هُنا نَسْتَعيدُ المَقْريزِيَّ بِاعْتِبارِ أَنَّ القِراءَةَ الرّاهِنَةَ لَهُ مُمْكِنَةٌ في ضَوْءِ قُدْرَتِهِ على تَفْكيكِ النِّظامِ السِّياسيِّ الذي عاشَ فيه، وتَشْريحِ عُيوبِهِ المُزْمِنَةِ مُتَوَقِّعًا سُقوطَهُ بَعْدَما وَقَعَ في أَسْرِ أَخْطائِه. فهُنا نَلْتَقي بِدَوْرِ المُثَقَّفِ الحَقيقِيّ؛ وهوَ مُواجَهَةُ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ الحاكِمَةِ بِأَمْراضِها وخَطاياها والمَصيرِ المُتَوَقَّعِ لَها، وتَنْبيهُ الشُّعوبِ مِن غَفْلَتِها ووَضْعُها أَمامَ مَسؤولِيَّتِها التّاريخِيَّةِ بِضَرورَةِ أَنْ تُشارِكَ في رَسْمِ تَفاصيلِ الحاضِرِ ووَضْعِ أُسُسِ المُسْتَقبَل.
يكشف عن نفس نقدي ولسان لاذع في النقد بتحميل الطبقة الحاكمة كلّ مشاكل المجتمع
وَضَعَ المَقْريزِيُّ العَديدَ مِنَ المُؤَلَّفاتِ التّاريخِيَّةِ التي تَدورُ حَوْلَ مِصْرَ والشّامِ بِالأَساس، وتَأَثَّرَ في الكَثيرِ مِنْها بِأَفْكارِ أُسْتاذِهِ وَليِّ الدّينِ ابنِ خَلْدونَ (تُوفِّيَ سَنَةَ 808هـ/ 1406م)، خُصوصًا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِيَّةِ العُمْران. وأَضافَ إلى هذِهِ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ الخَلْدونِيَّةِ عَمَلَهُ في مَجالِ الحِسْبَةِ لِفَتْراتٍ مُخْتَلِفَة، إِذ شَغَلَ مَنْصِبَ مُحْتَسِبِ القاهِرَةِ أَكثَرَ مِن مَرَّة، الأَمْرُ الذي وَفَّرَ لَهُ فُرْصَةَ الاحْتِكاكِ بِالحَياةِ اليَوْمِيَّةِ بَعيدًا عن التَّنْظيرِ الفِقْهيِّ واكْتِشافِ ما يَجْرِي على أَرْضِ الواقِعِ مِن مُمارَساتٍ لَحْظِيَّة، فَأَخَذَ بِالعَوامِلِ الاقْتِصادِيَّةِ في التَّحْليلِ السِّياسِيّ، فَضْلًا عن أَنَّ الوَظيفَةَ الرَّسْمِيَّةَ وَفَّرَت لَهُ فُرْصَةَ الاقْتِرابِ مِن طَبَقَةِ المَماليكِ الحاكِمَةِ في مِصْرَ والشّام.
نُلاحِظُ أَنَّ المَقْريزِيَّ في كُتُبِهِ كانَ على قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الشَّجاعَةِ في إِعْلانِ تَحْليلِهِ لِأَحْوالِ دَوْلَةِ المَماليكِ المُعاصِرِ لَها، وهوَ يَكْشِفُ عن نَفَسٍ نَقْدِيٍّ ولِسانٍ لاذِعٍ في النَّقدِ بِتَحْميلِ طَبَقَةِ المَماليكِ الحاكِمَةِ كُلَّ مَشاكِلِ المُجْتَمَع، لأَنَّ تِلْكَ الطَّبَقَةَ الحاكِمَةَ احتَكَرَتْ كُلَّ مَصادِرِ القُوَّةِ والدَّخْل. فَنَراهُ يُعلِّقُ في كِتابِهِ (السُّلوكِ لِمَعْرِفَةِ دَوْلَةِ المُلوك)، على أَحَدِ الأَوْبِئَةِ الَّذي ضَرَبَ القاهِرَةَ مَعَ تَزايُدِ مُعَدَّلاتِ الفَقر: "هَذا وقَد تَوَقَّفَتْ أَحْوالُ النّاسِ مِن قِلَّةِ المَكاسِب، لِشِدَّةِ الغَلاء، وعَدَمِ وُجودِ ما يُقْتاتُ بِه، وشُحِّ الأَغْنِياءِ وقِلَّةِ رَحْمَتِهِم. ومَعَ ذَلِكَ فَلَم يَزْدَدْ أَجْرُ العُمّالِ مِنَ البُنَاةِ والفَعَلَةِ والحَمّالين ونَحْوِهِم مِن أَرْبابِ الصَّنايِعِ شَيْئًا، بَلِ اسْتَقَرَّتْ على ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الغَلاء، فمَن كانَ يَكْتَسِبُ في اليَوْمِ دِرْهَمًا يَقومُ بِحالِهِ ويُفَضِّلُ لَهُ مِنْهُ شَيء، صارَ الدِّرْهَمُ لا يُجْدِي شَيئا، فماتَ وماتَ أَمْثالُهُ مِنَ الأُجَراءِ والعُمّالِ والصُّنّاعِ والفَلّاحِين والسُّوّالِ مِنَ الفُقَراء".
رسم صورة واقعية لواقع عصره بعيدًا عن التزلّف إلى السلطة السياسيّة
وَقَدَّمَ المَقْريزِيُّ دِراسَةً في عَوامِلِ خَرابِ الإِقْليمِ المِصْريِّ في عَصْرِ سَلاطينِ المَمالِيكِ الجَراكِسَةِ في كِتابِ (إِغاثَةِ الأَئِمَّةِ بِكَشْفِ الغُمَّة)، وهوَ مُحاوَلَةٌ لِرَصْدِ أَسْبابِ تَراجُعِ مِصْرَ الاقْتِصاديِّ على أَرْضِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ بِرَدِّها إلى ظُلْمِ الحاكِمِ وجَشَعِهِ وسوءِ تَدْبيرِه، وتَقديمِ لَمْحَةٍ مُهِمَّةٍ تُرَتِّبُ الفَوْضَى السِّياسِيَّةَ كَمُسَبِّبٍ أَساسِيٍّ لِمَوْجاتِ الغَلاء، الَّتي تُنْتِجُ سوءَ التَّغْذِيَة، فمِن ثَمَّة حالَاتِ الوَباءِ والطّاعون، ما يُؤدّي في المُحَصِّلَةِ إلى شُيوعِ "المَوَتان"، في أَقْوَى إِدانَةٍ لِفَشَلِ النِّظامِ السِّياسيِّ لِدَوْلَةِ المَماليك.
ونَراهُ يُفَكِّكُ مَساوِئَ حُكْمِ المَمالِيكِ بِقَوْلِهِ في كِتابِ (دُرَرِ العُقودِ الفَريدَةِ) عن فَتْرَةِ حُكْمِ السُّلْطانِ الأَشرَفِ بَرْسَباي "إِنَّ الفَسادَ والرَّشْوَةَ انْتَشَرَت حتّى أَصْبَحَت كُبرى مَناصِبِ الدَّوْلَةِ يُتَحصَّلُ عَلَيها بِمُقابِلٍ مادِّيّ، "لا جَرَمَ أَنَّ وُلاةَ كُلِّ أَمرٍ ساءَتْ سيرَتُهُم في أَيّامِهِ وشُنِّعَت قَالَةُ العامَّةِ فيهِم... وخَرَبَت في أَيّامِهِ أَعْمالُ مِصْرَ والشّامِ خَرابًا لا يَكادُ يَتَدارَكُ إِلّا أَنْ يَشاءَ اللهُ لِشِدَّةِ جَوْرِ الوُلاةِ والعُمّال، وكَثْرَةِ أَخْذِهِم الأَمْوالَ مِنَ الفَلّاحين، وضُمِّنَتِ الفَواحِشُ في أَيّامِهِ بِالأَمْوالِ في دِمَشْقَ وحَلَبَ والإِسْكَنْدَرِيَّة".
يجب أن نحاول جميعًا أن نتحلى بشجاعته في محاكمة عصرنا وتفكيك مكوّنات الأزمة واقتراح الحلول الجريئة
إِنَّ نُصوصَ المَقْريزيِّ تَقِفُ شامِخَةً كَبَيانٍ لِمُؤرِّخٍ ومُثَقَّفٍ عُضْوِيٍّ حاوَلَ كَشْفَ سَوْءاتِ عَصْرِه، فَوَجَّهَ أَسْهُمَ النَّقْدِ الصَّريحِ لِلسُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ الَّتي حَمَّلَها مَسْؤولِيَّةَ تَدَهْوُرِ أُمورِ العِبادِ والبِلاد، ورَسَمَ صورَةً واقِعِيَّةً بِجُرْأَةٍ يُحْسَدُ عَلَيْها لِواقِعِ عَصْرِهِ بَعيدًا عن التَّزلُّفِ إلى السُّلْطَةِ السِّياسِيَّة، فَلَمْ يَتَجاهَلْ أَصْواتَ الجَوْعى والمَحْرومينَ في شَوارِعِ المَحْروسَة، بَلْ سَجَّلَها وانْتَصَرَ لَها أَمامَ مُحاوَلاتِ السُّلْطَةِ لِمَحْوِها.
هذِهِ الرّوحُ المَقْريزِيَّةُ هِيَ ما نَحْتاجُها في نُخَبٍ تُخاطِبُ الشُّعوبَ العَرَبِيَّةَ عَبْرَ رَصْدِ أَسْبابِ أَمْراضِ الجَسَدِ العَرَبِيّ، ووَضْعِ كُلِّ طَرَفٍ أَمامَ مَسْؤولِيَّتِه، ومُحاكَمَةِ السُّلُطاتِ المُهَيْمِنَةِ سِياسِيًّا واقتِصادِيًّا واجتِماعِيًّا ودِينِيّا. فَكَما اسْتَطاعَ المَقْريزِي، بِوَصْفِهِ مُثقَّفًا عُضْوِيًّا، التَّعْبِيرَ عن أَزْمَةِ عَصْرِهِ ومَأْزِقِ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ في عَصْرِه، يَجِبُ أَن نُحاوِلَ جَميعًا أَن نَتَحَلَّى بِشَجاعَةِ مُؤرِّخِ القاهِرَةِ الكَبيرِ في مُحاكَمَةِ عَصْرِنا وتَفْكيكِ مُكَوِّناتِ الأَزْمَةِ واقْتِراحِ الحُلولِ الجَريئَة.
(خاص "عروبة 22")

