في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين واشنطن وطهران، كان لبنان أمس على موعد مع أولى نتائج هذا الصراع المُحتدم منذ أسابيع طويلة وتجلى ذلك من خلال إصدار وزارة الخارجية الأميركية تحديثًا لتحذير السفر إلى لبنان، مبقيةً تصنيفه عند "المستوى الرابع" بسبب ما أسمته "مخاطر الجريمة، والإرهاب، والاضطرابات الأهليّة، والخطف، والألغام غير المنفجرة، واحتمال اندلاع نزاعٍ مسلّح". وأتى ذلك بعد ساعات من إجلاء عدد من موظفي السفارة الأميركية في بيروت غير المعنيين بالطوارئ وأفراد أسرهم مما يزيد المخاوف من إحتمال "توريط" لبنان وتحويله مجددًا إلى ساحة لتبادل الرسائل في ذروة الخلافات والحديث عن إمكانية اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وايران مع استمرار الحشود العسكرية الضخمة في المنطقة.
وسيكون "حزب الله" في الأيام القليلة المقبلة تحت المجهر، خصوصًا أنه سبق وتوعّد بدعم النظام الإيراني ومساندته مؤكدًا الاصطفاف إلى جانبه على الرغم مما تمرّ به البلاد من تصعيد اسرائيلي في العمليات والغارات التي تمتد على طول لبنان وتخلّف وراءها ضحايا وجرحى وخرابًا كبيرًا في الممتلكات والأبنية. ومع ذلك يحاول الجانب الرسمي تحييد لبنان وعدم توريطه في "حروب الآخرين" التي لم تجلب له سوى الويلات والدمار، خصوصًا أن عملية اعادة الاعمار لا تزال تواجهها عراقيل كبيرة وتحتاج إلى "هدنة" حقيقية من أجل المباشرة ميدانيًا وهو ما ترفضه تل أبيب حتى اللحظة مستهدفة أي فرصة لعودة شرايين الحياة إلى المناطق، وتحديدًا الجنوبية منها. وفي أحدث مواقفه شنّ الأمين العام للحزب نعيم قاسم هجومًا لاذعًا على واشنطن، إذ اعتبر أن "الحرب العدوانية على لبنان هي حرب أميركية بواسطة الإجرام الإسرائيلي"، موضحًا أن ذلك "قد برز من خلال التملص من الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وإدارة استمرار العدوان الإسرائيلي، مع الضغط السياسي على الدولة اللبنانية في رسم خطواتها السياسية، والعمل لنزع سلاح المقاومة، تمهيدًا لإنهائها". وتابع: "شعار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، "السلام بالقوة" يعني الاستعمار، والسيطرة على البلدان بالقوة".
هذه المستجدات تضع لبنان في "عين العاصفة" وتنذر بالأسوأ في حال غياب التوافق الداخلي وقدرة الدولة على لجم "مغامرات" الحزب، خصوصًا انها تخوض معركة "حصر السلاح" بيد الدولة. وفي هذا السيّاق، يشارك قائد الجيش اللبناني العماد رودلف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله في اجتماع يُعقد اليوم، الثلاثاء، في القاهرة وذلك ضمن التحضيرات الجارية لاستضافة مؤتمر دعم الجيش في 5 آذار/مارس المقبل. ويهدف الاجتماع إلى تحديد أولويات الدعم العسكري والأمني، سواء في ما يتعلق بالعتاد والتجهيزات، أو التدريب، أو المساعدات اللوجيستية والمالية، في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي ترخي بثقلها على المؤسستين العسكرية والأمنية منذ عام 2019. وتعول الدولة على نجاح هذا المؤتمر رغم ما يحيطه من معوقات في وقت تراقب تل أبيب ما يجري على الساحة اللبنانية ضمن محاولتها المستمرة لرسم توزانات جديدة أولًا وممارسة المزيد من الضغوط، خاصة أنها تتهم "حزب الله" بإعادة بناء قدراته العسكرية. وأفادت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن عملية إعادة البناء تتم عبر عدة محاور، بينها محاولة استعادة مسارات التهريب من إيران إلى لبنان، والعمل على إنشاء صناعة محلية لتجميع الصواريخ، إضافةً إلى التعاون مع تنظيمات أخرى وصفت بأنّها أذرعٌ له في لبنان ومناطق مختلفة.
ويستخدم الاحتلال هذه الحجج من أجل تبرير انتهاكاته لإتفاق وقف النار، بينما يربط الساحة اللبنانية بما يجري في الإقليم، وخاصة بظل التهديدات المستمرة للنظام الإيراني والحديث المتزايد عن توجيه ضربات "في العمق" وصولًا لتغيير النظام. ولكن في "فورة" تلك الأحداث كان لافتًا ما كشفت عنه صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، نقلًا عن مصادر مطلعة، ومفاده بأن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني قاد تحركًا داخليًا داخل النظام لمحاولة إبعاد المرشد علي خامنئي عن إدارة الأزمة، وذلك حين كانت الاحتجاجات الشعبية في ذروتها. وبحسب المصادر نفسها، فقد عقد روحاني اجتماعًا ضم أعضاء من حكومته السابقة، بينهم وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، إلى جانب رجال دين من قم وشخصيات من "الحرس الثوري"، بهدف سحب إدارة الملف الأمني والسياسي من المرشد. إلا ان هذه المحاولة باءت بالفشل، بعدما لم يحظَ التحرك بدعم أمين عام مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، الذي كان ممثلًا في الاجتماع، وانتهت إلى فرض الإقامة الجبرية على روحاني وظريف لعدة أيام.
في الأثناء، يُعتبر لاريجاني "رجل المرحلة" والشخص الأقرب إلى دوائر القرار بعد سنوات طوال قضاها في تنفيذ الأوامر والسياسات المتبعة، حتى أن صحيفة "نيويورك تايمز" كشفت أن الأخير تم تكليفه من قبل المرشد نفسه لإدارة شؤون البلاد في ظل الاحتجاجات وتصاعد احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إمكانية اغتيال القيادة وعلى رأسهم خامنئي. وتضع ايران خططًا مستقبلية في محاولة للحفاظ على تماسكها داخليًا وعدم إنفراط عقد الحكم، على الرغم من أن حملات القمع والاعتقال لم توقف الإيرانيين عن الاستمرار في التعبير عن سخطهم وغضبهم. فلليوم الثالث على التوالي، تواصلت الاحتجاجات في عدة جامعات إيرانية مع استئناف الدراسة بعد تعليق دام شهرًا في أعقاب التظاهرات الدامية التي اندلعت مطلع الشهر الماضي. ويطالب الشعب الايراني بتحسين ظروفه الاقتصادية والمعيشية المتردية والتخفيف من حدّة القبضة الأمنية التي تخنق البلاد فيما تستمر على المقلب الآخر محاولات "ضخ الحياة" بجولات المفاوضات التي تُعقد بين واشنطن وطهران برعاية عُمانية. وأمس نفى الرئيس ترامب ما أسماه "الأخبار المضللة" التي انتشرت في وسائل الإعلام، و"تدّعي أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يعارض دخولنا في حرب مع إيران وهي أخبار لا تُنسب إلى أي جهة وهي محض افتراء"، مضيفًا أن الأخير "لا يرغب في الحرب لكنه يرى إنه إذا تم اتخاذ قرار بالمواجهة عسكريًا فسيكون النصر حليفًا سهلًا وهو على دراية تامة بإيران وكان مسؤولًا عن عملية "مطرقة منتصف الليل" والهجوم على البرنامج النووي الإيراني".
وشدّد ترامب على أنه الوحيد الذي يتخذ القرار حاليًا، نافيًا ما يتم كتابته من تقارير صحافية عن حرب مع ايران. وقال "أُفضّل التوصل إلى اتفاق على عدم التوصل إليه، ولكن إذا لم نتوصل، فسيكون يومًا سيئًا للغاية بالنسبة لذلك البلد، وللأسف الشديد، بالنسبة لشعبه، لأنهم عظماء ورائعون، وما كان ينبغي أن يحدث لهم شيء كهذا أبدًا". وتتزايد الضغوط المفروضة على ايران، التي تعيش أيامًا في غاية الصعوبة، ولكنها مع ذلك تفضل اعتماد سياسة "المكابرة" "وعدم الاستسلام" مع الإبقاء على خطوط الحوار والدبلوماسية. وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن من وصفهم بالأعداء "قد يتمكنون من بدء حرب ضدنا لكنهم لن يحددوا نهايتها، وإن آثارها لن تنحصر بطرفي الحرب"، وأضاف "نحن لا نبادر بالاعتداء على الدول الأخرى، لكننا نحسن الدفاع عن وطننا بحزم". أما، من جهته، فقد لفت المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى أن بلاده "يمكنها أن تقبل باتفاق يضمن حقوقها، ويتضمن الملف النووي، ورفع العقوبات"، منبهًا أن إيران سترّد على جميع الهجمات في حال نشوب حرب محتملة، قائلاً "الاستسلام ليس من شيم الإيرانيين"، وإنهم لم يقوموا بذلك على مرّ التاريخ.
في موازاة ذلك، دعا الاتحاد الأوروبي إلى حل دبلوماسي، وقالت مسؤولة الشؤون الخارجية كايا كالاس "لا نحتاج إلى حرب أخرى في هذه المنطقة، لدينا في الأساس الكثير من الحروب". وحاليًا ستكون الأنظار شاخصة نحو إمكانية انعقاد الجولة الثالثة من المفاوضات في جنيف، التي يُنظر اليها على انها ستكون "حاسمة". ومع تزايد بوادر الحرب، تراقب تل أبيب المستجدات، خاصة ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى لفشل المفاوضات وتوجيه ضربات لإضعاف طهران. وفي كلمة مقتضبة أمام البرلمان، قال الأخير إن بلاده تواجه "أيامًا مُعقدة ومليئة بالتحديات"، مضيفًا "نبقي أعيننا مفتوحة ونحن مستعدون لأي سيناريو". وتجري محادثات مكثفة ومحاولات جادة على عدة مستويات من أجل خفض منسوب التوتر، وتضطلع القاهرة بدور رئيسي، حتى أن وزير خارجيتها بدر عبدالعاطي قام باتصالات مكثفة على مدار اليومين الماضيين، بحسب بيان وازرة الخارجية المصرية، التي شددت على أنه "لا توجد حلول عسكرية لمختلف الأزمات والتحديات التي تواجه المنطقة، وأن المخرج الوحيد لضمان أمن واستقرار الإقليم يكمن في المسارات السياسية والدبلوماسية، وتجنيب الانزلاق نحو حالة من انعدام الأمن والاستقرار".
وتعي القاهرة مخططات اسرائيل ومحاولاتها المستميتة لإبقاء التوتر في المنطقة، خاصة أن الأوضاع في غزة أيضًا لا تسير وفق الاتفاق المُبرم ولم تشهد تطبيقًا جديًا لبنود خطة الرئيس ترامب. وفي آخر التفاصيل، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن إسرائيل ستعطي حركة "حماس" إنذارًا نهائيًا قريبًا من "أجل خروج قادتها من القطاع وتسليم السلاح والمقار والأنفاق"، وقال: "إن لم تفعل "حماس" ذلك، فسنحصل على الشرعية للتحرّك بأنفسنا". كما هدّد بإعادة احتلال القطاع مع "وجود خيارين أو ثلاثة يتم دراستهم لتحديد الأفضل". ويرّوج الاحتلال لبند واحد وهو السلاح دون الالتزام بتطبيق الهدنة الهشة التي تشهد خروقات يومية مع اعتماد مبدأ "الأرض المحروقة" والاستمرار بهدم ما تبقى من المباني مع إعدام أي فرصة لإعادة الإعمار. تزامنًا، يواصل العدو الاسرائيلي ممارساته الوحشية في الضفة الغربية، حيث أفيد أمس عن إحراق المستوطنين مسجدًا في نابلس شمال الضفة مع تصاعد حملة الاعتقالات والمداهمات، والتي ازدادت وتيرتها خلال شهر رمضان.
ومن الأوضاع الفلسطينية إلى المشهد السوري الذي يشهد تحذيرات مضاعفة من إمكانية شنّ تنظيم "داعش" المزيد من الهجمات الإرهابية في الفترة المقبلة. فخلال الأيام الماضية، نفذ التنظيم عدة عمليات كانت القوات الرسمية السورية هدفًا له، وقُتل أمس، الاثنين، جندي سوري و4 من أفراد الأمن الداخلي بهجمات جديدة استهدفت مدينة الميادين شرق دير الزور وحاجز السباهية في الرقة شمال شرقي البلاد. ويأتي هذا الهجوم بعدما حث تنظيم الدولة مسلَّحيه على قتال الحكومة السورية، وذلك في رسالة صوتية منسوبة إلى المتحدث باسمه بُثت السبت الماضي عبر الإنترنت، وهي الأولى له منذ عامين.
وتلقي هذه التطورات بثقلها ليست فقط على سوريا بل أيضًا في العراق بعدما تم نقل عناصر من التنظيم إلى السجون لإعادة محاكمتهم. وتشهد بغداد أوضاعًا دقيقة، خاصة أن هذه الملفات تتشابك مع الأزمة السياسية المستفحلة في البلاد بعدما أعلن رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي تمسكه بالترشح لرئاسة مجلس الوزراء على الرغم من "الفيتو الاميركي". في المقابل أبلغ المبعوث توم برّاك رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ضرورة وجود قيادة عرقية تسعى لتحقيق السلام بالتماشي مع خطط الرئيس دونالد ترامب.
وضمن فقرة الصحف اليومية الصادرة في العالم العربي، إليكم أبرز ما تناولته من مواضيع وعناوين:
رأت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "ورغم الغضب الذي انتاب عواصم حلفاء واشنطن في المنطقة، والبيانات المنددة بادعاءات (السفير الأميركي لدى اسرائيل مايك) هاكابي الفارغة، لم يكلف البيت الأبيض خاطره بتعليق يجبر خاطر الدولة الحليفة، كما لم يصدر أي تصريح من قبل وزارة الخارجية الأميركية ينفي فيه أن يكون ما صرح به سفيرها يمثل الموقف الرسمي للإدارة الأميركية"، مشيرة إلى أن "اكتفاء هذه الدول ببيانات التنديد، لن يثير اهتمام ترامب. ينبغي توجيه رسالة أكثر وضوحًا لتذكيره بأنهم حلفاء يستحقون معاملة أفضل. بخلاف ذلك ستغدو هرطقات هاكابي خطابًا عامًا في أميركا مع مرور الوقت".
أما صحيفة "الخليج" الإماراتية، فلفتت إلى أنه "في السباق بين الدبلوماسية والحرب، يبدو أنه تم الاتفاق على إعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة قد تكون الأخيرة، فإذا تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة في الجولة الثالثة التي تعقد في جنيف، تكون صفحة الحرب قد طويت، وفي حال الفشل فإن الرئيس ترامب الذي حشد قوات بحرية وجوية هائلة لن يتوانى عن شنّ الحرب المدمرة التي وعد بها"، مشددة على أن "المعركة الأساسية" تدور في عقل ترامب الذي يقوم بعملية موازنة بين الخسائر والأرباح، بين كلفة الحرب ومكاسب الاتفاق، وهو ما ستحسمه الجولة الثالثة المقبلة في جنيف، على حدّ تعبيرها.
بدورها، نوهت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "الرؤية المصرية ترتكز على أهمية تحقيق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط وإدارة الخلافات والنزاعات عبر الحوار والدبلوماسية والتفاوض لأن تكلفة الحروب أكبر بكثير من تكلفة الدبلوماسية"، موضحة أن "مصر تسعى لمنع التصعيد المحتمل بين أمريكا وإيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني، حيث تلوح في الأفق نذر حرب مع استمرار الحشد العسكري المتزايد. فلاشك أن حل القضايا العالقة والخلافية بشأن البرنامج النووي الإيراني ينبغي أن يكون عبر الحوار والدبوماسية في سياق منع الانتشار النووي في المنطقة والعالم".
في السياق عينه، أكدت صحيفة "الصباح" العراقية أن "المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأميركا تحمل رغبةً إيرانيةً بتجاوز الحرب، تقابلها رغبة أميركية بالضغط الإعلامي وحشد القوات في عرض البحر؛ وصولاً ليس لاتفاق يرضي الطرفين، بل لقبول طهران بما تفرضه واشنطن ومن خلفها تل أبيب حول عدة ملفات، في مقدمتها الملف النووي والصواريخ الباليستية وأذرع إيران في المنطقة". وأضافت "تدرك إيران جيدًا أن الحرب إن وقعت ستكون حرب طائرات وصواريخ، وليست حرب إسقاط نظام واحتلال بلد كما حصل للعراق عام 2003، وبالتالي قوة الردع الإيرانية متوفرة وإمكانية توسعة رقعة الحرب لدول المنطقة قائمة في ظل وجود أهداف أميركية فيها. لهذا نجد أن قرار الحرب الذي يلوح به الرئيس ترامب من شأنه أن يُحرق المنطقة، وفي مقدمتها مصالح واشنطن قبل غيرها"، وفق وصفها.
(رصد "عروبة 22")

