بصمات

نَحْوُ تَجْسيدٍ اسْتراتيجِيٍّ لِلمَشْرِقِ الإِسْلامِي!

كانَ صامْويل هَنْتِنْغْتون في كِتابِهِ الأَشْهَر "صِدامُ الحَضارات" قَدْ أَلْمَحَ إلى عَدَدٍ مِنَ المُلاحَظاتِ الْموحِيَة، أَهَمُّها، في نَظَرِنا، غِيابُ دَوْلَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ تَقودُ الحَضارَةَ الإِسْلامِيَّةَ على مِنْوالِ الصّينِ في الحَضارَةِ الكونْفوشِيَّة، والهِنْدِ في الحَضارَةِ الهِنْدوسِيَّة، وَروسْيا في الحَضارَةِ المَسيحِيَّةِ الشَّرْقِيَّة، والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ في الحَضارَةِ الغَرْبِيَّة.

نَحْوُ تَجْسيدٍ اسْتراتيجِيٍّ لِلمَشْرِقِ الإِسْلامِي!

تَتَنافَسُ دولٌ سِتٌّ أَساسِيَّةٌ على قِيادَةِ عالَمِ الإِسْلامِ مِنْ دونِ أَنْ تَتَمَكَّنَ إِحْداها مِنْ تَحْقيقِ إِجْماعٍ حَوْلَ قِيادَتِها لِوُجودِ قُصورٍ لَدى كُلٍّ مِنْها، يُمَيِّزُ الرَّجُلُ بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنْه:

الأَوَّلُ قُصورٌ بُنْيَوِيٌّ، يَصْعُبُ تَجاوُزُه، تُعاني مِنْهُ أَرْبَعُ دولٍ هِيَ إِنْدونيسْيا وَباكِسْتانُ وايرانُ والسُّعودِيَّة: فَإِنْدونيسْيا على الرَّغْمِ مِنْ حَجْمِها السُّكّانِيِّ الكَبير، وَنَهْضَتِها الاقْتِصادِيَّةِ المَشْهودَة، تَبْقى دَوْلَةً طَرَفِيَّةً بَعيدَةً عَنْ قَلْبِ العالَمِ الإِسْلامِيّ. وَباكِسْتانُ تَحوزُ الحَجْمَ الجُغْرافِيّ، والتَّعْدادَ السُّكّانِيَّ والقُدْرَةَ العَسْكَرِيَّةَ والسِّلاحَ النَّوَوِيّ، غَيْرَ أَنَّها فَقيرَةٌ اقْتِصادِيًّا، وَمُنْقَسِمَةٌ إِثْنِيًّا. وايرانُ تَحوزُ كُتْلَةً حَيَوِيَّةً مُتَمَيِّزَة، وَمَوْقِعًا مَرْكَزِيًّا في الشَّرْقِ الأَوْسَط، وَثَرْوَةً نَفْطِيَّةً كَبيرَة، غَيْرَ أَنَّها شيعِيَّة، وَلُغَتُها مَحَلِّيَّةٌ لا تَحوزُ شَعْبِيَّةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّة. أَمّا السُّعودِيَّةُ فَمَهْبِطُ الإِسْلامِ الذي يَمْنَحُها نُفوذًا روحِيًّا هائِلًا، فَضْلًا عَنْ نُفوذِها المالِيِّ وَثَرائِها النَّفْطِيّ، غَيْرَ أَنَّها تُعاني عَجْزًا ديموغْرافِيًّا يَجْعَلُها مُعْتَمِدَةً أَمْنِيًّا على الغَرْب، كَما أَنَّ مَذْهَبَها الدّينِيَّ المُتَشَدِّدَ لا يَجْعَلُها جَذّابَةً لِلعالَمِ الإِسْلامِيِّ المُتَنَوِّع.

والثّاني قُصورٌ طارِئٌ تُعاني مِنْهُ تُرْكْيا وَمِصْر. فَتُرْكْيا يَتَوَفَّرُ لَها الحَجْمُ والمَوْقِعُ المُناسِبان، والبُنْيَةُ السُّكّانِيَّةُ الجَيِّدَة، والتَّماسُكُ الوَطَنِيُّ والتَّقالِيدُ العَسْكَرِيَّةُ العَريقَة، وَلَكِنَّها تُعَرِّفُ نَفْسَها كَدَوْلَةٍ عِلْمانِيَّة، ذاتِ تَوَجُّهٍ غَرْبِيّ. أَمّا مِصْرُ فَتَمْلِكُ المَوْقِعَ الجُغْرافِيَّ المَرْكَزِيّ، والكُتْلَةَ الحَيَوِيَّةَ المُتَمَيِّزَة، والقُدُراتِ العَسْكَرِيَّةَ الكَبيرَة، والأَزْهَرَ كَمُؤَسَّسَةٍ قائِدَةٍ لِلتَّعْليمِ الدّينِيِّ تَمْنَحُها نُفوذًا ثَقافِيًّا، وَلَكِنَّها فَقيرَةٌ، تَعْتَمِدُ اقْتِصادِيًّا على الغَرْب.

مشرقنا الحضاري العربي الإسلامي يحتاج إلى قوّة مركزية تُدافع عنه

كَتَبَ هَنْتِنْغْتون مُؤَلَّفَهُ قَبْلَ ثَلاثَةِ عُقود، شَهِدَتْ عَشَراتِ الظَّواهِرِ والأَزَماتِ والتَّحَدِّيات، التي كَشَفَتْ جَميعُها عَنْ مَلْمَحٍ أَساسِيٍّ هُوَ عُمْقُ الفَراغِ الاسْتراتيجِيِّ الذي تَعيشُهُ المِنْطَقَةُ الحَضارِيَّة، التي يُمْكِنُ وَسْمُها بِالمَشْرِقِ العَرَبِيِّ ـ الإِسْلامِيّ، الأَمْرُ الذي جَعَلَها تُعاني بِالقَدْرِ نَفْسِهِ مِنْ تَحَوُّلاتٍ تَبْدو مُتَناقِضَة، اضْطُرَّتْ دائِمًا لِلتَّكَيُّفِ السَّلبِيِّ مَعَها، وُصولًا إلى اللَّحْظَةِ الرّاهِنَة.

حَدَثَ هَذا قَبْلَ عِشْرينَ عامًا، في مُواجَهَةِ المَسيحِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ مُمَثَّلَةً في الاحْتِلالِ الأَميرْكِيِّ لِلعِراق، والهُجومِ الإِسْرائيلِيِّ المُتَكَرِّرِ على غَزَّةَ وَجَنوبِ لُبْنان. وَحَدَثَ أَيْضًا قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا عِنْدَما تَدَخَّلَ حِلْفُ الأَطْلَسِيِّ بِوازِعٍ وَقِيادَةٍ أَمِيرْكِيَّيْنِ في ليبْيا لِيُفْضِيَ بِها إلى الِانْقِسامِ الرّاهِن. كَما حَدَثَ في سورْيا التي تَواطَأَ عَلَيْها الجَميعُ لِتَدورَ على أَرْضِها مَقْتَلَةٌ كُبْرى خَلَّفَتْ إِحْدَى مَآسي القَرْنِ الحالِيّ. وَلا يَزالُ يَحْدُثُ مُنْذُ ثَلاثِ سَنَواتٍ في حَرْبِ الإِبادَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ على غَزَّة، والتي لَمْ يُحَرِّكِ العالَمُ تُجاهَها ساكِنًا إِلّا بِالقَدْرِ الذي يَذْرِي التُّرابَ في العُيون، نِفَاقًا مِنَ النُّخَبِ الحاكِمَةِ لِشُعوبِها الغاضِبَة. وَأَيْضًا في التَّآمُرِ على وَحْدَةِ السّودانِ واليَمَن، وَعلى حَقِّ مِصْرَ في الحَياةِ المَوْصولِ بِشِرْيانِ النّيل، وَأَخيرًا احْتِمالاتِ ضَرْبِ إيرانَ وَمُحاوَلَةِ إِسْقاطِ نِظامِها لِتَصْفِيَةِ كُلِّ بُؤَرِ المُقاوَمَةِ لِلمَشْروعِ الاسْتيطانِيِّ التَّوَسُّعِيِّ الإِسْرائيلِيّ، وَلِمَشْروعِ الهَيْمَنَةِ الإِمْبِرْيالِيَّةِ الأَميرْكِيِّ الذي أَعادَ تْرامْب إِطْلاقَهُ مِنَ العِقالِ الذي قَيَّدَهُ أَغْلَبَ سَنَواتِ القَرْنِ العِشْرين.

وَعلى هَذا، فَإِنَّ مَشْرِقَنا الحَضارِيَّ العَرَبِيَّ الإِسْلامِيَّ لا يَزالُ يَحْتاجُ اليَوْم، كَما كانَ بِالأَمْس، إلى قُوَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ تُدافِعُ عَنْه، تَصوغُ حِسَّهُ الاسْتراتيجِيَّ وَتَرْسُمُ حُدودًا لِلتَّدَخُّلِ فيه، وَهِيَ مَهِمَّةٌ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا أَنْ تَنْهَضَ بِأَعْبائِها دَوْلَةٌ واحِدَة، بَل تَحْتاجُ إلى تَحالُفٍ اسْتراتيجِيٍّ بَيْنَ تِلْكَ الدُّوَلِ التي أَشارَ إِلَيْها هَنْتِنْغْتون. وَلِحُسْنِ الحَظِّ يُمْكِنُ الادِّعاءُ بِأَنَّ ثَلاثَةً مِنْها قَدْ تَجاوَزَتْ ما تَصَوَّرَهُ الرَّجُلُ قُصورًا لَدَيْها.

لصياغة كتلة استراتيجية وازنة تتحدّث باسم المنطقة وتضع خطوطًا حمراء حول محرّماتها ومقدّساتها

فَالسُّعودِيَّةُ لَمْ تَعُدْ دَوْلَةً مُحافِظَة، وَلا مُعْتَمِدَةً على الغَرْبِ عَسْكَرِيًّا، بَل شَهِدَتْ في العَقْدِ الأَخيرِ انْفِتاحًا ثَقافِيًّا، وَراكَمَتْ خِبْراتٍ عَسْكَرِيَّةً تُذْكَرُ في حَرْبِها ضِدَّ انْفِصالِيّي اليَمَن، كَما طَوَّرَتْ سِياسَةً خارِجِيَّةً هُجومِيَّة.

وَتُرْكْيا انْتَقَلَتْ بِالكُلِّيَّةِ مِنْ مُرَبَّعِ الهُوِيَّةِ العِلْمانِيَّةِ الرّادِيكالِيَّة، التي نَظَرَتْ إلى نَفْسِها مِنْ خِلالِها طيلَةَ القَرْنِ العِشْرِينَ كَدَوْلَةٍ عُضْوٍ في حِلْفِ الأَطْلَسِيِّ تَحْلُمُ بِالانْضِمامِ إلى الاتِّحادِ الأوروبِّيّ، لِاسْتِكْمالِ حُلْمِ التَّغْريب، إلى مُرَبَّعِ الدَّوْلَةِ المُسْلِمَةِ التي تُمارِسُ عِلْمانِيَّةً مُعْتَدِلَة، تَنْظُرُ إلى نَفْسِها كَجُزْءٍ مِنَ المِنْطَقَةِ مَعْنِيَّةً بِصِراعاتِها، خُصوصًا بِالوَحْشِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّة، وَتَسْعى إلى التَّأْثيرِ فيها والتَّعاوُنِ مَعَ دُوَلِها الكُبْرى، وَلَعَلَّ هَذا هُوَ سِرُّ زِيارَةِ رَئيسِها إلى السُّعودِيَّةِ وَمِصْرَ قَبْلَ أَيّام.

أَمّا مِصْرُ فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ أَزْمَتَها الاقْتِصادِيَّةَ لا تَزالُ قائِمَة، فَإِنَّها لَمْ تَعُدْ تَنْظُرُ إلى الغَرْبِ كَمِفْتاحٍ لِحَلِّها، وَلا إلى الأَزْمَةِ نَفْسِها على أَنَّها قَيْدٌ مُطْلَقٌ على سِياسَتِها الخارِجِيَّة، ما يُتيحُ الفُرْصَةَ أَمامَها لِلتَّلاحُمِ مَعَ السُّعودِيَّةِ وَتُرْكْيا وَباكِسْتانَ التي دَخَلَتْ سَلَفًا في تَحالُفٍ مَعَ السُّعودِيَّة، لِبِناءِ تَضامُنٍ واسِع، وَصِياغَةِ كُتْلَةٍ اسْتراتيجِيَّةٍ وازِنَةٍ تَتَحَدَّثُ بِاسْمِ المِنْطَقَة، وَتُدافِعُ عَنْ مَصالِحِها وَتَضَعُ خُطوطًا حَمْراءَ حَوْلَ ما تَعْتَبِرُهُ مُحَرَّماتِها وَمُقَدَّساتِها.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن