العرب ومستقبل إيران الغامض!

لا يكاد يمر يوم في الإعلام الغربي والإسرائيلي صحفا وفضائيات ومواقع على الإنترنت دون حديث عن إيران، ونية الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه ضربات جديدة لها، ويبدو أن التفاخر الأمريكي الإسرائيلي بالضربة السابقة التي دامت 12 يوما على المنشآت الإيرانية النووية كان مبالغا فيه، ولم يرتق إلى "الأهداف" الاستراتيجية التي كانا يسعيان إليها!. والكلام الآن يتجاوز المنشآت النووية وقواعد الصواريخ والقادة الكبار إلى تغيير النظام نفسه، وأن إيران ربما تكون على أعتاب قيادات مختلفة عن "الملالي" الذين حكموا لمدة قاربت على نصف قرن!.

وقد كتب كريم سجادبور وهو أمريكي من أصل إيراني، وباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، دراسة في مجلة "فورين أفيرز"، بعنوان "خريف آيات الله: ما هو التغيير القادم إلى إيران؟"، وكارنيجي مؤسسة مستقلة كما تعلن عن نفسها، لكن لها روابط بالمخابرات المركزية الأمريكية تشي بها قرائن كثيرة، مثلا أن ويليام بارنز ترأس المؤسسة من عام 2015 إلى 2021، ثم أصبح بعدها رئيس المخابرات المركزية، وكان قبل الوظيفتين مساعدا لوزير الخارجية.. كما لو أنه كان ينتقل بين مناصب رسمية في إدارات حكومية.

يقول كريم: تشبه الجمهورية الإسلامية اليوم الاتحاد السوفيتي في مراحله الأخيرة، تحافظ على أيديولوجيتها المنهكة بالإكراه، وقياداتها المتصلبة تخشى الإصلاح، أما مجتمعها فقد انصرف عن الدولة، باختصار النظام مفلس سياسيا وماليا وعرضة للانهيار تحت وطأة الضغوط الخارجية والسخط الداخلي، وثمة احتمالات: الأول: إذا استمر النظام على ما هو عليه، في تغليب الأيديولوجية على المصالح الوطنية، قد يشبه مستقبل إيران حاضر كوريا الشمالية، نظام لا يصمد بالشرعية الشعبية، بل بالوحشية والعزلة. الثاني: أن ينتقل الحرس الثوري من الهيمنة إلى الحكم المطلق، ويتدخل باعتباره منقذ الأمة حارسا للوحدة الوطنية، وتحل القومية الإيرانية محل الايديولوجية الثورة الشيعية، ويحاول التوافق مع الغرب.

أما الثالث: تفكيك على غرار يوغوسلافيا على أسس عرقية، فقد ترى الأقليات في إضعاف مركز السلطة فرصة للثورة، وإن كانت الهوية في إيران أكثر تماسكا من التي كانت عليها في يوجوسلافيا، فـ80% من الإيرانيين إما فارسيون أو أذربيجانيون، ويتحدثون اللغة الفارسية، ويعد الأكراد أنفسهم دولة لها تاريخ متواصل لأكثر من 2500 سنة. ومن المؤكد أن روسيا والصين سوف تعملان على استمرار الجمهورية الإسلامية شوكة دائمة في خاصرة الولايات المتحدة ومصدرا لعدم الاستقرار ونقطة خطر على الطاقة العالمية.

وبعيدا عن الصراع الغربي مع إيران بقيادة الولايات المتحدة، علينا نحن العرب أن نفكر ونسأل: ما الذي يمكن أن نفعله في ضوء هذه التصورات؟، سؤال مصيري، فإيران حتمية جغرافية في الإقليم، والعلاقات العربية الإيرانية معقدة متخمة بالتوترات والتداخلات والمناوشات السياسية والدينية لقرون طويلة، والمسألة ليست سنة وشيعة كما تبدو على السطح، فأصل الصراع منذ سقوط خلافة الإمام علي بن أبي طالب كان صراعا سياسيا على السلطة، ثم أخذ شكلا مذهبيا، يتخفى خلفه المتصارعون وهم يلحون بـ"نصوص دينية" فسروها لمصلحتهم.

وحين تفككت الدولة العباسية تحت سنابك خيول المغول، توارت الأسباب السياسية، وتصدرت "الخلافات المذهبية"، وراحت تتطور وتنتج أفكارا توسع الهوة بين الطرفين، في فهم الدين وعلاقته بالمصالح والعلاقات الحياتية، وحين نجحت ثورة آيات الله في إيران في عام 1979، وعاد الإمام الخوميني إلى طهران مكللا بالغار على سدة الحكم، عادت الأسباب السياسية تطل برأسها،وتبحث عن تصفية الحسابات القديمة، ومن هنا نبعت فكرة إيران في تصدير الثورة إلى العرب الجيران، ومغازلة المعتنقين منهم المذهب الشيعي، فالإمام قد ظهر، وظفر بالسلطة والفتوى في طهران، فأصبح لهم "سندا"، في رفع المظالم التي يشكون منها طوال تاريخهم، وحان وقت تعويضهم بمكانة ونفوذ وسطوة!.

لعبت إيران على وتر "مناهضة إسرائيل"، حتى تكسب تأييدا شعبيا بين العرب، فالشعوب يعنيها "إيقاف" العدو الإسرائيلي عند حده، خاصة بعد غزوه لبنان، وتعديه بضرب سوريا مرات، وجرائمه ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة والمسجد الأقصى!. وفعلا بات لإيران وجود بارز مؤثر في صناعة القرار بعدة دول العربية، تجسده "جماعات" مسلحة موالية لها، وقد وصل الإحساس الإيراني بالقوة أن صرح على يونسي مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني (2013-2021) في مارس 2015: "إيران اليوم إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليا". ثم فصل العبارة وهو يضحك مع مجموعة من الطلبة: "نعم توجد سيطرة إيرانية على أربع عواصم عربية، هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء".

شغل يونسي منصب وزير المخابرات الإيرانية في حكومة محمد خاتمي السابقة، أي كان يعرف ما يقول، وما يحدث في هذه الدول ويؤيد كلامه!. قامت الدنيا وقتها ولم تقعد، إذ طلب 21 برلمانيا إيرانيا إقالته فورا، لأن تصريحاته تشكل خطرا على الأمن القومي لإيران، وشجبت بغداد التصريحات رافضة أي تدخل في شئونها الداخلية، بينما صمتت لبنان واليمن وسوريا!. عموما، هذا التدخل الإيراني، دون أن نهمل دور الولايات المتحدة وإسرائيل، أدى إلى تفاقم الانقسامات داخل المجتمعات العربية وأسهم بدرجات مختلفة في إشعال حروب أهلية وفوضى سياسية وتمزيق النسيج الاجتماعي في اليمن وسوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية!.

والسؤال الآن: ما الذي يمكن أن يحدث في المستقبل في حالة توجيه أمريكا وإسرائيل ضربة قوية لإيران؟. العرب في حاجة إلى رؤية استراتيجية يجتمعون عليها ويتحركون على أساسها، لأن ضرب إيران يمكن أن ينتج تداعيات خطيرة على أمن المنطقة وسلامة دولها، خاصة الجيران المباشرين لها، فهل يفعلها العرب لو مرة دون أن ينتظروا حلولا تفرض عليهم؟.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن