها الاجتماعية يجب أن يعود بالنّفع على الشركات العربية والمنتجين والمستثمرين العرب، الأمر الذي يصب بدوره في دائرة التنمية المستدامة العربية والتطوير الحضاري لمجتمعاتنا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن