اقتصاد ومال

كَمْ ساعَة عَمَلٍ نَحْتاجُ لِغِذائِنا في العالَمِ العَرَبي؟هذا ما يَكْشِفُهُ "مُؤَشِّرُ الضَّغْطِ الغِذائي"!

فِي جُزْءٍ واسِعٍ مِنَ العالَمِ العَرَبِيّ، يَعْمَلُ النّاسُ لِيَأْكُلوا، وَلا يَبْقى مِنْ يَوْمِهِمْ ما يَكْفي لِيَعيشوا. هذِهِ لَيْسَتْ صيغَةً بَلاغِيَّة، بَلْ هي خُلاصَةٌ رَقْمِيَّةٌ تَفْرِضُ نَفْسَها بِقُوَّةٍ عِنْدَ تَحْويلِ كُلْفَةِ الغِذاءِ مِنْ أَرْقامٍ نَقْدِيَّةٍ إِلى ساعاتِ عَمَلٍ يَوْمِيَّة. لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ الحَقيقِيُّ: كَمْ ثَمَنُ الغِذاء؟ بَلْ كَمْ يَوْمَ عَمَلٍ يَذْهَبُ فَقَطْ لِتَأمينِ الطَّعام؟.

كَمْ ساعَة عَمَلٍ نَحْتاجُ لِغِذائِنا في العالَمِ العَرَبي؟
هذا ما يَكْشِفُهُ

يَعْتَمِدُ هذا التَّحْليلُ عَلى بَياناتٍ حَديثَةٍ صادِرَةٍ عَنْ تَقاريرَ دَوْلِيَّةٍ حَوْلَ كُلْفَةِ الغِذاءِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، إِضافَةً إِلى مُعْطَياتِ "مُؤَشِّرِ الكَفافِ" الَّذِي نَشَرَتْهُ قَناةُ "الحُرَّة"، وَالَّذي يُقارِنُ بَيْنَ الحَدِّ الأَدْنى لِلأُجورِ وَكُلْفَةِ الغِذاءِ الشَّهْرِيَّةِ لِأُسْرَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَفْراد، ثُمَّ يُحَوِّلُ هذِهِ العَلاقَةَ إِلى مُؤَشِّرَيْنِ كاشِفَيْن: عَدَدِ ساعاتِ العَمَلِ اليَوْمِيَّةِ اللّازِمَةِ لِتَغْطِيَةِ الغِذاءِ فَقَط، وَنِسْبَةِ ما يُمَثِّلُهُ الغِذاءُ مِنَ الأَجْرِ الشَّهْرِيِّ، أَي ما يُعْرَفُ بِـ "مُؤَشِّرِ الضَّغْطِ الغِذائِيّ".

إذا استهلك الغذاء يوم العمل كاملًا أو أكثر فنحن أمام اختلال بنيوي في العلاقة بين الأجر وكلفة المعيشة

بِهَذا التَّحْويل، يَتَغَيَّرُ مَنْظورُ النِّقاشِ كُلِّيّا. فَالتَّحْليلُ التَّقْليدِيُّ يَكْتَفي بِالقَوْلِ إِنَّ الغِذاءَ "غالٍ" أَوْ "رَخيص"، أَمّا التَّحْليلُ الزَّمَنِيُّ فَيَضَعُنا أَمامَ واقِعٍ مَعيشِيٍّ مُباشِر: إِذا احْتاجَ العامِلُ إِلى أَقَلَّ مِنْ ساعَتَيْنِ يَوْمِيًّا لِتَغْطِيَةِ غِذاءِ أُسْرَتِه، فَالضَّغْطُ مَحْدودٌ نِسْبِيًا. وَإِذا تَجاوَزَتِ الكُلْفَةُ نِصْفَ يَوْمِ عَمَل، بَدَأَ الغِذاءُ يُزاحِمُ السَّكَنَ وَالصِّحَّةَ وَالتَّعْليم. أَمّا إِذا اسْتَهْلَكَ الغِذاءُ يَوْمَ العَمَلِ كامِلًا أَوْ أَكْثَر، فَنَحْنُ أَمامَ اخْتِلالٍ بُنْيَوِيٍّ فِي العَلاقَةِ بَيْنَ الأَجْرِ وَكُلْفَةِ المَعِيشَة.

وَتُظْهِرُ البَياناتُ نَفْسُها أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَنْقَسِمُ، مِنْ حَيْثُ هذَا المُؤَشِّر، إِلى ثَلاثِ خَرائِطَ مُخْتَلِفَة، وَإِنْ كانَتِ الحُدودُ بَيْنَها غَيْرَ صَلْبَة.

فِي بَعْضِ دُوَلِ الخَليج، لا يَزالُ الضَّغْطُ الغِذائِيُّ مُنْخَفِضًا نِسْبِيًا. فَفِي عُمانَ، يَحْتاجُ المُواطِنُ إِلى نَحْوِ ساعَةٍ وَثُلُثِ السّاعَةِ يَوْمِيًّا لِتَأْمينِ غِذاءِ أُسْرَتِه، وَلا تُمَثِّلُ كُلْفَةُ الطَّعامِ سِوى أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الحَدِّ الأَدْنى لِلأَجْر. وَفِي السَّعودِيَّة، لا تَتَجاوَزُ ساعاتُ العَمَلِ المَطْلوبَةُ لِهذا الغَرَضِ ساعَتَيْنِ تَقْريبًا، مَعَ ضَغْطٍ غِذائِيٍّ قَريبٍ مِنْ ذَلِكَ المُسْتَوى. حَتّى البَحْرَيْن، عَلى الرَّغْمِ مِنْ ارْتِفاعِ الأَسْعارِ نِسْبِيّا، ما زالَ الغِذاءُ يَسْتَهْلِكُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الأَجْرِ الأَدْنى.

لَكِنَّ هذِهِ الصّورَةَ لا تَنْسَحِبُ عَلَى جَميعِ دُوَلِ الخَليج. فَفي الإِماراتِ، يَقْتَرِبُ الضَّغْطُ الغِذائِيُّ مِنْ 80 في المِئَةِ مِنَ الحَدِّ الأَدْنى لِلأُجور، وَيَحْتاجُ العامِلُ إِلى ما يُقارِبُ خَمْسَ ساعاتِ عَمَلٍ يَوْمِيًّا لِتَغْطِيَةِ الغِذاءِ فَقَط. أَمّا فِي قَطَرَ وَالكُوَيْتِ، فَتَصِلُ المُؤَشِّراتُ إِلى مُسْتَوَياتٍ أَعْلَى، إِذْ يَقْتَرِبُ عَدَدُ ساعاتِ العَمَلِ اللّازِمَةِ لِتَغْطِيَةِ الغِذاءِ مِنْ يَوْمِ عَمَلٍ كامِل، وَيَتَجاوَزُ الضَّغْطُ الغِذائِيُّ 120 في المِئَةِ مِنَ الأَجْرِ الأَدْنَى. هُنا يَظْهَرُ تَناقُضٌ لافِت: دخولٌ مُرْتَفِعَةٌ اسْمِيّا، لَكِن حُدودٌ دُنْيا لِلأُجورِ لا تُواكِبُ كُلْفَةَ الغِذاءِ، ما يَجْعَلُ الطَّعامَ وَحْدَهُ يَلْتَهِمُ مُعْظَمَ الدَّخْل.

في الدول متوسطة الدخل يتحوّل الغذاء إِلى عبء مركزي وفي الدول الفقيرة يتحوّل من "ضغط معيشي" إلى مسألة بقاء

فِي الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْل، يَتَحَوَّلُ الغِذاءُ إِلى عِبْءٍ مَرْكَزِيٍّ فِي ميزانِيَّةِ الأُسَرِ ذاتِ الأُجورِ الدُّنْيا. فَفِي لُبْنانَ وَالمَغْرِبِ وَالأُرْدُن، يَحْتاجُ العامِلُ إِلى ما يُقارِبُ خَمْسَ ساعاتِ عَمَلٍ يَوْمِيًّا لِتَأمينِ غِذاءِ أُسْرَتِه، وَيَسْتَهْلِكُ الطَّعامُ ما بَيْنَ 70 وَ90 في المِئَةِ مِنَ الحَدِّ الأَدْنَى لِلأَجْر. أَمَّا فِي مِصْرَ وَالعِراق، فَيَتَجاوَزُ الضَّغْطُ الغِذائِيُّ 100 في المِئَة، ما يَعْنِي أَنَّ الأَجْرَ الأَدْنى لا يَكْفي لِتَغْطِيَةِ الغِذاءِ وَحْدَه، وَيُضْطَرُّ العامِلُ إِلى تَخْصيصِ نَحْوَ سَبْعِ ساعاتٍ يَوْمِيًّا فَقَطْ لِلطَّعام.

وَتَبْرُزُ تونُسُ وَالجَزائِرُ بِوَصْفِهِما حالَتَيْنِ أَكْثَرَ حِدَّةً داخِلَ هذِهِ الفِئَة، إِذْ يَصِلُ الضَّغْطُ الغِذائِيُّ فِيهِما إِلى نَحْوَ 130 في المِئَة، وَيَحْتاجُ العامِلُ إِلى ثَمانِي ساعَاتِ عَمَلٍ يَوْمِيًّا لِتَغْطِيَةِ كُلْفَةِ الغِذاءِ فَقَطْ. هُنا لَمْ يَعُدِ الغِذاءُ بَنْدًا يُزاحِمُ بَقِيَّةَ النَّفَقات، بَلْ أَصْبَحَ بَنْدًا يَبْتَلِعُ الأَجْرَ بِأَكْمَلِه.

أَمَّا فِي الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الفَقِيرَة، وَلا سِيَّما تِلْكَ الَّتِي تَشْهَدُ نِزاعاتٍ أَوْ اِنْهِياراتٍ اِقْتِصادِيَّةً مُمتَدَّة، فَإِنَّ الغِذاءَ يَتَحَوَّلُ مِنْ "ضَغْطٍ مَعِيشِيٍّ" إِلى مَسْأَلَةِ بَقَاء. فَفي سورْيا، تَتَجاوَزُ كُلْفَةُ الغِذاءِ ثَلاثَةَ أَضْعافِ الحَدِّ الأَدْنَى لِلأُجور، بَيْنَما تَبْلُغُ في اليَمَنِ ما يُقارِبُ سَبْعَةَ أَضْعافِه. وَبِالأَرْقامِ الزَّمَنِيَّةِ، يَحْتاجُ العامِلُ اليَمَنِيُّ إِلى نَحْوَ أَرْبَعينَ ساعَةَ عَمَلٍ ــ أَي ما يُعادِلُ يَوْمَيْ عَمَلٍ كامِلَيْنِ ــ لِتَأمِينِ غِذاءِ يَوْمٍ واحِدٍ لِأُسْرَتِه. فِي مِثْلِ هذِهِ الحالاتِ، لَمْ يَعُدِ الحَدُّ الأَدْنَى لِلأُجورِ أَجْرًا لِلعَيْشِ، بَلْ دَخْلًا رَمْزِيًّا لا يُغَطِّي أَبْسَطَ الاِحْتِياجات.

عندما نُحوّل كلفة الغذاء إلى ساعات عمل نكتشف أنّ نسبة كبيرة من العرب تعمل أساسًا من أجل الطعام

وَتَكْشِفُ البَياناتُ أَيْضًا مُفارَقاتٍ لافِتَة. فَليبْيا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ الاِسْتِقْرار، تُسَجِّلُ ضَغْطًا غِذائِيًّا مُنْخَفِضًا نِسْبِيًّا، بَيْنَما تَصِلُ موريتانيا، وَهِيَ بَلَدٌ مُسْتَقِرٌّ سِياسِيّا، إِلى ضَغْطٍ غِذائِيٍّ يَتَجاوَزُ 200 في المِئَة. ما يُؤَكِّدُ أَنَّ النِّزاعَ لَيْسَ العامِلَ الوَحيد، وَأَنَّ بُنْيَةَ الأُجورِ وَسِياساتِ الدَّعْمِ وَسَلاسِلَ التَّوْريدِ تَلْعَبُ دَوْرًا حاسِمًا.

ما تَقولُهُ هذِهِ الأَرْقام، فِي جَوْهَرِها، إِنَّ الحَدَّ الأَدْنَى لِلأُجورِ فِي جُزْءٍ كَبيرٍ مِنَ العالَمِ العَرَبيِّ لَمْ يَعُدْ يَعْكِسُ كُلْفَةَ الغِذاءِ الواقِعِيَّة. وَأَنَّ الغِذاءَ أَصْبَحَ أَوَّلَ قَناةٍ يَظْهَرُ مِنْ خِلالِها الفَقْرُ وَالهَشاشَة، قَبْلَ السَّكَنِ وَالصِّحَّةِ وَالتَّعْلِيم. كَما أَنَّ الفَوارِقَ لَمْ تَعُدْ فَقَطْ بَيْنَ دُوَلٍ غَنِيَّةٍ وَأُخْرى فَقيرَة، بَلْ ظَهَرَت داخِلَ الدُّوَلِ الغَنِيَّةِ نَفْسِها، وَتَفاقَمَتْ عَلَى نَحْوٍ دِرامِيٍّ فِي دُوَلِ النِّزاعات.

الخُلاصَةُ الَّتِي يَفْرِضُها هذَا التَّحْليلُ بَسيطَةٌ وَقاسِيَةٌ في آن: عِنْدَما نُحَوِّلُ كُلْفَةَ الغِذاءِ إِلى ساعاتِ عَمَل، نَكْتَشِفُ أَنَّ نِسْبَةً كَبِيرَةً مِنَ العَرَبِ تَعْمَلُ أَساسًا مِنْ أَجْلِ الطَّعام. وَهذَا المُؤَشِّرُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَساطَتِهِ، يَضَعُ صُنّاعَ القَرارِ أَمامَ سُؤالٍ لا يُمكِنُ تَجاهُلُه: هَلِ الحَدُّ الأَدْنى لِلأُجورِ هُوَ حَدٌّ لِلكَرامَةِ المَعيشِيَّة، أَمْ مُجَرَّدُ رَقْمٍ إِدارِيٍّ أَوْ سِياسِيٍّ لا يَضْمَنُ حَقَّ الإِنْسانِ فِي الغِذاء؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن