صحافة

إسرائيل.. وحدود الصراع داخل المؤسسات

طارق فهمي

المشاركة
إسرائيل.. وحدود الصراع داخل المؤسسات

تتداخل الصراعات داخل مؤسسات القوة في إسرائيل بصورة لافتة في ظل ما يجري من تطورات تتعلق بوضع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على مختلف مهامها وتشكيلاتها خاصة مع تصاعد حالة عدم الاستقرار في الإقليم والاتجاه إلى مرحلة جديدة من المواجهات الإسرائيلية على طول الجبهات العربية المجاورة سواء في غزة أو الجنوب السوري أو جنوب لبنان.

إسرائيل ستدخل في المرحلة المقبلة إطار الترتيبات الأمنية والعسكرية من جانب واحد فعلياً ومن خلال التشارك، والمفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة من جانب والأطراف الوسيطة من جانب آخر، وهو ما سيبرز عبر البدء في مفاوضات المرحلة التالية، ما يؤكد حاجة إسرائيل إلى توحد المواقف، واتساق الأهداف، وتقارب المستويين السياسي والعسكري.

والملاحظ أن هذا الأمر يجري بصورة واضحة بصرف النظر عما يجري من تضخيم ما يحدث داخل مؤسسات القوة، وأهمها وزارة الدفاع ورئاسة الأركان وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، إضافة إلى الموساد. وقد استطاع نتنياهو تسكين الخلافات داخل جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" وأعاد ترتيب الأوضاع داخل الجهاز الذي اتسعت مهامه وتعددت أدواره في الفترة الأخيرة، وكان طبيعياً أن تمضي الأمور لصالح الجهاز مع إبراز مهامه الرئيسة، التي تجاوزت مسؤولياته في منظومة أجهزة المعلومات الإسرائيلية، وكان على حساب شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" ما يؤكد إدراك نتنياهو أن الجهاز يجب أن تتسع مهامه وأدواره لضبط كثير من الأمور العالقة.

أما الموساد فكان الخلاف على قدرة مرشحه الجديد رومان غوفمان، القادم من مكتب نتنياهو وسكرتيره الأمني. على العمل بموقعه الجديد خاصة أن ترشيحه قوبل باستهجان كبير من داخل الجهاز بل ومن كبار قياداته الأمنية، والتي تبرمت من ترشيح شخص قادم من خارج الموساد، الأمر الذي يطرح إشكالية مهمة حول قدرة الرئيس الجديد للموساد على العمل، ولهذا فتحت لجنة التعيينات (لجنة جروس) تحقيقات حول اتهامه في إحدى القضايا الخاصة بتجنيد عنصر أمني، وتوظيف مهامه المكلف به وبرغم أن اللجنة انتهت من توصياتها بتعيينه إلا أن الأمر لم يستقر بعد..

خلاف آخر داخل وزارة الدفاع ورئاسة الأركان إذ تقبل وزير الدفاع يسرائيل كاتس تعيين قادة جدد في القوات الجوية والبحرية (البريجادير عومر تيشلر قائدا لسلاح الجو، والميجر جنرال إيال هرئيل قائداً لسلاح البحرية، بعد تجمد الأمر من قبل وزارة الدفاع، وهو ما امتد أيضا للقادة من رتب أخرى، الأمر الذي تسبب في مشكلات داخل رئاسة الأركان، خاصة أن رئيس الأركان إيال زامير يرى أن وزير الدفاع تجاوز مهامه ويجب أن يكون الأمر مرجعياً لرئيس الأركان.

والمثير أن نتنياهو لم يتدخل على الخط، وترك الأمر لعدة أشهر إلى حين حسمه وزير الدفاع شخصياً بتمرير قرارات التعيين، وهو ما سيؤدي ولبعض الوقت إلى التهدئة داخل الجيش الإسرائيلي الذي سيدخل في الفترة المقبلة تحديات صعبة وفق رؤية قادة الدولة من الحاليين والسابقين، وهو ما عبر عنه وبعمق حركة مهمة تعرف باسم "قادة من أجل أمن إسرائيل"، وهي أكبر حركة سياسية وعسكرية تدعو إلى التهدئة، والعمل على إزالة حالة الاحتقان داخل المؤسسات وتجاوز الخلافات الراهنة والمرور إلى منطقة آمنة يتم التركيز فيها على أمن إسرائيل.

والواضح إذا مما يجري داخل مؤسسات القوة الإسرائيلية أن الأمر لن يهدأ، ولن يستقر في ظل تنامي التباينات ليس فقط داخل مؤسسات القوة بل تمددها إلى المستوى السياسي قبل أشهر من الانتخابات البرلمانية واحتمالات أن يقوم رئيس الوزراء نتنياهو بمفاجأة الجميع بالدعوة للتبكير بإجراء الانتخابات، مما قد يؤدي إلى توقف تكتيكي لمفاوضات غزة مع تركيزه على سلسلة الإجراءات الانفرادية من خلال تبني استراتيجية التفاوض تحت النار وشراء الوقت لتحقيق السيطرة على القطاع بالكامل من دون الإعلان عن الحرب بصورة مباشرة في ظل اقتطاع يومي من مساحة القطاع.

هذا السيناريو في غزة يدفع بسيناريو مختلف عما يخطط له الجانب الأميركي، خاصة أن الاتجاه للخطة (باء) والذهاب إلى مواجهة مع إيران وارد مع تسكين باقي الجبهات والعمل على الخيارات المرحلية، وهو ما يتطلب في مجمله- وفق المقاربة السياسية والأمنية- التوافق وعدم الدخول في مناكفات حزبية أو سياسية ضيقة ما قد يطرح سواء داخل مؤسسات القوة أو خارجها، خاصة وأن المستوى العسكري دائماً ما يذهب إلى التجاوب مع التوجهات السياسية، حيث لا توجد حالة من التذمر أو التحفظ لاعتبارات مهنية بحتة وليس خلافات في الهدف الاستراتيجي، الذي يعمل عليه كل الأطراف سواء كان سياسياً أو عسكرياً.

الأمر الذي دائماً ما يراهن عليه مجتمع الحاخامات الكبار، الذي يدير الدولة من وراء الستار، ويحدد الأدوار بالفعل، ويتم توزيعها بصورة متزنة، بل ويحدد مسار وتوجه الدولة في توقيت محدد ومباشر تجنباً لأي صدام متوقع، تاركاً لكل مؤسسة حرية العمل من خلال محددات لا يمكن تجاوزها. تبقي المصالح العليا محل اهتمام وتركيز من كل الأطراف الأمنية والسياسية، لكن الإشكالية دائماً ستظل من الأقوى والقادر على المواجهة في ظل تداخل مهام مؤسسات القوة، وإعادة توزيع مصالحها وصعود جيل جديد من العسكريين الساعي لفرض وجوده سياسياً وعسكرياً.

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن