تقدير موقف

الشَّرْقُ الأَوْسَطُ بَعْدَ الحَرْبِ على إيران!

أَدْخَلَتِ الضَّرَباتُ الأَميرْكِيَّةُ - الإِسْرائيلِيَّةُ التي اسْتَهْدَفَتِ العُمْقَ الإيرانِيّ، وَأَدَّت إلى اغْتِيالِ المُرْشِدِ الأَعْلى عَلي خامِنَئي، وَمَقْتَلِ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ القِياداتِ العَسْكَرِيَّةِ والسِّياسِيَّة، الشَّرْقَ الأَوْسَطَ في مَرْحَلَةٍ جَديدَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة. فَقَدْ تَرافَقَتْ مَعَ رَدٍّ إيرانِيٍّ مُباشِرٍ طالَ تَلْ أَبيب وَعَدَدًا مِنْ دُوَلِ الخَليج، بِما رَفَعَ مُسْتَوى المُواجَهَةِ إلى حُدودٍ غَيْرِ مَعْهودَة. وَلَمْ يَعُدِ السُّؤالُ المَطْروحُ اليَوْمَ يَقْتَصِرُ على تَوازُناتِ القُوَّةِ أَوْ على مُسْتَقْبَلِ البَرْنامَجِ النَّوَوِيّ، بَلْ باتَ يَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ المَشْروعِ الإيرانِيِّ نَفْسِه، وَبِما إِذا كانَتِ المِنْطَقَةُ تَدْخُلُ فِعْلًا مَرْحَلَةَ ما بَعْدَ النَّموذَجِ الذي تَشَكَّلَ مُنْذُ عامِ 1979.

الشَّرْقُ الأَوْسَطُ بَعْدَ الحَرْبِ على إيران!

مُنْذُ قِيامِ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّة، لَمْ يَكُنِ المَشْروعُ الإيرانِيُّ مُجَرَّدَ سِياسَةٍ خارِجِيَّةٍ أَوْ شَبَكَةِ تَحَالُفات، بَلْ نَموذَجًا إيدْيولوجِيًّا أَعادَ تَعْريفَ العَلاقَةِ بَيْنَ الدّينِ والسِّياسَةِ والدَّوْلَة. فَقَدْ قَدَّمَتْ "وِلايَةُ الفَقيه" صيغَةً تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ الدّينِيَّةِ والمَشْروعِيَّةِ الثَّوْرِيَّة، وَتَرْتَكِزُ إلى فِكْرَةِ المُقاوَمَةِ العابِرَةِ لِلْحُدود، ما أَتاحَ لِإيرانَ بِناءَ مَنْظومَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مِنَ الفاعِلِينَ السِّياسِيّينَ والعَسْكَرِيّينَ في لُبْنانَ والعِراقِ وَسورْيا واليَمَن. وَبِفَضْلِ هَذا النَّموذَج، تَحَوَّلَتْ طَهْرانُ إلى قُوَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ تَتَجاوَزُ الدَّوْلَةَ التَّقْليدِيَّة، عَبْرَ شَبَكاتٍ سِياسِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ مُمتَدَّة.

احتمال التغيير داخل إيران عامل مفصلي قد يدفع إلى مراجعة إيديولوجية عميقة داخل الحركات المرتبطة بها

سِياساتُ إيرانَ في الدّاخِلِ والْخارِج، إلى جانِبِ سَنَواتِ العُقوباتِ والِاحْتِجاجاتِ والحُروبِ المُكْلِفَة، أَدَّتْ إلى الحَرْبِ الإِسْرائيلِيَّةِ - الأَميرْكِيَّةِ عَلَيْها، وَكَشَفَتْ هَشاشَةً في القِيادَةِ المَرْكَزِيَّةِ وَسَلَّطَتِ الضَّوْءَ على حُدودِ هَذا النَّموذَج. فَالمُجْتَمَعاتُ المُرْتَبِطَةُ بِهِ لَمْ تَعُدْ تُقَيِّمُهُ فَقَطْ على أَساسِ المُواجَهَة، بَلْ على أَساسِ قُدْرَتِهِ على تَأْمينِ الاسْتِقْرارِ والتَّنْمِيَةِ والخَدَمات. كَما أَنَّ انْتِقالَ الصِّراعِ إلى مُواجَهَةٍ مُباشِرَةٍ رَفَعَ كُلْفَةَ الاسْتِمْرارِ في المَنْطِقِ التَّعْبَوِيّ، وَأَعادَ طَرْحَ سُؤالِ الجَدْوى السِّياسِيَّةِ والاجْتِماعِيَّة.

في هَذا السِّياق، يُصْبِحُ احْتِمالُ التَّغْييرِ داخِلَ إيران، سَواءٌ عَبْرَ صِراعٍ على السُّلْطَةِ أَوْ إِعادَةِ تَشْكيلٍ تَدْرِيجِيَّةٍ لِلنِّظام، عامِلًا مِفْصَلِيًّا قَدْ يَدْفَعُ إلى مُراجَعَةٍ إيدْيولوجِيَّةٍ عَميقَةٍ داخِلَ الحَرَكاتِ المُرْتَبِطَةِ بِها، مع تَأْثيرِ هَذا المُتَغَيِّرِ على الدُّوَلِ التي يَنْشَطُ فيها وُكَلاءُ إيران، والعَلاقاتِ بَيْنَ دُوَلِ الإِقْليمِ وَأَمْنِها واسْتِقْرارِها. فَغِيابُ المَرْجِعِيَّةِ المَرْكَزِيَّةِ أَوْ تَراجُعُها يَفْتَحُ المَجالَ أَمامَ تَحَوُّلاتٍ نَحْوَ الوَطَنِيَّةِ السِّياسِيَّةِ والبْراغْماتِيَّة، وَيُعيدُ تَعْريفَ العَلاقَةِ مَعَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة. وَقَدْ نَشْهَدُ انْتِقالًا مِنْ مَشْروعٍ عابِرٍ لِلدَّوْلَةِ إلى مَشْروعٍ يُرَكِّزُ على الِانْدِماجِ في المُؤَسَّساتِ والبَحْثِ عَنْ شَرْعِيَّةٍ داخِلِيَّة.

"حزب الله" أمام مفترق استراتيجي قد يدفعه إلى إعادة تموضع تدريجي

بَعْضُ مَلامِحِ هَذا التَّحَوُّلِ ظَهَرَ قَبْلَ الأَحْداثِ الأَخيرَة، لَكِنَّها قَدْ تَتَسارَعُ الآن. فَفي العِراق، تَتَزايَدُ النِّقاشاتُ حَوْلَ السِّيادَةِ وَدَوْرِ الفَصائِلِ المُسَلَّحَةِ وَمُسْتَقْبَلِ الِاقْتِصادِ وَإِعادَةِ بِناءِ الدَّوْلَة، مَعَ ضَغْطٍ شَعْبِيٍّ وَسِياسِيٍّ لِإِعادَةِ ضَبْطِ العَلاقَةِ بَيْنَ السِّلاحِ والدَّوْلَة. في سورْيا، لَمْ تَتَمَكَّنْ إيرانُ وَوُكَلاؤُها مِنْ حِمايَةِ حَليفِها الرَّئيسِ في المِنْطَقَةِ مِنَ السُّقوطِ وَخَرَجَتْ مِنْ سورْيا.

أَمّا في لُبْنان، فَإِنَّ الحالَةَ أَكْثَرُ تَعْقيدًا، إذ يُمثِّلُ "حزْبُ اللهِ" النَّموذَجَ الأَكْثَرَ ارْتِباطًا بِالمَشْروعِ الإيرانِيِّ عَقائِدِيًّا وَتَنْظيمِيًّا، لَكِنَّهُ يُواجِهُ تَحَدِّياتٍ داخِلِيَّةً غَيْرَ مَسْبوقَةٍ في ظِلِّ الانْهِيارِ الاقْتِصادِيّ، وَتَصاعُدِ النِّقاشِ حَوْلَ السِّيادَةِ والحَوْكَمَةِ والاسْتِقْرار، وَتَراجُعِ ثِقَةِ جزءٍ مِنْ بيئَتِهِ بِهِ بِخاصَّةٍ بَعْدَ القَرارِ المُتَهَوِّرِ واليائِسِ بِإِطْلاقِ صَواريخَ على إِسْرائيلَ مُسانَدَةً لِإيرانَ وَتَداعِياتِهِ على لُبْنان.

"الحِزْبُ" اليَوْمَ أَمامَ مُفْتَرَقٍ اسْتراتيجِيّ. فَالتَّراجُعُ في الدَّعْمِ المالِيِّ والعَسْكَرِيّ، والغُموضُ حَوْلَ المَرْجِعِيَّةِ المَرْكَزِيَّة، قَدْ يَدْفَعانِهِ إلى إِعادَةِ تَمَوْضُعٍ تَدْريجِيّ، عَبْرَ تَعْزيزِ حُضورِهِ السِّياسِيِّ والمُؤَسَّساتِيّ، والسَّعْيِ إلى شَرْعِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ أَوْسَع. وَقَدْ يَعْني ذَلِكَ انْتِقالًا مِنْ نَموذَجِ "الحَرَكَةِ العابِرَةِ لِلدَّوْلَة" إلى نَموذَجِ "الفاعِلِ الوَطَنِيّ"، حَيْثُ يُصْبِحُ الاسْتِقْرارُ الدّاخِلِيُّ جُزْءًا مِنِ اسْتراتيجِيَّتِه.

لحظة تاريخية قد تفتح الباب أمام شرق أوسط تبرز فيه الدولة الوطنية كإطار وحيد قادر على إنتاج الشرعية والاستقرار

لَكِنَّ هَذا المَسارَ لَيْسَ حَتْمِيًّا. فَالحَرَكاتُ الإيدْيولوجِيَّةُ لا تَتَخَلّى بِسُهولَةٍ عَنْ بُنْيَتِها الفِكْرِيَّة، وَقَدْ يُؤَدّي تَراجُعُ المَرْكَزِ إلى انْقِساماتٍ بَيْنَ تَيّاراتٍ بْراغْماتِيَّةٍ وَأُخْرى أَكْثَرَ تَشَدُّدًا. كَما أَنَّ اسْتِمْرارَ التَّوَتُّرِ مَعَ إِسْرائيل، أَوِ اتِّساعَ المُواجَهَةِ الإِقْليمِيَّة، قَدْ يُعيدُ إِنْتاجَ مَنْطِقِ التَّعْبِئَةِ الأَمْنِيَّة. كَذَلِك، فَإِنَّ نَجاحَ أَيِّ تَحَوُّلٍ يَرْتَبِطُ بِقُدْرَةِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ على تَقْديمِ إِطارٍ سِياسِيٍّ وَأَمْنِيٍّ واقْتِصادِيٍّ مَوْثوق، وَإِعادَةِ بِناءِ شَرْعِيَّتِها. فَنَجاحُ التَّحَوُّلِ يَتَطَلَّبُ عَقْدًا سِياسِيًّا جَديدًا يَسْتَوْعِبُ هَذِهِ القُوى ضِمْنَ قَواعِدَ دُسْتورِيَّةٍ عادِلَة، وَيُقَدِّمُ نَموذَجَ حُكْمٍ فَعّالًا يُحَقِّقُ الأَمْنَ والتَّنْمِيَة. أَمّا الفَشَل، فَقَدْ يُؤَدّي إلى تَفَكُّكٍ إِقْليمِيٍّ أَكْثَرَ تَعْقيدًا، وَظُهورِ أَشْكالٍ جَديدَةٍ مِنَ الصِّراعاتِ المَحَلِّيَّةِ حَتّى في غِيابِ الدَّعْمِ الخارِجِيّ.

هُنا تَكْمُنُ اللَّحْظَةُ التّاريخِيَّةُ التي تَدْخُلُها المِنْطَقَةُ اليَوْم. فَإِذا أَدّى ما يَجْري في إيرانَ إلى مُراجَعَةٍ فِكْرِيَّةٍ حَقيقِيَّةٍ داخِلَ الحَرَكاتِ المُرْتَبِطَةِ بِها، فَقَدْ نَشْهَدُ انْتِقالًا تَدْريجِيًّا مِنْ مَنْطِقِ "الثَّوْرَةِ الدّائِمَة" إلى مَنْطِقِ "الدَّوْلَةِ المُسْتَقِرَّة"، وَمِنْ إيدْيولوجْيا الصِّراعِ المَفْتوحِ إلى بْراغْماتِيَّةِ المَصالِحِ الوَطَنِيَّة. وَقَدْ يَفْتَحُ ذَلِكَ البابَ أَمامَ شَرْقِ أَوْسَطٍ جَديدٍ تَتَراجَعُ فيهِ الحُروبُ بِالوِكالَة، وَيَتَقَدَّمُ فيهِ التَّنافُسُ الاقْتِصادِيُّ والتِّكْنولوجِيّ، وَتَبْرُزُ فيهِ الدَّوْلَةُ الوَطَنِيَّةُ بِوَصْفِها الإِطارَ الوَحيدَ القادِرَ على إِنْتاجِ الشَّرْعِيَّةِ والاسْتِقْرار.

لن يكون ما بعد الحرب على إيران مجرّد حدث في طهران بل نقطة انعطاف ربما في مسار النظام الإقليمي بأسره

أَمّا إِذا قادَ الفَراغُ الإيرانِيُّ إلى تَفَكُّكِ هَذِهِ الحَرَكاتِ أَوْ إلى صُعودِ تَيّاراتٍ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا، فَإِنَّ المِنْطَقَةَ قَدْ تَدْخُلُ مَرْحَلَةً أَكْثَرَ خُطورَة، حَيْثُ تَنْتَشِرُ مَراكِزُ القُوَّةِ غَيْرُ المُنْضَبِطَة، وَتَتَزايَدُ الصِّراعاتُ المَحَلِّيَّة، وَيَغيبُ التَّوازُنُ التَّقْليدِيُّ الذي حَكَمَ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ لِعُقود. وَفي هَذِهِ الحالَة، لَنْ يَكونَ التَّغْييرُ مَدْخَلًا لِلِاسْتِقْرار، بَلْ لِمَوْجَةٍ جَديدَةٍ مِنَ الفَوْضى الاسْتراتيجِيَّة.

بَيْنَ هَذَيْنِ المَسارَيْن، يَقِفُ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ أَمامَ اخْتِبارٍ تَاريخِيٍّ غَيْرِ مَسْبوقٍ مُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ البارِدَة. فَإِمّا أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّغْييرُ إلى فُرْصَةٍ لِإِعادَةِ بِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَثْبيتِ السِّيادَةِ والتَّكامُلِ الإِقْلِيمِيّ، أَوْ إلى لَحْظَةِ تَفَكُّكٍ تُعيدُ رَسْمَ الخَريطَةِ السِّياسِيَّةِ والأَمْنِيَّةِ لِلْمِنْطَقَة. وَفي الحالَتَيْن، لَنْ يَكونَ ما بَعْدَ الحربِ على إيرانَ مُجَرَّدَ حَدَثٍ في طَهْران، بَلْ نُقْطَةَ انْعِطافٍ في مَسارِ الإِسْلامِ السِّياسِيِّ الشّيْعِيّ، وَرُبَّما في مَسارِ النِّظَامِ الإِقْليمِيِّ بِأَسْرِه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن