تقدير موقف

تفاقم الخسائر الاقتصادية العربية بسبب الحرب: أزمة البحر الأحمر نموذجًا!

بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024، نفّذت ميليشيا الحوثيين في اليمن 201 هجوم على سفنٍ تجارية، ما أدى إلى مقتل 12 شخصًا. وتزامن هذا التوسّع الحوثي في العمليات العسكرية مع تصاعد عمليات تهريب أسلحة إلى اليمن، تُنفَّذ عبر وسائل تهريب سرية ترتبط بشبكات بحرية في إيران، نشطة في البحر الأحمر وخليج عدن، ممّا يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتزايد تكلفتها[1]. في تقدير الموقف أدناه، سنقدّم تحليلًا وصفيًا لمختلف أبعاد هذه التكلفة، كما سنقدم في الخلاصة تقريرًا لمجمل تكلفة نشاطات "الأذرع الإيرانية".

تفاقم الخسائر الاقتصادية العربية بسبب الحرب: أزمة البحر الأحمر نموذجًا!

برزت أزمة البحر الأحمر كنقطة اشتعال حرجة في الصراع في الشرق الأوسط، مما أثّر في التجارة العالمية والنقل البحري والتوازن البيئي للمنطقة. بحلول نهاية عام 2024، انخفضت حركة مرور السفن عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، اللذين ينقلان 30% من حركة الحاويات العالمية، بنسبة ثلاثة أرباع.

شهد كلّ من الأردن وعُمان أكبر انخفاض في صادرات الشحن وأفادت مصر بخسارة 7 مليارات دولار في إيرادات قناة السويس

لم يتوقّف التأثير عند هذا الحدّ، بل امتدّ جغرافيًا ليشمل مضيق هرمز، الممرّ النفطي الأكثر أهميةً عالميًا، ونقطة الاختناق بين الخليج العربي وخليج عمان، حيث انخفضت حركة الملاحة البحرية بنسبة 15%. في المقابل، شهد الممر البديل عبر "رأس الرجاء الصالح" زيادةً في النشاط، بارتفاع حجم الملاحة بأكثر من 50%. ومع ذلك، أصبح عدد وتواتر السفن المُبحرة عبر "رأس الرجاء الصالح" أكثر تقلّبًا في الأشهر الأخيرة، مما يعكس الاضطراب الأوسع في سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا والأميركتيْن[2].

بالنسبة إلى المناطق والبلدان، ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سجلت جميع الموانئ العشرين الأولى تقريبًا في دول البحر الأحمر والخليج انخفاضات ملحوظة في الواردات والصادرات، بمتوسط انخفاض في حجم التجارة بنسبة 8% مقارنةً بمستوياتها السابقة للأزمة. وقد شهد كلّ من الأردن وعُمان أكبر انخفاض في صادرات الشحن، بحيث بلغت نسبة الانخفاض 38% و28% على التوالي، بينما سجّل كل من الأردن وقطر أكبر انخفاض في واردات الشحن بنسبة 50% و27%. كما أفادت مصر بخسارة تُقدّر بـ7 مليارات دولار أميركي في إيرادات قناة السويس لعام 2024، وهو ما يمثّل حوالى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي.

على الرغم من ذلك، خالف بعض الموانئ في الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية هذا الاتجاه بفضل مواقعها الاستراتيجية في البحر المتوسط والخليج العربي، بعيدًا عن الأراضي اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيّون، مما أتاح لها الاستفادة من تحويل التجارة بعيدًا عن المناطق المتأثّرة بالصراع. منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، حفّزت الهجمات على الشحن البحري في البحر الأحمر على تطوير "جسر برّي" بديل لنقل البضائع بالشاحنات عبر السعودية إلى وجهات في إسرائيل ومصر وغيرها. وقد أدّى هذا التحوّل إلى زيادة نشاط السفن في ميناء الدمّام السعودي بنحو 15%، حيث يتم الآن إعادة توجيه البضائع التي كانت تمرّ سابقًا عبر ميناء ينبع إلى الدمّام. ومع ذلك، لم تكن هذه التعديلات كافية لتعويض الخسائر التجارية الناتجة عن الأزمة في البحر الأحمر.

تُجسّد أزمة البحر الأحمر مثالًا واضحًا على الأثر المدمّر لـ"أذرع إيران" في الاقتصاد العربي

وعلى القدر نفسِه من الأهميّة أصبح البحر الأحمر ليس فقط نقطة جيوسياسية ملتهبة، بل أيضًا بات موقعًا لكارثة بيئية متزايدة. فقد أدّى تسرّب النفط، الناتج بشكل رئيسي عن الهجمات على ناقلات النفط، إلى تلويث الموائل البحرية الحرجة، مما يهدّد التنوّع البيولوجي ويقوّض سبل العيش المحلية. كما انخفض صيد الأسماك، وهو حجر الزاوية لمعيشة المجتمعات الساحلية، بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة والأضرار البيئية. بالإضافة إلى ذلك، أسفرت الأزمة عن إلحاق السفن المعطوبة أضرارًا بكابلات الألياف الضوئية البحرية الهامة، مما أدّى إلى تعطيل البنية التحتية الحيوية للاتصالات السلكية واللاسلكية على الصعيد العالمي، وأجبر على تغيير مسار ما يقرب من 25% من حركة الإنترنت عبر هذه المناطق.

على الصعيد العالمي، انخفض حجم التجارة المنقولة بحرًا ما بين ديسمبر/كانون الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 بنسبة 5% للواردات و4% للصادرات، ويُعزى ذلك أساسًا إلى أزمة الشحن البحري في البحر الأحمر. وأدّى تعطّل الملاحة إلى ارتفاع تكاليف الشحن، بحيث كانت الزيادات الأكبر على الطرق المتأثرة مباشرةً بالأعمال العدائية. وفي هذا المجال، لا يزال "مؤشر دروري العالمي للحاويات"، وهو مقياس رئيسي لتكاليف الشحن، أعلى بنسبة 141% مقارنةً بمستوياته قبل الأزمة، مع ارتفاع يصل إلى 250% على الطرق المارّة عبر البحر الأحمر. وبما أنّ تكلفة النقل تُشكّل نحو 11% من القيمة الحرّة للبضاعة على متن السفينة[3]، فمن المتوقع أن تُسهم هذه الزيادة في رفع معدلات التضخّم عالميًا بأكثر من 1%، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من 2%.

لم يحقق "محور المقاومة" الإيراني أيًّا من أهدافه المعلنة بل على العكس تبدو واشنطن وتل أبيب اليوم أقوى وأكثر عدوانية

تُجسّد أزمة البحر الأحمر مثالًا واضحًا على الأثر المدمّر لـ"أذرع إيران" في الاقتصاد العربي. فمجرّد انخفاض الصادرات وارتفاع تكلفة الواردات سيكلفان المنطقة 104 مليارات دولار و20 مليار دولار على التوالي في عام 2024[4]. لكنّ هذا ليس سوى جزءٍ من الصورة، إذ تتجاوز التكلفة الفعلية ذلك المستوى بكثير عند احتساب التداعيات المدمّرة "للأذرع الأخرى" الإيرانية: 400 مليار دولار لإعادة إعمار سوريا، و53 مليار دولار لغزّة، و12 مليار دولار للبنان - وهي ربّما تقديرات متحفّظة يُستشهد بها على نطاق واسع[5].

والمفارقة الكبرى أنّ "محور المقاومة" الإيراني، على الرَّغم من هذه الخسائر الفادحة، لم يحقق أيًّا من أهدافه المعلنة، سواءً "إخضاع الولايات المتحدة" أو "تحرير فلسطين"، بل على العكس، تبدو واشنطن وتل أبيب اليوم أقوى وأكثر عدوانية من أي وقت مضى. ولا يعني ذلك أنّ إيران في وضع أفضل، إذ يعاني نظامها واقتصادها من أزمات غير مسبوقة جعلته معرّضًا للهجوم وأضعف من أي وقت مضى أيضًا.. ولحسن الحظ، ربما يكون هذا الجانب المشرق الوحيد في هذه الفوضى المأساوية!.

 



[1] أنظر البنك الدولي، أزمة الشحن البحري المتفاقمة في البحر الأحمر: الآثار والتوقعات، شباط 2025.

[2] بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت مسافات السفر لسفن الشحن والناقلات التي كانت تمر في السابق عبر البحر الأحمر بنسبة 48% و38% على التوالي.

[3] إحصاءات الأونكتاد، 2024، تُقدّر تكلفة النقل كمتوسط الفروق بين كلفة البضاعة مع أجرة التأمين والشحن (CIF) وقيمة الشحن الحر على ظهر السفينة  (FOB) حيث تُستخدم الأخيرة لتقدير التكلفة الصافية للسلع المستوردة.

[4] في عام 2023، بلغت صادرات السلع العربية حوالى 1.3 تريليون دولار وواردات السلع العربية 1 تريليون دولار. لذا في عام 2024، فإنّ  انخفاضا بنسبة 8% في الصادرات يصل إلى 104 مليارات دولار وزيادة بنسبة 2% في تكلفة الواردات تصل إلى 20 مليار دولار.

[5] هذا بالاضافة إلى أنّ أكثر من 18 مليون يمني (نصف سكان اليمن) أصبحوا حاليًا يعيشون عند مستوى خط الفقر أو دونه، وتبلغ تكلفة إعالتهم السنوية حوالى 2.5 مليار دولار.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن