صحافة

النزاعات والتهجير القسري في المنطقة العربية

إبراهيم عوض

المشاركة
النزاعات والتهجير القسري في المنطقة العربية

في عُرف مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين، التهجير القسري هو ذلك الذي يحدث عندما يضطر أفراد وجماعات إلى، أو يرغمون على، الهرب أو مغادرة ديارهم أو أماكن معيشتهم الاعتيادية نتيجة لآثار أحداث أو أوضاع، أو لتفادي آثار أحداث أو أوضاع، مثل النزاعات المسلحة، والعنف المعمم، وانتهاكات حقوق الإنسان، والكوارث الطبيعية منها وتلك التي تعتبر من صنع الإنسان. إلى أسباب التهجير القسري التي تسوقها المفوضية السامية للاجئين يمكننا أن نضيف تفسيرا لآثار الأحداث والأوضاع مثل تدمير سبل المعيشة ومصادر الدخل الضرورية لها.

التهجير القسري داخلي عندما ينتقل الأفراد والجماعات من موقع إلى آخر في إقليم البلد نفسه، أو خارجي عندما يعبر هؤلاء الأفراد والجماعات الحدود الدولية لبلدهم إلى بلد أو بلاد أخرى. التعريف المذكور وتفسيره مفاهيمي بمعنى أنه ذو انطباق عام، صحيح في المنطقة العربية وفي غيرها. غير أنه في المنطقة العربية، والمقصود بها هنا الشرق الأوسط وحده وتخومه المباشرة، تعددت حالات التهجير القسري الناشئة عن النزاعات المسلحة تحديدا، نزاعات هي حروب خارجية وداخلية. بخلاف التهجير القسري الفلسطيني الممتد، نشأت الحالات على فترات متقاربة في القرن الحادي والعشرين، وهو تعدد يكشف عن عمق الأدواء التي ألمّت بالمنطقة وعلى انتشارها. هي أدوات الاستعمار الاستيطاني والعنصرية، والحكم السلطوي التسلطي، وبث الفرقة، وتجاهل حقوق الناس والاستهتار بها.

أول حالات التهجير القسري في القرن الحادي والعشرين هو ذلك الذي نشأ عن الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003 ثم عن النظام السياسي الطائفي الذي فرضه الحكم الأمريكي المباشر أثناء احتلاله الأول للبلاد. الهجرة العراقية كانت متوقعة فور الغزو ولكنها لم تنشأ عندئذ. الدستور الجديد اعتمد في سنة 2005 ودخل حيز النفاذ في سنة 2006. عندها بدأ الفرز الطائفي والعنف المعمم وتجمع أبناء الطائفتين الشيعية والسنية في مناطق خاصة بكل منهم في داخل العراق نفسه، كما تسارعت الهجرة القسرية الخارجية لأبناء الطوائف المسيحية، وهاجر العراقيون من كل الطوائف بحثا عن الحماية وسبل المعيشة، فلجأوا إلى الأردن وسوريا بالذات، كما جاءوا إلى مصر وذهبوا إلى تركيا وغيرهما.

في سنة 2006، الحرب الإسرائيلية على لبنان، على "حزب الله" تحديدا فيه، كانت نتيجتها عبور سكان من الشمال بالذات للحدود، لاجئين إلى سوريا. الانتفاضة الشعبية في سوريا في سنة 2011 ثم عسكرتها واندلاع الحرب الأهلية الصريحة فيها أدت إلى نزوح ستة ملايين مواطن سوري انتقلوا من ديارهم وأماكن معيشتهم المعتادة إلى مناطق غيرها في سوريا. من بين المواطنين السوريين الواحد والعشرين مليونا في سنة 2011، هاجر قسريا خمسة ملايين آخرون إلى خارج بلدهم فلجأوا طالبين الحماية وسبل العيش إلى لبنان أولا فجعلوا منه أول بلدان العالم من حيث معدلات الهجرة. معدل الهجرة هو نسبة المهاجرين إلى سكان البلد المعني. الأردن صار البلد الثاني في إيواء اللاجئين السوريين وكذلك فيما يتعلق بمعدلات الهجرة في العالم. ولجأ المواطنون السوريون بالملايين إلى تركيا، كما جاءوا إلى مصر، وبأحجام أصغر لجأوا إلى بلدان عربية أخرى.

اعتبارا من سنة 2014، وصل اللاجئون السوريون إلى البلدان الأوروبية، سواء عن طريق تركيا ثم بلدان البلقان، أو اليونان، وبمسارات أخرى أقل أهمية. مقصد اللاجئين السوريين المفضل كان في البداية هو السويد وألمانيا ولكنه سرعان ما أصبح ألمانيا وحدها بعد أن تراجعت السويد عن سياسة ترحيبها باللاجئين والمهاجرين. ثلاث ملحوظات يجدر الإبداء بها في هذا الشأن. الملاحظة الأولى هي أنه على عكس عبور الحدود سيرا على الأقدام، اللجوء إلى أوروبا مكلف ولذلك، فالهجرة القسرية السورية إلى أوروبا كانت للاجئين ذوي موارد ومتعلمين. الملاحظة الثانية هي أن الهجرة القسرية السورية كان مسكوتا عنها عندما كانت محصورة في المنطقة. لما وصلت هذه الهجرة إلى أوروبا، صارت أزمة دولية وعبأ الاتحاد الأوروبي جهوده وموارده لمواجهتها بل واستصدر قرارا من مجلس الأمن الدولي لقمع عصابات تهريب المهاجرين التي اعتبرها مسؤولة عنها.

الملاحظة الثالثة هي مضاعفة حركات اليمين الشعبوي الأوروبي لخطاب كراهية الآخر ومعاداة الأجانب الذي قابلت به اللاجئين السوريين، وفيما يبين التداخل بين مسالك السياسة الدولية، استغلالها الفرصة لتقويض أسس النظم الديمقراطية الأوروبية. في كل هذه الأثناء، بقيت كاملة مسألة الهجرة القسرية للشعب الفلسطيني. نتيجةً لإنشاء إسرائيل ولحرب فلسطين الأولى في سنة 1948 ثم لحرب يونيو سنة 1967، كانت الهجرة القسرية الفلسطينية داخلية في اتجاه الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، وكذلك خارجية نحو البلدان المتاخمة، الأردن، وسوريا ولبنان، وفي المنطقة كذلك بأعداد أقل إلى مصر والعراق. الانتقال المتتالي على مدى قرن من الزمان في سوريا الكبرى التاريخية، فيما بين فلسطين والأردن وسوريا ولبنان يثير، بالضرورة تساؤلات عن النظام الدولي الإقليمي الذي نشأ فيما بعد الحرب العالمية الأولى، بمقتضى اتفاقية سان ريمو في سنة 1920 ثم نظام الانتداب في سنة 1922. سنعود أدناه إلى الهجرة القسرية الفلسطينية.

خارج سوريا الكبرى، منذ إبريل سنة 2023، اندلعت حرب أهلية عبثية وحشية جديدة في السودان فانفجرت تدفقات الهجرة القسرية فيه مرةً أخرى. ثمانية ملايين وثمانمائة ألف نازح داخلي، تهددهم المجاعة حاليا، وأربعة ملايين ومائتا ألف لاجئ طلبوا الحماية وسبل العيش في مصر وتشاد وإثيوبيا وإريتريا وفي جنوب السودان الذي تستعر فيه هو نفسه حرب أهلية. قبل نهاية سنة 2024، كان نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا قد سقط. منذ سقوطه في شهر ديسمبر الماضى عاد إلى سوريا أربعمائة وثلاثون ألف لاجئ من البلدان المتاخمة ومن المنطقة ليصل عدد العائدين في كل سنة 2024 إلى ثمانمائة ألف.

هذا إيجابي لسوريا وللشعب السوري، وتراه كذلك تياراتٌ سياسية في الدول المتاخمة، خاصة لبنان وتركيا، تطالب منذ زمن، لأسباب تخص السياسة الداخلية في كل منها، بعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم. غير أنه، لتستمر العودة على وتيرتها في العام الماضي، وحتى لا يغادر من جديد من عادوا فلا بد من إعادة بناء سوريا المهدمة بفعل الحرب المستمرة منذ بداية العقد الماضي. ليست هذه مهمة يسيرة في وقت لا يسيطر فيه النظام الجديد على مجمل الإقليم الوطني ومازالت المواجهات فيه مستمرة.

أما في غزة فالحرب ضد سكانها مستمرة منذ الثامن من أكتوبر 2023 وهدفها الصريح والمعلن على الملأ هو إرغام سكانها على مغادرتها، أي على الهجرة القسرية. لا يغرنك حديث الإسرائيليين عن اختيار سكان غزة للهجرة طوعيا. إرغام سكان غزة على الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم غيره، هو هجرة قسرية يحظرها القانون الدولي. إسرائيل تزعم أن بلدانا حول العالم وافقت على استقبال سكان غزة في أراضيها. أي بلدان هذه التي ستقبل تصدير تبعات النزاع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي إلى أراضيها؟ نية إسرائيل هى إرغام مصر والأردن على قبول الشعب الفلسطيني الذي يسكن غزة في أراضيهما عندما لا يستطيعان، لا هما ولا شعباهما، تحمل مناظر الجوع والمرض والإهانة التي تنزلها إسرائيل به.

أما أن يغادر السكان غزة مؤقتا ليعودوا إليها بعد إعادة بنائها فمردود عليه بأنهم إن تركوا أرضهم فلن يعودوا إليها. إسرائيل لن تقبل عودتهم كما لم تقبل عودة آبائهم وأجدادهم عندما أرادوا ذلك. ثم إنه إن نجحت إسرائيل في إجلاء سكان غزة عن أرضهم، فالدور سيجيء بعدهم على سكان الضفة الغربية. مصر والأردن أصابا بالإعلان عن رفضهما لتهجير الشعب الفلسطيني من غزة، فلا حكومة كل منهما ولا شعبيهما يقبلان هذا التهجير أو هذا التجويع وهذه الإهانة للشعب الفلسطيني. لعل البلدين يعيدان تأكيد رفضهما للتهجير ولاستمرار إسرائيل في نهجها الذي يرمي إلى وضعهما أمام الأمر الواقع. الرفض الآن أقل تكلفة سياسية منه عندما يوضع البلدان أمام الأمر الواقع. هذا الرفض لا بد أن تصحبه خطوات ملموسة للتعبير عنه حتى يؤخذ بالجدية التي يستحقها.

التهجير القسري العراقي انحسر، وإن كان مؤسفا أن بعض مكونات الشعب العرقي المتعددة غادرت ولا يبدو أنها ستعود. خسارة كبيرة هذه. تبقى الهجرة القسرية الفلسطينية فيما يتعدى سكان غزة، أو بعبارة أخرى، تبقى مسألة اللاجئين الفلسطينيين. حلها يرتبط بتسوية مجمل القضية الفلسطينية. لم يوَكّل أحدٌ في إغلاق ملف القضية الفلسطينية وهو ملف ثبت أنه لا يمكن إغلاقه وجهود إسرائيل الحالية لإثبات عكس ذلك مآلها الفشل. مما تعرض له هذا المقال، تبقى الهجرتان القسريتان السورية والسودانية. بإيجاز هما نتيجة لنزاعين نشآ عن سوء حكم مستمر لفترات طويلة في كل من البلدين. عودة النازحين الداخليين إلى ديارهم واللاجئين من بلدان ملجأهم إلى بلد كل منهم وإلى بيوتهم يتوقف على تسوية سياسية للنزاع أو النزاعات المتعددة وعلى إنشاء نظام حكم رشيد في كل منهما.

تسوية النزاعات وإقامة أنظمة للحكم الرشيد ممكنة وهما ضروريان الآن أكثر منهما في أي وقت مضى. هما ضروريان في عالم جديد لا ترتسم ملامح له ولا قواعد.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن