في فَوْرَةِ تِلْكَ الأَحْداث، وَخاصَّةً خِلالَ الأَشْهُرِ الأولى التي تَلَتْها، وَبِدَرَجَةِ السِّنينَ المَوالِيَة، كَشَفَ العَديدُ مِنَ الرُّموزِ الفِكْرِيَّةِ والدّينِيَّةِ عَنْ مَواقِفَ سِياسِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ تُرَوَّجُها قَبْلَ 2011، وَمِنْ بَيْنِ الأَمْثِلَةِ في هَذا الصَّدَد، الأَسْماءُ الإِسْلامِيَّةُ التي أَعْلَنَتْ مِنْ قَبْلُ عَنْ انْخِراطِها في مُراجَعات، سَواءٌ تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِأَسْماءٍ قادِمَةٍ مِنَ المَرْجِعِيَّةِ السَّلَفِيَّة (عِلْمِيَّةً كانَتْ أَوْ "جِهادِيَّة")، أَوِ الأَسْماءِ القادِمَةِ مِنَ المَرْجِعِيَّةِ "الإِخْوانِيَّة".
لَيْسَ مَوْضوعُنا هُنا التَّذْكيرَ بِالحَقِّ في الرَّأْي، فَهَذا تَحْصيلُ حَاصِل، لِأَنَّهُ إِذا الحَقُّ في الاعْتِقادِ أَصْلٌ مِنْ أُصولِ التَّفْكير، فَمِنْ بابِ أَوْلى أَنْ يَكونَ كَذَلِكَ مَعَ الحَقِّ في إِبْداءِ الرَّأْي، وَبِالتّالي، النّاسُ أَحْرارٌ في اعْتِناقِ خِطابٍ إيدْيولوجِيٍّ ما، كانْ يَكونَ اشْتِراكِيًّا أَوْ إِسْلامِيًّا حَرَكِيًّا أَوْ مادِّيًّا أَوْ قَوْمِيًّا أَوْ ليبيرالِيًّا... إِلخ، بِقَدْرِ ما يَهُمُّنا قِراءَةُ تَفاعُلِ تَيّارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المَرْجِعِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الحَرَكِيَّة، زَعَمَ أَنَّهُ كانَ يَنْهَلُ مِنْ تِلْكَ المَرْجِعِيَّةِ وانْخَرَطَ في مُراجَعات، إلى أَنْ جاءَتْ أَحْداثٌ عِدَّة، مِنْ قَبيلِ ما جَرى في حِقْبَةِ الفَوْضى الخَلّاقَةِ سالِفَةِ الذِّكْر، لِيَتِمَّ اخْتِبارُ طَبيعَةِ أَوْ قُلْ حَقيقَةِ تِلْكَ المُراجَعات.
وصل "الإسلاميون" إلى ما يُشبه الباب المسدود إقليميًا ودوليًا
ارْتَفَعَتْ وَتيرَةُ شَيْطَنَةِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَةِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ حِينَئِذٍ، مُوازاةً مَعَ وَتيرَةِ التَّرْويجِ لِخِطابِ "أَسْلَمَةِ الدَّوْلَة"، خاصَّةً بَعْدَ فَوْزِ أَحْزابٍ سِياسِيَّةٍ تَنْهَلُ مِمّا يُصْطَلَحُ عَلَيْهِ إيدْيولوجِيًّا بِـ"المَرْجِعِيَّةِ الإِسْلامِيَّة" في اسْتِحْقاقاتٍ انْتِخابِيَّة، رِئاسِيَّةٍ وَتَشْريعِيَّةٍ وَبَلَدِيَّةٍ وَغَيْرِها، بَلْ نَظَّمَ "حِزْبُ التَّحْرير" أَكْبَرَ مُؤْتَمَرٍ لَهُ في تونُسَ بِالذّاتِ التي كانَتْ تُواجِهُ الإسْلامِيّينَ بِمُقارَبَةٍ أَمْنِيَّةٍ كانَتْ توصَفُ بِالمُقارَبَةِ الاسْتِئْصالِيَّة، بِخِلافِ السّائِدِ مَعَ تَدْبيرِ أَغْلَبِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مِنْ قَبيلِ الحالَةِ المَغْرِبِيَّةِ أَوِ المِصْرِيَّةِ أَوِ الخَليجِيَّة.
جاءَتْ بَعْدَها أَحْداثُ يونْيو/حَزِيرانَ 2013، أَيْ انْتِقالُ الحالَةِ المِصْرِيَّةِ مِنْ ثَوْرَةٍ إلى أُخْرى، مَعَ إِزاحَةِ حِزْبٍ سِياسِيٍّ "إِسْلاميِّ المَرْجِعِيَّة"، مُوازاةً مَعَ ما جَرى في الحالَةِ التّونُسِيَّةِ لاحِقًا ضِمْنَ أَمْثِلَةٍ أُخْرى، لِيَتِمَّ تَرْويجُ شِعارِ أَوْ خِطابِ "الثَّوْرَةِ المُضادَّة"، وانْخِراطُ نِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَتْباعِ هَذِهِ التَّيّاراتِ في شَيْطَنَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المَعْنِيَّة، مَعَ تَجْديدِ التَّأْكيدِ أَنَّ سِياقاتِ تَدْبيرِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ إِجْمالًا لِلظّاهِرَةِ الإِسْلامِيَّةِ الحَرَكِيَّة، لَيْسَتْ نَمَطِيَّةً أَوْ مُوَحَّدَة، لِأَنَّهُ شَتّانَ ما بَيْنَ النَّماذِج، حَتّى إِنَّنا نَجِدُ على سَبيلِ المِثالِ مَعَ النَّموذَجِ المَغْرِبِيّ، هُناكَ فَوارِقَ كَبيرَةً في مُواجَهَةِ الإِسْلامِيّينَ "الجِهادِيِّين"، على قِلَّتِهِم، وَمُواجَهَةِ الإِسْلامِيّينَ السِّياسِيّين، المُعْتَرَفِ بِهِمْ رَسْمِيًّا أَوْ غَيْرِ المُعْتَرَفِ بِهِم.
كانَ يُفْتَرَضُ في خِطابِ "الإِسْلامِيّين"، إِعادَةُ النَّظَرِ في عُدَّتِهِمُ النَّظَرِيَّة، أَخْذًا بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ أَنَّهُمْ وَصَلوا إلى ما يُشْبِهُ البابَ المَسْدودَ إِقْلِيمِيًّا وَدَوْلِيًّا: تَراجُعٌ في الشَّعْبِيَّةِ لَدَى الرَّأْيِ العامِّ العَرَبِيّ، وَتَراجُعٌ تَنْظيمِيٌّ وَسِياسِيٌّ بِناءً على نَتائِجِ تِلْكَ الاسْتِحْقاقاتِ الانْتِخابِيَّة، على غِرارِ المُراجَعاتِ التي جَرَتْ مَعَ التَّيّارِ العَرَبيِّ القَوْميّ (كِتابُ "نَقْدِ الخِطابِ القَوْميّ" لِعَبْدِ الإِلَهِ بَلْقَزِيز نَموذَجًا، والصّادِرُ قُبَيْلَ انْدِلاعِ أَحْداثِ 2011).
جاءَتْ أَحْداثُ 7 أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّل، وانْتَظَرَ الرَّأْيُ العامُّ العَرَبِيُّ وَمَعَهُ صُنّاعُ القَرارِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، تَفاعُلَ إيدْيولوجِيّاتِ السّاحَة، وَمِنْها الإيدْيولوجِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ الحَرَكِيَّة، وَهُوَ التَّفاعُلُ الذي كانَ أَيْضًا اخْتِبارًا بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ لِخِطابِ "المُراجَعات" الصَّادِرِ عَنْ أَغْلَبِ إِسْلامِيّي السّاحة.
لا تَهِمُّ هُنا مَضامينُ البَياناتِ والبَلاغاتِ الرَّسْمِيَّةِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ التَّيّاراتِ الدّينِيَّةِ بِقَدْرِ ما تَطَلَّبَ الأَمْرُ قِراءَةَ تَفاعُلاتِ الأَعْضاء، مِنْ قِياداتٍ وَأَتْباعٍ، مَعَ تَبِعاتِ تِلْكَ الأَحْداثِ في مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجْتِماعيِّ بِالتَّحْديد، لِاعْتِباراتٍ عِدَّة، أَهَمُّها ارْتِفاعُ مُؤَشِّرِ حُرِّيَّةِ التَّعْبيرِ في تِلْكَ المِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّةِ مُقارَنَةً بِمُؤَشِّرِ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ البَياناتِ والبَلاغات.
أمام صُنّاع القرار مشوار طويل من أجل سحب البساط عن الأسباب التي أوصلتنا إلى شيطنة الدولة العربية الحديثة
سَوْفَ نُعايِنُ عَوْدَةً لِخِطابِ التَّصْعيدِ مِنْ جِهَة، وَما يُشْبِهُ شَيْطَنَةَ أَنْظِمَةِ المِنْطَقَةِ مِنْ جِهَةٍ ثانِيَة، بَلْ إِنَّ بَعْضَ التَّفاعُلات، الصّادِرَةَ حَتّى عَنْ أَسْماءٍ بَحْثِيَّة، كانَتْ تَتَقاطَعُ مَعَ خِطابِ الإِسْلامِيّينَ المُتَشَدِّدين، هَذا مِنْ دونِ الحَديثِ عَنْ عَوْدَةِ مَجْموعَةٍ مِنَ الأَسْماءِ الإِسْلامِيَّةِ الحَرَكِيَّةِ التي كانَ الرَّأْيُ العامُّ يَعْتَقِدُ أَنَّها أَخَذَتْ مَسافَةً تَنْظيمِيَّةً مِنْ تِلْكَ التَّيّارات، أَوْ قَدَّمَتِ اسْتِقالَتَها وانْفَصَلَتْ بِشَكْلٍ نِهائِيٍّ، وَبِالتّالي، كانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَكونَ مَواقِفُها مُغايِرَةً مَعَ مَواقِفِ ذِكْرَياتِ الوَلاءِ التَّنْظيميِّ والإيدْيولوجِيّ، لَوْلا أَنَّ تَفاعُلَها لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفًا قَطُّ مَعَ تَفاعُلِ التَّيّاراتِ الإِسْلامِيَّةِ المَعْنِيَّة.
قَدْ يَعْتَرِضُ البَعْضُ بِالإِشارَةِ إلى أَنَّهُ في نِهايَةِ المَطاف، الظّاهِرَةُ في تَراجُعٍ تَنْظِيمِيّ، مُوازاةً مَعَ التَّراجُعِ في الِاسْتِحْقاقاتِ الانْتِخابِيَّة، إِضافَةً إلى تَراجُعِ شَعْبِيَّتِها لَدَى الرَّأْيِ العامّ، لَوْلا أَنَّهُ حَتَّى إِذا أَخَذْنا بِعَيْنِ الاعْتِبارِ التَّواضُعَ التَّنْظيمِيَّ لِلإِسْلامِيّين، إِلّا أَنَّ تَأْثيرَ خِطابِهِم، وَصَلَ إلى مِخْيالِ الرَّأْيِ العام، بِحَيْثُ أَصْبَحَتْ نِسْبَةٌ مِنْ هَذا الأَخير، تُفَكِّرُ وَتُدْلي بِمَواقِفَ أَقْرَبَ أَوْ تَتَماهى مَعَ خِطابِ تِلْكَ التَّيّارات، وَهِيَ غَيْرُ مُنْتَمِيَةٍ أَساسًا لِأَيِّ تَنْظيمٍ إِسْلامِيٍّ حَرَكِيّ.
مِشْوارٌ طَويلٌ أَمامَ صُنّاعِ القَرارِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ أَجْلِ سَحْبِ البِساطِ عَنِ الأَسْبابِ التي أَوْصَلَتْنا جَميعًا إلى مُعْضِلَةِ شَيْطَنَةِ الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّةِ الحَديثَة!.
(خاص "عروبة 22")

