يبدو العالم في سباقٍ مع الزمن غداة العملية العسكرية الأميركية "الخاطفة" في فنزويلا وتهديدات الرئيس دونالد ترامب لعددٍ من الدول، وعلى رأسها ايران، التي تشهد تظاهرات واسعة النطاق، ما لبثت أن بدأت شرارتها استنكارًا للأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد التي تنوء تحت ضغط العقوبات الأممية عليها، ولكنها توسعت وبدت كـ"كتلة" متدحرجة تنتقل من مكان إلى أخر، فيما رد النظام لا يزال دون التعاطي الجدي مع هذه التحركات وحصرها بمحاولات "بسيطة" لردع المتظاهرين وتطويق الاحتجاجات التي دخلت يومها التاسع في عدد من المدن.
وما زاد المشهد تعقيدًا هو دخول الرئيس ترامب على خط المواجهة، من خلال تكرار تهديداته لطهران بتوجيه "ضربة قاسية" في حال تورطت في دماء "المتظاهرين السلميين" ما يضفي بُعدًا إقليميًا على الأحداث الجارية هناك. وتدرك ايران أنها تواجه ضغوطًا إستثنائية داخلية وخارجية في آن معًا، ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما اتخاذ خيار مواجهة الاحتجاجات ما يؤدي إلى مزيد من الصدامات وتشديد القبضة الأمنية وبالتالي اتباع سياسة القمع عينها، وإما أن يحصل تدخل خارجي إسرائيلي - أميركي يسهم في حسم المشهد العام، من خلال محاولة فرض تغيير سياسي أو عسكري هدفه إسقاط النظام. وبين هذين الخيارين تتشابك الأمور بعدما وجدت اسرائيل أيضًا في ما يجري بالشارع المنتفض فرصة لإعلان تأييدها التحركات والاستثمار فيها، خاصة أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يُمني النفس بعملية عسكرية جديدة، وهو ما كان محل نقاش بينه وبين ترامب خلال اللقاء الاخير الذي جمع بينهما أواخر الشهر الماضي.
وكانت طهران ردت على التصريحات الأميركية واضعة إياها في إطار "الحرب النفسية والتهيئة الإعلامية". فيما اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "تكرار أي تجربة ثبت فشلها لن يؤدي إلا إلى الفشل مجددًا"، مؤكدًا أن حديث الرئيس الأميركي عن السلام "بلغة القوة" يعكس منطق "قانون الغاب"، ومحذرًا أيضًا من أن هذا النهج يقوض أسس النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. أما المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، فنوه بأن بلاده "لا تثق بتصريحات إسرائيل وأن خداعها مثبت بالنسبة لطهران"، مشددًا على أن "القوات المسلحة الإيرانية في حالة استعداد لمراقبة الحدود والدفاع عنها". هذا وكان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إنضم إلى الأصوات الداعية للتغيير في إيران معربًا عن أمله في أن يكون عام 2026 "عامًا مفصليًا"، واصفًا النظام الإيراني بأنه "أكبر داعم حكومي للإرهاب في العالم". ويأتي هذا السجال في وقت تتهم فيه تل أبيب طهران بإعادة بناء ترسانتها الصاروخية بعد حرب الـ12 يومًا وسط تحذيراتها المتواصلة من انعكاسات ذلك.
هذه المعطيات الاخيرة تحتم على الحكومة الايرانية اتباع سياسة معالجة مختلفة ومقاربة أكثر واقعية، ولكنها تعاني من اختلاف حاد في وجهات النظر بين من يريد "الاستماع أكثر إلى نبض الشارع"، وبين من يدعو إلى قمعه بكافة الأساليب الممكنة. وضمن السياق نفسه، قالت جماعات حقوقية إن 17 شخصًا قُتلوا خلال أسبوع واحد، فيما أعلنت السلطات مقتل عنصرين من قوات الأمن وإصابة أكثر من عشرة آخرين، في تعتيم مستمر لحقيقة الخسائر البشرية وحملة الاعتقالات الآخذة بالارتفاع. وعليه، فإن الأوضاع مرشحة لمزيد من التفاقم إن لم يتم اتخاذ خطوات جريئة وصارمة لايجاد حلحلة ما ترضي المتظاهرين والشعب "الغاضب"، خصوصًا أن المعالجات الحالية لا تزال دون المستوى المطلوب وإن أعلنت الحكومة بعض "التقديمات" ومنها بأنها ستمنح، اعتبارًا من الشهر الحالي، مساعدة شهرية بقيمة 10 ملايين ريال للفرد على شكل رصيد إلكتروني مخصص للمواد الغذائية. وهذه الخطوة وصفت من قبل المحللين بأنها "جيدة" ولكنها لا تسهم في الحدّ من التدهور الحاصل اجتماعيًا ومعيشيًا في البلاد.
وما تعيشه طهران داخليًا تتفاقم تداعياته وسط التغيرات الكبيرة الحاصلة في الاقليم والمنطقة، لاسيما بعد العملية الاميركية في فنزويلا وإلقاء القبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، وقد ظهرا أمس خلال توجهما إلى المحكمة الفدرالية بنيويورك، حيث جرت أولى جلسات المحاكمة القضائية في حدث تاريخي بكل المقاييس. ونقلت وكالة "رويترز" أن مادورو دافع عن نفسه أمام المحكمة في قضية تهريب المخدرات والإرهاب. في وقت أشارت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الرئيس الفنزويلي قال بنبرة واضحة للقاضي "أنا بريء ولست مذنبًا بأي شيء مما تم ذكره في المحكمة". وفي خطوة تشير إلى أنه يستعد لمعركة طويلة الأمد، أكدت الوكالة ذاتها بأن مادورو استعان بخدمات المحامي الشرس "باري جيه بولاك" الذي عُرف عالميًا بتأمينه إطلاق سراح مؤسس موقع "ويكيليكس" جوليان أسانج. يُشار إلى أن قاضي المحكمة الفدرالية قد حدد تاريخ 17 من آذار/مارس المقبل موعدًا للجلسة القادمة، أي بعد 3 أشهر، وهو الأمر الذي يشير إلى أن المحاكمة قد تطول ولن تكون سريعة أو سهلة.
وبإنتظار ما ستؤول إليه جلسات المحاكمة، أدت ديلسي رودريغيز - نائبة الرئيس الفنزويلي - اليمين الدستورية رئيسة للبلاد بالوكالة، حيث يقع على عاتقها الكثير من المهام الصعبة وأولها تحديد كيفية التعاطي مع الإدارة الأميركية من جهة والحفاظ على ثروات البلاد الطبيعية، خاصة أن ترامب لا يُخفي نواياه في قيادة المرحلة الانتقالية أو طموحاته في استغلال موارد النفط الهائلة بفنزويلا. ومطامع واشنطن لا تقف عند حدود كراكاس، بل يزداد السجال مع كولومبيا ما دفع رئيسها غوستافو بيترو إلى التعهد بـ"حمل السلاح مجددًا" دفاعًا عن بلده، في حين جددت رئيسة وزراء الدانمارك ميتي فريدريكسن رفضها لتهديدات الرئيس الأميركي بشأن غرينلاند، محذرة من أن "كل شيء سينتهي" إذا ما شنّت الولايات المتحدة هجومًا على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). أما رئيس وزراء غرينلاند فريدريك نيلسن فقال، من جهته، إنهم يحاولون فتح قناة تواصل مباشر مع واشنطن، وأكد أنه "لا يمكن مقارنة غرينلاند بفنزويلا فنحن مجتمع ديمقراطي". وأضاف "نحن منفتحون على الحوار. نحن منفتحون على المناقشات، لكن يجب أن يكون ذلك عبر القنوات الصحيحة وبما يتوافق مع القانون الدولي".
في الأثناء، لا تبدو إدارة ترامب في وارد التراجع عن مخططاتها خاصة أن الأخير يُبشر بـ"السلام" على طريقته ووفق مصالح البيت الأبيض، ومن هنا يمكن فهم طبيعة الخطة التي تم الاتفاق عليها لوقف الحرب في غزة، والتي لم يتم تطبيقها بل خالفتها اسرائيل مرارًا وتكرارًا أمام أعين واشنطن التي تريد لهذه الهدنة الهشة أن تستمر في وقت تزيد من ضغوطها على حركة "حماس" من أجل نزع سلاحها. وتعيش غزة واقعًا إنسانيًا صعبًا بسبب استمرار التحكم بالمعابر كما بمنع الاحتلال من إدخال الوقود كما مستلزمات الحياة اليومية، وأهمها الخيم والمواد الطبية ما يزيد من معاناة السكان. وعلى الرغم من الجهود المضنية للوسطاء للدفع نحو تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق المُبرم، إلا أن عراقيل عديدة تزيد من غموض الرؤية حول "اليوم التالي" وإعادة الإعمار كما تشكيل القوة الدولية التي تواجه تعقيدات بسبب رفض العديد من الدول المشاركة ضمن قواتها لغياب الضمانات الحقيقية واستمرار الاحتلال في خروقاته والتي أدت أمس، الاثنين، إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى في غارة جوية على خيمة تؤوي نازحين في منطقة المواصي في خان يونس جنوب قطاع غزة.
وهذه الخروقات والانتهاكات اليومية في غزة تحدث في لبنان أيضًا الذي كان أمس مسرحًا للإنذارات الاسرائيلية بوجوب إخلاء 4 قرى تمهيدًا لضرب أهداف تابعة لـ"حزب الله" وحركة "حماس" حسب ادعاء إسرائيل. ونفذ العدو تهديداته واستهدف جنوب البلاد وشرقها، إذ تعرّضت قرى عين التينة والمنارة وأنان وكفرحتى لضربات مكثفة، ولاحقًا جدّد الجيش الإحتلال ضرباته لمناطق جنوبية، فاستهدف المنطقة الواقعة بين الصرفند والسكسكية في قضاء صيدا بخمس غارات، من دون سابق إنذار. في غضون ذلك، أكد مصدر حكومي سوري، أمس الاثنين، انطلاق جولة مفاوضات جديدة مع إسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، تركز على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. بدورها، نقلت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مصدر مطلّع أن إسرائيل دفعت بفريق تفاوضي جديد، لإجراء مباحثات مع سوريا في باريس.
وسبق للجولات الخمس الماضية أن فشلت في التوصل لاتفاق خاصة أن دمشق تصر على انسحاب تل أبيب من جميع المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق. ولهذا لا يُعول كثر على النتائج المرتقبة لأنها لا تصب في صالح نتنياهو ومحاولته الاحتفاظ بما استولى عليه ولاسيما قمة "جبل الشيخ" الاستراتيجية. ولكن الأخير يبدو مدفوعًا برغبة أميركية عارمة لتسوية الأوضاع بين الجانبين، في وقت لا يزال الموضوع الأخر المتعلق بـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) متعثرًا أيضًا، إذ خرجت اللقاءات الاخيرة بالاتفاق على مواصلة الاجتماعات دون تحقق "نتائج ملموسة"، بحسب قناة الإخبارية السورية. ميدانيًا، أفادت وزارة الدفاع السورية أن 3 جنود من الجيش السوري أصيبوا جراء استهداف (قسد) بطائرات مسيّرة حاجزًا للشرطة العسكرية في محيط بلدة دير حافر بريف حلب الشرقي. تزامنًا، نفى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نورالدين البابا ما ترّدد من أنباء عن استهداف الرئيس السوري أحمد الشرع وشخصيات قيادية وكذّب تلك المعلومات المضللة، فيما لم تُعلق (قسد) على أنباء إصابة قائدها مظلوم عبدي جراء استهدافه بعبوة ناسفة في مدينة القامشلي.
في الشؤون العربية الأخرى، قالت وكالة الأنباء اليمنية إن السلطة المحلية في محافظة المهرة أكدت نجاح عملية تسلم قوات "درع الوطن" كل المعسكرات، في حين أعلنت وكالة "رويترز" أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي سيترأس وفدًا إلى الرياض. وستأتي الزيارة بعد أيام من ترحيب المجلس الانتقالي الجنوبي بدعوة السعودية للحوار لإنهاء تصعيد عسكري في الآونة الأخيرة تسبب في "سجال كلامي حاد" بين السعودية والإمارات. أما في السودان، فقد قُتل عشرة أشخاص بينهم سبعة أطفال في مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في جنوب البلاد، وفق ما أفاد مصدر طبي لـ"وكالة الصحافة الفرنسية". وأسفرت الحرب الدائرة في السودان منذ نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش و"قوات الدعم السريع" عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين، وتسببت بجوع ونزوح، في أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها "الأسوأ في العالم".
المستجدات المحلية والإقليمية كانت محل اهتمام عناوين وتحليلات الصحف العربية الصادرة اليوم. وهنا أبرز ما تم التطرق إليه:
اعتبرت صحيفة "الوطن" القطرية أن "اعتقال مادورو، إن استقر كواقعة وسابقة، قد لا يكون مجرد حدث سياسي. بل قد يكون إعلانًا غير مكتوب بأن النظام القانوني الدولي دخل مرحلة "القاعدة المشروطة": القاعدة تعمل حين لا تعارض ميزان القوى، وتتبدّل حين تعارضه. وهذا أخطر من مصير شخص (مع أهمية الشخص وما يمثل)؛ لأنه يمس مستقبل السيادة، ومصداقية العدالة، وحدود القوة حين ترتدي عباءة القانون"، مشددة على أنه "وعندما يُربط إنفاذ القاعدة بميزان القوة، يفقد القانون دوره كإطار ناظم، ويتحوّل إلى أداة تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند التعارض. وعندها لا يعود الخطر في الفعل ذاته، بل في ما يؤسّسه كنموذج قابل للتكرار في النظام الدولي".
أما صحيفة "الجريدة" الكويتية، فرأت أن "لبنان يترقب تداعيات ما جرى في فنزويلا، في ظل قناعة لدى الكثيرين بوجود انعكاس مباشر على إيران ولبنان والمنطقة، في إطار ما يعتبره مراقبون سباقًا بين صفقة كبرى أو حرب كبرى في الشرق الأوسط". وأضافت "يحاول لبنان الذي يجد نفسه في قلب هذا الصراع تحييد نفسه عن أي مواجهة إسرائيلية- إيرانية، وذلك من خلال البحث عن تسوية داخلية تتوافق مع الشروط الدولية لإقناع "حزب الله" بترك سلاحه وقطع ارتباطه العضوي بإيران.
الحدث اليمني تناولته صحيفة "عكاظ" السعودية، التي أشارت إلى أن "اليمنيين هم من يقرّر مصير اليمن ولا أحد يتدخل في خياراتهم، وقد يكون مؤتمر الرياض للأشقاء اليمنيين فرصة ذهبية في هذه المرحلة التاريخية التي توقفت فيها مفاعيل القرارات الأممية وانتهى فيها دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية"، مؤكدة أن البلاد "تعيش على مفترق طرق خطرة، ما يتطلب درجة عالية من اليقظة والحذر من المشروع الاستعماري في المنطقة، الذي يقوم على تجزئة وتقسيم الدول العربية، وتهجير الشعب الفلسطيني إلى الدول المجزأة المنتظرة، واليمن أحد مستهدفات المشروع الاستعماري حسب المعطيات المتوفرة".
وتحت عنوان "متى تتحرك الصين وروسيا للمساعدة"، قالت صحيفة "الشروق" المصرية "الصين منشغلة بالتفوق الاقتصادي وضمان استمرار صادراتها وحسم ريادتها التكنولوجية، وروسيا تريد حسم المعركة في أوكرانيا والحصول على مكاسب استراتيجية في أوروبا، وبالتالي لن يتدخلا أبدا من أجل خاطر حكومات عربية أو لاتينية". وختمت " إن أمريكا تتمتع بتفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي كاسح ولا تريد الدولتان أن تدخلا فى معارك معها الآن. ومن أجل كل ذلك علينا كعرب وعالم ثالث أن نفيق من الأوهام ونعرف أنك إذا لم تكن قويًا فى هذه الغابة فإنك مأكول لا محالة!"،على حدّ تعبيرها.
(رصد "عروبة 22")

