تقدير موقف

الأكراد.. والهيمنة على موارد النفط!

جاء المؤتمر الذي عقدته "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مؤخّرًا وضمّ قيادات من الساحل السوري والسويداء، وطالب بدولةٍ فيدراليةٍ في سوريا، ليُلقي الضوء على تداعيات هيمنة "قسد" على موارد سوريا النفطية والزراعية بدعمٍ غربي. والأخطر هو إقامة "قسد" لدويلةٍ تُعرف بالإدارة الذاتية لشرق سوريا في مناطق ذات أغلبية عربية وتشكيلها مؤسّسات مستقلّة وجيشًا بطريقةٍ تجعلها أقرب إلى إمبراطورية تقودها نخب كردية تحكم أغلبية عربية. وهي لا تُهمّش فقط العرب، بل أيضًا القوى الكردية الأخرى مثل "المجلس الوطني الكردي"، وذلك بعدما حكمت المنطقة بالقوة إثر صفقة بدأت أولًا مع نظام الأسد وإيران عام 2011، ثم مع الولايات المتحدة عقب ظهور "داعش".

الأكراد.. والهيمنة على موارد النفط!

تستغلّ "قسد" خلفيّة القيادة السورية الجهادية والأخطاء والجرائم التي ارتُكبت في الساحل والسويداء، وغياب خريطة طريق مفصّلة تُراعي مخاوف المكوّنات المختلفة لبناء ما يُعرف بـ"حلف الأقليات" ضدّ الأغلبية العربية السنيّة في سوريا، بدعمٍ إسرائيليّ مُعلَن، ولا سيما أنّ وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر يتبنّى هذه التوجّه.

ولا تُعرف نسبة الأكراد بدقّةٍ في سوريا نظرًا لغياب الإحصاءات الرسمية، ولانتشارهم المُتشظّي بين الحسكة في شمال شرق سوريا وريف حلب الشمالي، وصولًا إلى حيَّيْن في مدينة حلب وحي ركن الدين في دمشق. غير أنّ تقارير غربيّة تفترض أنّ أكراد سوريا يزيدون على 10% من السكان، ويُبالغ النشطاء الأكراد ليصلوا بالنسبة إلى 15% أو 20%، في حين تُقدّر دراسات محلية أنّ الأكراد يمثّلون نحو 5.3% من سكان سوريا استنادًا لعدد قراهم وتجمّعاتهم.

"قسد" تسيطر على أكثر من 50% من حقول الغاز و90% من النفط في سوريا وتستخدم هذه العائدات لتمويل قواتها

وتسيطر "قسد" حاليًا على كلّ محافظة الحسكة تقريبًا ومعظم الرقّة وأكثر من ثلث دير الزور وأجزاء صغيرة من محافظة حلب، بما يُمثّل ما بين 28% و30% من مساحة سوريا.

ويتركّز الأكراد بالأساس في شرق محافظة الحسكة حيث يمثلون ما بين 25% و35% من سكان المحافظة، الذين بلغ عددهم قبل الحرب نحو مليون ونصف المليون، فيما يبلغ سكان محافظة الرقّة نحو 944 ألف نسمة عام 2014، ونسبة الأكراد فيها نحو 7.4%.

أمّا محافظة دير الزور فعدد سكانها قبل الحرب نحو مليون و240 ألفًا ويندر بها الأكراد، ويُرجّح أنّ أغلب سكانها يعيشون غرب الفرات خارج سيطرة "قسد"، بينما يخضع بضعة مئات من الآلاف منهم لحُكم "قسد" التي حرصت بدعمٍ أميركي بعد انهيار "داعش" على الاستيلاء على الريف الشرقي للمحافظة، الأقلّ سكانًا والأغنى بالطاقة حيث يوجد فيه "حقل العمر" النفطي وهو من أكبر حقول البلاد، إضافةً إلى الحقول الموجودة في الحسكة، ممّا أدّى إلى سيطرة "قسد" على أكثر من 50% من حقول الغاز و90% من النفط في سوريا، وتستخدم هذه العائدات لتمويل قواتها الضخمة التي يُقال إنّ عددها يصل لمائة ألف.

وتفرض "قسد" قيودًا على انتقال سكان محافظة دير الزور بين شطرَيْها عبر ما يُعرف بـ"بطاقة الزائر". وفي المجمل، يُمثّل العرب أغلبيةً كبيرةً في مناطق سيطرة "قسد"، ويُعتقد أن نسبة الأكراد فيها نحو 19% وفقًا لتقريرٍ للمجلس الأطلسي.

قام حكم "قسد" بالأساس على الهيمنة الاقتصادية والأمنية

ولكن هناك قضية خطيرة يُحيطها الغموض، وهي هجرة أكراد تركيا المُحتملة إلى شمال سوريا، خصوصًا أنّ قائد "قسد" مظلوم عبدي اعترف نهاية العام الماضي بوجود مقاتلين غير سوريين بين قواته.

ولم تتوسّع "قسد" بتهجير العرب السنّة كما فعل النظام السابق، بل قام حكمها بالأساس على الهيمنة الاقتصادية والأمنية، مع استقطاب بعض القيادات العربية ليكونوا حلفاءها.

وبُني النموذج الاقتصادي والسياسي لـ"قسد" على الإرث الشيوعي لحزب العمال الكردستاني التركي (حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أسّس "قسد" الفرع السوري له) مع رفع شعارات الإخاء بين شعوب المنطقة وفرض أنماط حكم محليةٍ ذات صورة لامركزية عبر عناصر عربية ترتبط بـ"قسد" يُفترض أنّها تحكم مناطقها، بينما الواقع أنّ المتحكّم فيها المسؤولون الأكراد، حسب تقريرٍ لمكتب "منشورات الاتحاد الأوروبي".

وتُولّد هذه الممارسات شعورًا بالانفصال لدى المواطنين، لعدم قدرتهم على المشاركة في شؤون السياسة والاقتصاد على قدم المساواة، حسب التقرير، الذي يقول إنّ التعاونيات والسياسات الاشتراكية مجرّد دعاية ترويجية، وإنّ علامات إرث الحزب الاستبدادي واضحة في حوْكمته وإدارته الاقتصادية.

ثمّة تساؤلات حول جدوى التجربة الاقتصادية لـ"قسد"، وكثيرًا ما يُنظر إليها على أنّها بيروقراطية جامدة تفتقر للشفافية، وتسودها المحسوبية، حسب التقرير، الذي يقول إنّ رجال الأعمال المرتبطين بمسؤولي "حزب الاتحاد الديمقراطي" يستفيدون من الوضع الاقتصادي الحالي، بخاصة في التجارة والتهريب.

وتتفاوت نسب الضرائب حسب المحافظة، فهي أقلّ في الحسكة معقل الأكراد مقارنةً بالرقّة التي يقلّ فيها الأكراد.

ولكنّ أخطر ما في تجربة "قسد" هو التجنيد الإجباري للفتيات والأطفال، بمن فيهم أبناء الأسر العربية، وهو ما أكّدته منظمة "هيومان رايتس واتش" والأمم المتحدة.

الواقع الديموغرافي يجعل أي محاولة لبناء حكم ذاتيّ بمثابة تعدٍّ على حقوق الأغلبية العربية

يُشير ما سبق إلى أنّنا أمام نظام أشبه بـ"الأبارتهايد"، تستغلّ فيه أقلية موارد الأغلبية وعناصرها البشرية، كما تمنع استفادة بقيّة سوريا من موارد الطاقة وهو الملف الأكثر غموضًا بحيث لا توجد إحصاءات رسمية لإنتاج النفط، الذي يتراوح ما بين 80 ألف برميل و120 ألف برميل يوميًا، مقارنةً بـ400 ألف برميل قبل الحرب.

وتُعرقل سيطرة "قسد" إصلاح حقول النفط والغاز المُتهالكة، نظرًا لأنّ حكومة دمشق هي التي نالت الاعتراف الدولي، في ظلّ تقارير أنّ "قسد" اشترطت الاحتفاظ بحصةٍ من حقول وعائدات النفط، خلال مفاوضاتها مع دمشق.

ويُظهر التوزيع الديموغرافي في شرق سوريا أنّه لا منطق وراء مطالبة "قسد" بالحكم الذاتي لأن الأكراد وفقًا لأكثر الإحصاءات انحيازًا لهم لا يمثلون أغلبيةً في أي محافظة سورية.

وفي الماضي، كان تقبّل الكثير من عرب شرق سوريا وضعًا يخضعون فيه لحكم الأقليّة نابعًا من أنّ البديل كان النظام والذي كان قمعه وإخفاق إدارته أسوأ كثيرًا من "قسد"، ولكن حاليًا الأمر اختلف خصوصًا بعد صعود شعور قوي في الهوية لدى المكوّن العشائري العربي في سوريا، وباتت قيادات فيه تُهدّد بالانتفاض ضدّ "قسد" من دون انتظار نتيجة مفاوضاتها مع دمشق (سبق أن وقعت انتفاضة عربية ضدّ "قسد" في صيف 2023). في المقابل، فإنّ "قسد" استقطبت بعض الزعامات العربية، الأمر الذي يُنذر بتوترٍ أهليّ في المنطقة قد يزيد الوضع السوري سوءًا.

هناك حاجة لأن يطرح نظام الشّرع خريطة طريق للتحوّل نحو نظامٍ يُمثّل مكوّنات سوريا مع تأكيد وحدة البلاد ومؤسّساتها

إنّ أيّ حلّ لمعضلة "قسد" يجب أن يبدأ باعترافها بالواقع الديموغرافي الذي يجعل أي محاولة لبناء حكمٍ ذاتيّ ليست فقط غير واقعيةٍ، بل بمثابة تعدٍّ على حقوق الأغلبية العربية في المنطقة واستغلالٍ لهم بشكلٍ يُناقض جذورها اليسارية. كما أنّ هذا المشروع لم يُحقّق نجاحًا اقتصاديًا، على الرَّغم من توفّر موارد وتمويل دولي كبيرَيْن، مقارنةً بمناطق النظام السابق والمعارضة ممّا يؤشر إلى خلل بنيوي فيه.

في المقابل، هناك حاجة لأن يطرح نظام أحمد الشّرع خريطة طريق للتحوّل نحو نظامٍ يُمثّل مكوّنات سوريا مع تأكيد وحدة البلاد ومؤسّساتها، بخاصة الجيش الذي يجب أن يُعطي الأولوية للعسكريين المحترفين، لا سيما منهم المنشقّون، والتوزيع العادل للثروات. وألّا تبدو حكومة دمشق ممثلةً للعرب السنّة فقط بقيادة الجهاديين السابقين في مواجهة الأقليات، لأن ذلك سيساعد "قسد" على الترويج لمشروع "حلف الأقليات" الذي سبقها الأسد فيه، علمًا أنّ أحد أسباب سقوطه كان عدم استجابة أغلب الأقليّات لهذا المشروع.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن