من ذلك الجدل الذي ملأ الفضاءات العربية بعد فوز الفيلم الفلسطيني النروجي "لا أرض أخرى" بجائزة الأوسكار، وهل هو تطبيع أم لا؟ وهل تنطبِق عليه مقرّرات حركات المقاطعة ومناهضة التطبيع ومدوّنات النقابات والاتحادات الفنية، بسبب تشارُك مُخرجَيْن إسرائيليَيْن هما يوفال أبراهام وراشيل تسور، مع المخرجَيْن الفلسطينيَيْن باسل عدرا وحمدان بلال في صناعة الفيلم؟.
الفيلم الذي كان وما زال ضربةً قويةً للرواية الإسرائيلية المتداوَلة في العالم، والذي منح الرواية الفلسطينية الحقيقية فرصة النفاذ إلى منصّات أكبر المهرجانات ففاز قبل الأوسكار بجائزة مهرجان برلين، وحاصرته وتحاصره إسرائيل وداعموها في الولايات المتحدة بتقييد توزيعه وعرضه للجمهور، لا يمكن اختزال حالة التعاطي معه عربيًا فى سؤال التطبيع، حتّى لو كان من حيث الشكل سؤالًا مشروعًا، لكنّه من حيث الموضوع والمضمون يدفع إلى إعادة التفكير في مفهوم التطبيع نفسِه خصوصًا في الحالة الفنية والثقافية.
لماذا يقاطعُ العرب فيلمًا ينتصر للرواية الفلسطينية؟
هل نشرُ صحيفة عربية مقالًا لكاتب إسرائيلي مثل جدعون ليفي يدين فيه الاحتلال ويرصد المعاناة الفلسطينية، ويسمّي الجرائم التي تحدث ضد الفلسطينيين بأسمائها الحقيقية (إبادة - تطهير – تهجير - فصل عنصري - أبارتهايد... إلخ)، يمكن أن يُسمّى تطبيعًا؟ وهل التطبيع الذي من المفترض أن نقاومه ونحاصره خصوصًا فى الوسط الثقافي هو أيّ مشاركة مع إسرائيليين في أيّ شيء، حتى لو كان في مظاهرة ضدّ الاحتلال؟!.
تنقل لنا الشاشات الإخبارية على مدار أشهر حرب الإبادة التي يشنّها جيش الاحتلال الصهيوني، ومظاهرات اليهود الرافضين لهذه المذبحة في الكثير من عواصم العالم وفيها من يحملون الجنسية الإسرائيلية، فهل مشاركة هؤلاء الهتاف ضدّ الإبادة الجماعية في غزّة يمكن أن يُسمّى تطبيعًا؟
تحاصر إسرائيل الفيلم الذي يرصد الواقع الفلسطيني بدقّة بالغة مع المصادرة والتهجير والقتل والتمييز والعنصرية، ويذهب برسائله للعالم وبلغة سينمائية واقعية بديعة ليقول إنّ معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال تمتدّ لعقودٍ سابقة على هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واقتلاع أصحاب الأرض، بكلّ وسائل العنف والإجبار الإجرامية، من مناطقهم لصالح مستوطنين مهاجرين قادمين من كل مكان في العالم هو عين القضية وأصلها وفصلها، وأنّه لا أرض أخرى لهؤلاء الفلسطينيين غير وطنهم، ولا مستقبل لمن يعيشون على هذه الأرض بغير تحقيق العدالة والمساواة، وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم الكاملة.
لا تُطيق إسرائيل أن تخرج الرواية الفلسطينية بهذا الوضوح وتلك المباشرة ممتزجة بصورة واقعية لجرائمها، فاستخدمت كل أدواتها لحصار الفيلم داخليًا وخارجيًا، حتّى امتنع الموزّعون عنه وقاطعوه، بل واتهمت المخرجَيْن الإسرائيليَيْن اللذيْن شاركا فى صنع الفيلم بأنّها (معاديان للسامية) أو ( فلسطينازي) بتعبير القناة الثانية عشر الإسرائيلية، ووصلت يوفال أبراهام رسائل تهديد وتوبيخ وتخوين وتكفير وطني، وعلى الرَّغم من كل هذا الغضب فردّ الفعل الإسرائيلي مفهوم، خصوصًا أنّ وقوف الفيلم على تلك المنصات جاء في لحظة إجرام إسرائيلية كبرى وغير مسبوقة.
هل آن الآوان لإعادة تعريف التطبيع؟
لكن إذا كان لإسرائيل ومناصريها مصلحة في محاصرة الفيلم، فما هي مصلحة العرب؟
لماذا يقاطعُ العرب فيلمًا ينتصر للرواية الفلسطينية، فلا نجده في أيّ منصة أو دار عرض عربية لمجرّد أنّ أحد صُنّاعه مخرج إسرائيلي؟ هل المهم "تتر" الفيلم، أم الأهم مضمونه ورسالته؟ وهل في رسالته ومضمونه أي تلفيق أو ترويج بأيّ شكل للرواية الإسرائيلية؟
هنا يمكن أن يكون النقاش مفيدًا، لكنّ الأرجح أنّ الفيلم الذي يعرض معاناة قرية "مسافر يطا" في الضفّة الغربية مع محاولات تهجير سكانها لصالح أنشطة جيش الاحتلال ولتأمين مستوطنات غير شرعية، ويرصد بمشاهد واقعية عبر عقدَيْن من الزّمن جرائم طرد الأهالي وهدم منازلهم وقتل واعتقال المعترضين على تلك الجرائم، يُقدّم روايةً فلسطينيةً خالصة، حتى مع وجود خطّ الصداقة بين الفلسطيني باسل عدرا والإسرائيلي يوفال أبراهام، فإنه خطّ يحدّثك عن استثناءات في التكوين العنصري لمجتمع الاحتلال، فبينما يزخر الفيلم بمستوطنين إرهابيين وجنود مجرمي حرب، يظهر صحافي إسرائيلي يتعرّف إلى الواقع الحقيقي للشعب الفلسطيني في تلك المنطقة ولا يستطيع إنكاره أو عدم إدانته، ويطرح المسألة في جملة بسيطة كونه يعيش على بُعد مسافة قصيرة من قرية "مسافر يطا" التي يقطنها باسل عدرا إلّا أنهما "غير متساويَيْن... أنا حرّ تحت قانون مدني، فيما يعيش هو في ظلّ قانون عسكري يُدمّر حياة الناس".
التطبيع الذي نهاجمه وقعنا فيه حين قاطعنا الفيلم
كيف يمكن لهاجِس التطبيع أن يحرمنا من استقبال هذه الرواية وترويجها ودعمها؟ وهي تحت أي ظرف وأي مفهوم انتصار أخلاقي كبير للحق الفلسطيني، وهل آن الآوان لإعادة تعريف التطبيع بأنّه فقط الذي يخدم الرواية الإسرائيلية ويعزّزها ويحقق المصالح الإسرائيلية الإستعمارية، ومع الأطراف التي تنكر حق الشعب الفلسطيني وتدعم الجرائم بحقه؟
هذا نقاش مفتوح ومطلوب... لأنّ التطبيع الذي نهاجمه في الفيلم... وقعنا فيه حين قاطعناه، بأن شاركنا إسرائيل في حصاره!!.
(خاص "عروبة 22")