من خلال تحليل المعطيات الاقتصادية والتجارية للدول الموقّعة على اتفاق أكادير، يبدو جليًا أنّ حجم الاقتصاد والسّوق والنّاتج الخام تعدّ محدِّدات رئيسية كان لها دورٌ كبيرٌ في ضبط التوازنات بين الدول الموقِّعة على هذه الاتفاقية، وهي محدِّدات كرّست هيمنة مصر على المبادلات التجارية داخل هذا الإطار ومنَحها وضع الأفضليّة الذي عزّزه أيضًا العامل الجغرافي، حيث إنّ توسُّط مصر لخريطة العالم العربي مكّنها من تواصل لوجستي جيد مقارنةً ببقية دول اتفاقية أكادير، وهو ما مكّنها من تعزيز صادراتها نحو هذه الدول بكلفةٍ أكثر تنافسيّة مكّنت منتجاتها وبضائعها من ولوجٍ يسير للأسواق المنافسة.
أبرز العوامل المساهِمة في الأداء المحدود للتبادل التجاري هو تشابه الهياكل الإنتاجيّة لدول "اتفاقية أكادير"
إلى جانب ذلك، يُحسب لمصر أيضًا خروجها السريع من الاضطرابات النّاجمة عن "الرّبيع العربي" والتي خلفّت آثارًا وخيمةً على الأداء الاقتصادي في عددٍ من الدول العربية، خصوصًا تونس التي تأثر أداؤها الاقتصادي بشكل كبير، بخاصّة القطاعات الخدماتية وبعض القطاعات الصناعية كالصناعات الغذائية والاستخراجيّة نتيجة تعدّد الإضرابات العمالية، وهو ما أفقد الصادرات التونسية جزءًا من قدرتها التنافسية. وتجدر الإشارة في هذا السّياق، إلى أنّ حجم المبادلات التجارية بين دول "اتفاقية أكادير" قد شهد تراجعًا كبيرًا خلال فترة "الربيع العربي"، حيث انتقلت من 2.26 مليار دولار سنة 2011 إلى ما يقارب 1.65 مليار دولار سنة 2017، قبل أن تعاوِد منحاها التصاعدي خلال السنوات الأخيرة، وهو منحى إيجابي إلّا أنّه لا يتناسب مع مستوى الإمكانات المُتاحة في كلّ دولة من دول الاتفاقية.
غياب التوازن واختلال القوى
على الرَّغم من الأهداف الطموحة لـ"اتفاقية أكادير"، فإنّ تقييم أدائها يُظهر تفاوتًا في النتائج المحقّقة بين الدول الأعضاء؛ فمن جهة لا يمكن التغاضي عن دور هذه الاتفاقية في تحفيز التجارة البيْنية بين الدول الموقّعة عليها، إلّا أنّ حجم المبادلات التجارية ظلّ دون التوقعات، بحيث لا يزال التبادُل التجاري بين دول الاتفاقية محدودًا مقارنةً بحجم تجارتها مع الاتحاد الأوروبي أو مع شركاء اقتصاديين آخرين. ولعلّ أبرز العوامل المساهِمة في هذا الأداء المحدود إلى جانب ما سبق ذكره، هو تشابه الهياكل الإنتاجيّة للدول الأعضاء، ما يُقلّل من تنوّع الصادرات المتبادلة كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك، وإلى جانب هذا الأداء المحدود ينبغي الإشارة أيضًا إلى ضعف استثمار الفرص التي تمنحها الاتفاقية، خصوصًا تلك المتعلقة باعتماد قواعد المنشأ التراكميّة، التي تسمح باستخدام المواد الأوليّة من أي دولة عضو في تصنيع المنتجات، ومن ثمّ تصديرها إلى الأسواق الأوروبية من دون رسوم جمركية، وهي الميزة التي لم يتمّ استغلالها بالشكل الأمثل بسبب ضعف التنسيق الصناعي وضعف البنية التحتية واللوجستية.
ضعف البنية التحتية واللوجستية وعدم كفاية الرّبط بين الدول الأعضاء في الاتفاقية أسهم في إبطاء ديناميّة التجارة
وفي السياق ذاتِه، وجبَ التذكير بأنّ ضعف البنية التحتية واللوجستية وعدم كفاية الرّبط بين الدول الأعضاء، أسهم بدورِه في إبطاء ديناميّة التجارة، وذلك إلى جانب العوائِق التي تمثّلها الحواجز الإدارية والتنظيميّة، كما أنّه لا يستقيم الحديث في هذا الصدد عن تطوير تعاون اقتصادي في ظلّ ضعف التنسيق وغياب استراتيجيّات وطنية لدعم تنفيذ بنود الاتفاقية، وضعف التكامل الصناعي والافتقار إلى التمويل والاستثمار خصوصًا بالنسبة إلى تونس والأردن، حيث أدّت الأزمات الاقتصادية المتوالية إلى إضعاف قدراتهما الاقتصادية وجعلت تنافسيتهما أكثر هشاشةً مقارنةً بالمغرب ومصر، وبالتالي ساهمت بشكل مباشر في إضعاف قدرتهما على تنفيذ الاتفاقية بشكل فعّال.
سُبل التجاوز
بغية تجاوز هذا الوضع، وتمكين دول "اتفاقية أكادير" من تنزيل سليم لمختلف بنودها بما يكفل استدامتها واستدامة أثرها الإيجابي في اقتصاد الدول الأعضاء، يجب العمل على تعزيز سلاسل القيمة الإقليمية، وذلك عبر توحيد السياسات الاقتصادية وتطوير الشراكات الصناعية بين الدول الأعضاء، وتشجيع التكامل في القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب تحسين البنية التحتيّة التجارية، مثل تعزيز الرّبط اللوجستي البحري والمينائي لتسهيل حركة السلع والخدمات، وإزالة العوائق غير الجمركية من خلال توحيد الإجراءات التنظيمية وتحسين الإطار القانوني للاستثمار والتجارة.
يمكن أن تحقّق الاتفاقية أهدافها بشكل أكثر فعالية مما يجعلها آلية لتحفيز التعاون بين الدول العربية المتوسطية
من جهة أخرى، ينبغي أيضًا زيادة الترويج للاتفاقية عبر توعية الشركات والمستثمرين الخواص بمزايا الاتفاقية من خلال حملات إعلامية وبرامج تدريبية، إلى جانب تعزيز التكامل مع مبادرات إقليمية ودولية بخاصّة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية، وفتح المجال لانضمام دولٍ عربيةٍ أخرى، الأمر الذي يمكن أن يزيد من حجم السوق الإقليمية ويعزّز من فاعلية الاتفاقية.
وفي الختام، يجدر بنا التذكير أنّه، على الرَّغم من التحدّيات التي تواجه "اتفاقية أكادير"، إلّا أنّها لا تزال توفِّر إطارًا مُهمًّا لتعزيز التجارة والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء. ومع إدخال إصلاحات هيكلية وتحسين بيئة الأعمال، يمكن أن تحقّق هذه الاتفاقية أهدافها بشكل أكثر فعالية، مما يعود بالفائدة على اقتصادات الدول الأعضاء ويعزّز مكانتها في الأسواق الإقليمية والعالمية، ويجعل منها آلية حقيقية لتحفيز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية المتوسطية.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")