بصمات

الطائفية قضية تاريخية قبل أن تكون مناورة سياسية!

يُعدُّ الصراع الطائفي من أخطر التحدّيات التي يواجهها العالم العربي. فقد استخدمت القوى المعادية قضية الطائفيّة في استنزاف الجهود وهدر الطاقات والتلهية عن القضايا المصيرية للشعوب العربية مثل قضايا التخلّف والتبعية. وبقدر ما يوجد إجماع واسع على خطورة القضية الطائفيّة، فإنّ الاختلاف حاصل حول تفسيرها وسُبُل تلافيها ومعالجتها.

الطائفية قضية تاريخية قبل أن تكون مناورة سياسية!

يربط أصحاب التوجّه الطاغي غالبًا بين الطائفيّة وأدبيّات المؤامرة. إذ يختزلون الصراع الطائفي المحتدِم في دول المنطقة بأجندات غربية وصهيونية من مصلحتها ضرب النسيج الاجتماعي العربي ليسهّل التوسّع الإسرائيلي وتشكّل إسرائيل الكبرى. وبهذا التصوّر يميلون إلى منطق التخوين: تخوين كلّ الانتفاضات الطائفية، حتّى لو كانت في نطاق المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشيّة واكتساب حقوق المواطَنة الكاملة وتكريس التعدّدية.

برزت أشكال طائفية مستحدثة قائمة على أساس جهوي أو قطاعي أو إيديولوجي فئوي

ولئن لا يمكن إنكار استثمار القوى الدولية للورقة الطائفية في إنهاك الدول العربية واستباحتها وابتزازها تحت شعارات "حقوق الأقلّيات" و"حقوق الإنسان"، فإنّه من باب المخاتلة والخداع إنكار الظلم التاريخي الذي عاشته وتعيشه عديد الطوائف ما جعلها في منزلة اجتماعية دنيا في دولٍ وأنظمةٍ لطالما تغنّت بشعارات الوحدة الوطنية والوحدة القومية.

يندرج ضمن ذلك التصوّر التبسيطي للطائفية، التفسير الأحادي الجامد الذي لا يراعي تطوّر أشكال الطائفية وتوسّعها. فلم تعد الطائفية تقتصر على أساس ديني أو عرقي أو مذهبي، وإنّما برزت كذلك أشكال طائفية مستحدثة قائمة على أساس جهوي أو قطاعي أو إيديولوجي فئوي بحسب المصالح الشخصية.

يتطلّب الفهم المعمّق لظاهرة الطائفيّة إعادة الاعتبار للبُعد التاريخي بما أنّ التاريخ ليس فقط ما جرى، وإنّما كذلك ما يجري. فالطائفيّة في العالم العربي قضية تاريخية تشابكت في تشكّلها عوامل متعدّدة. كان فيها العامل السياسي عنصرًا حاسمًا لإسهامه في صياغة نسقٍ ثقافي ما زال موجِّها للوعي الفردي والجمعي إلى اليوم. ولئن يعسر في هذا السياق التوقّف عند جميع المنعطفات التاريخية المؤثّرة، فإنّه يمكن الاقتصار على أهمّها.

عندما استباح الاستعمار الأوروبي العالم العربي وجد وضعًا تاريخيًّا داخليًّا مهيّئًا فأعاد استثمار النعرات الطائفية

ومن هذا المنظور، تُمثّل الفتنة الكبرى وتداعياتها نقطة تحوّل كبرى في تبلور مفاهيم الحكم والسلطة والسياسة في الحضارة العربية. إذ أفضت إلى إحياء المنسوب القيمي الجاهلي القائم على الغلبة والعصبية والقهر والشوكة و"جدع الأنف" بصورة لا رجعة فيها مع الاستعانة بالموروث الإمبراطوري الفارسي والبيزنطي بدل مفاهيم الرّسالة الإسلامية المتّصلة بالبِرّ والتّقوى والتّعارف والأخوّة.

لم تَقُمْ الدول المتعاقبة من الدولة الأموية ووصولًا إلى دولة المماليك والدولة العثمانية إلّا بالتوسّع في ابتكار آليات الغلبة والقهر والبطش، وتشهد بذلك مختلف الصراعات الطائفيّة التي انتهت غالبًا بمجازر فظيعة حفظت ذكرها كُتُب السِّيَرِ والتاريخ. لذا عندما استباح الاستعمار الأوروبي المباشر العالم العربي وجد وضعًا تاريخيًّا داخليًّا مهيّئًا، فأعاد استثمار النعرات الطائفية بما ينسجم مع مصالحه.

لئن مثّل بروز الحركة الوطنية ونجاحها في نيْل الاستقلال والشروع في بناء الدولة الوطنية بارقة أمل لرسم سياساتٍ عامّة قائمة على مبادئ المواطَنة والمساواة بين مختلف المكوّنات الاجتماعية، فإنّه تمّ إهدار تلك الفرصة بشكل متعمّد بحيث وقع تقديم معيارَي الولاء والطاعة على ما سواهما من معايير الكفاءة والنزاهة في سبيل المحافظة على التوازنات القائمة. وقد كشف الحراك السياسي والاجتماعي العربي بعد سنة 2011 هشاشة الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي، إذ انهارت أنظمة ودول بصورة دراماتيكيّة، وهذا يعود إلى أنّ الصمغ اللّاصق الذي كان يحفظ استقرار تلك الدول لم يكن مبنيًّا على أساس عقد اجتماعي حقيقي، وإنّما ظلّ مرتهنًا إلى قوة الحديد والنار والقبضة الأمنية.

العدالة الاجتماعية كفيلة بسحب ورقة الطائفية من أيدي جميع المتلاعبين بالحقّ العربي في استئناف مسيرته الحضارية

لا يمكن معالجة قضية الطائفية بمواصلة فنون المخاتلة والخداع أو تحميل الآخرين المسؤولية، وإنّما نحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من الشجاعة والمصارحة الذاتية والإقرار بالأخطاء وجبْر الأضرار قدر الإمكان ضمن مؤتمرات وطنية للاعتراف.

وبالتّوازي مع ذلك، تعدُّ الحاجة ماسّةً إلى بلورة رؤية جديدة تنظر إلى الإنسان بصفته كائنًا حقّانيًا له كرامة. وعندما يتحقّق هذا الشرط تتهيّأ ظروف تكريس التعدّدية بما يفرض تساوي جميع الطوائف أمام القانون في الحقوق والواجبات، فيتعزّز مناخ الثقة والنظر إلى الاختلاف بصفته أصل الأشياء ومنبع الحياة والإبداع. كما أنّه لا يمكن معالجة قضية الطائفية من دون تكريس العدالة الاجتماعية، فهي من الآليات الكفيلة بسحب ورقة الطائفية من أيدي جميع المتلاعبين بالحقّ العربي في استئناف مسيرته الحضارية.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن