تُشيرُ الدِّراساتُ الدَّوْلِيَّةُ المُعْتَبَرَة، بِما في ذَلِكَ التَّقاريرُ الصّادِرَةُ عَنْ "بَرْنامَجِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الإِنْمائِيِّ واللَّجْنَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ لِغَرْبِ آسِيا" (اِسْكوا)، إلى أَنَّ النِّزاعاتِ المُتَكَرِّرَةَ التي عَصَفَتْ بِلُبْنانَ مُنْذُ عامِ 2023 قَدْ خَلَقَتْ قَنَواتِ تَأْثيرٍ مُتَعَدِّدَةً وَمُعَقَّدَة، تَتَراوَحُ ما بَيْنَ التَّعْطيلِ الشّامِلِ لِلبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَفُقْدانِ الدَّخْلِ في قِطاعاتٍ إِنْتاجِيَّةٍ حَيَوِيَّة، مِما أَدّى في فَتراتٍ سابِقَةٍ إلى تَراجُعِ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ بِنَحْوِ 9% وارْتِفاعٍ مَخيفٍ في مُعَدَّلاتِ الفَقْر، وَهُوَ ما يَعْكِسُ هَشاشَةً أَساسِيَّةً تَجْعَلُ مِنْ أَيِّ تَصْعيدٍ حَديثٍ عامِلًا حاسِمًا في تَعْميقِ الِانْهِيارِ الشّامِل.
الصدمات العنيفة تترك وراءها آثارًا تراكمية مُدمّرة على بنية الاقتصاد الكلي
ناهيكَ عَنْ فاتورَةِ الخَسائِرِ في الأَرْواحِ والتي لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ وَلا يُمْكِنُ تَعْوِيضُها، يُؤَثِّرُ هَذا التَّصْعيدُ المُباشِرُ في النَّشاطِ الِاقْتِصادِيِّ اليَوْمِيِّ مِنْ خِلالِ تَعَطُّلِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ وَحَرَكَةِ التِّجارَةِ الدّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّة، وَتَجْميدِ النَّشاطِ في المَناطِقِ الأَكْثَرَ تَعَرُّضًا لِلقَصْفِ والتي تُمَثِّلُ مَراكِزَ ثِقْلٍ زِراعِيٍّ وَصِناعِيٍّ وَتِجارِيّ، وَهُوَ ما يُتَرْجَمُ فَوْرًا إلى انْخِفاضٍ حادٍّ في مُعَدَّلاتِ الإِنْتاجِ والخِدْمات، فَضْلًا عَنْ تَقَلُّصِ الإِيراداتِ السِّيادِيَّةِ والتِّجارِيَّةِ والسِّياحِيَّةِ التي تَعْتَمِدُ عَلَيْها الدَّوْلَةُ لِتَسْييرِ شُؤونِها. وَتُؤَكِّدُ التَّجارِبُ التّاريخِيَّةُ السّابِقَةُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصَّدْماتِ العَنيفَة، حَتّى وَإِنْ لَمْ يَطُل مَداها الزَّمَنِيّ، تَتْرُكُ وَراءَها آثارًا تَراكُمِيَّةً مُدَمِّرَةً على بُنْيَةِ الِاقْتِصادِ الكُلِّيّ، حَيْثُ تَتَراجَعُ الرَّغْبَةُ في الِاسْتِثْمار، وَيَتَّجِهُ المُسْتَثْمِرونَ المَحَلِّيّونَ والأَجانِبُ بِشَكْلٍ غَريزِيٍّ نَحْوَ التَّحَوُّطِ وَتَفْضيلِ السُّيولَةِ والهُروبِ بِالأَمْوالِ إلى الخارِج، وَهُوَ ما يُعَزِّزُ حالَةَ عَدَمِ اليَقينِ المالِيِّ وَيَزيدُ مِنَ الضَّغْطِ الخانِقِ على العُمُلَةِ المَحَلِّيَّة، مِمّا يُؤَدّي بِالضَّرورَةِ إلى ارْتِفاعٍ جُنونِيٍّ في أَسْعارِ السِّلَعِ الأَساسِيَّةِ وَتَدَهْوُرٍ حادٍّ في القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ لِلأُسَرِ التي باتَتْ تَعيشُ في ظِلِّ تَضَخُّمٍ مُفْرِطٍ لَزِج.
وَفي السِّياقِ ذاتِه، تُشيرُ تَقْديراتُ مُؤَسَّساتٍ مالِيَّةٍ دَوْلِيَّةٍ مَرْموقَةٍ مِثْلَ "مَعْهَدِ التَّمْويلِ الدَّوْلِيِّ" (IIF) إلى أَنَّ اسْتِمْرارَ التَّوَتُّرِ العَسْكَرِيِّ أَوْ تَكْرارَ العَمَلِيّاتِ العُدْوانِيَّةِ قَدْ يُقَلِّصُ النّاتِجَ المَحَلِّيَّ لِلُبْنانَ بِنِسْبَةٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 12% وَ16% خِلالَ العامِ الحالِيِّ 2026، مَعَ تَضاعُفِ الضُّغوطِ على سوقِ العَمَلِ وارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ البَطالَةِ إلى مُسْتَوَياتٍ غَيْرِ مَسْبوقَة. وَتَعْكِسُ تِلْكَ التَّوَقُّعاتُ التَّشاؤُمِيَّةُ اسْتِجابَةً طَبيعِيَّةً وَواقِعِيَّةً لِلِاقْتِصادِ اللُّبْنانِيِّ الذي يَفْتَقِرُ إلى المصَدّاتِ المالِيَّةِ والِاحْتِياطِيّاتِ الكافِيَةِ لِلتَّعامُلِ مَعَ الصَّدْماتِ المُتَكَرِّرَة، كَما أَنَّها تُكَرِّسُ دَرْسًا واضِحًا مِنَ التَّجارِبِ الدَّوْلِيَّةِ المَريرَة، مُفادُهُ أَنَّ الحُروبَ لا تُقاسُ فَقَطْ بِمَدى ضَراوَةِ القِتالِ أَوْ مُدَّتِهِ الزَّمَنِيَّة، بَل بِالآثارِ الِاقْتِصادِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ المُمْتَدَّةِ التي يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَمِرَّ لِعُقودٍ، بِما يَشْمَلُ نَزْفَ رَأْسِ المالِ البَشَرِيّ، وَتَراجُعَ الِاسْتِثْمارِ في الأُصولِ الثّابِتَة، وَتَآكُلَ الثِّقَةِ في المُؤَسَّساتِ المالِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ والدَّوْلِيَّةِ التي تَرى في لُبْنانَ مَرْكَزًا مالِيًّا إِقْليمِيًّا.
"اقتصاد الطوارئ" يزيد من ارتهان السياسات الاقتصادية والمالية العربية للتمويل الخارجي المشروط
وَتَتَضاعَفُ هَذِهِ التَّحَدِّياتُ الجَسيمَةُ عِنْدَما نَأْخُذُ في الِاعْتِبارِ القِطاعاتِ التي تَتَأَثَّرُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ وَفَوْرِيّ، مِثْلَ السِّياحَةِ والخِدْماتِ والزِّراعَة، وَهِيَ القِطاعاتُ التي تُمَثِّلُ الرَّكائِزَ الأَساسِيَّةَ التي يَعْتَمِدُ عَلَيْها الِاسْتِقْرارُ النِّسْبِيُّ في البِلاد. فَإِلغاءُ الحُجوزاتِ السِّياحِيَّةِ وَتَوَقُّفُ حَرَكَةِ الطَّيَرانِ والمِلاحَةِ يَخْلُقانِ فَجْوَةً هائِلَةً في إِيراداتِ العُمُلَةِ الصَّعْبَة، بَيْنَما تُؤَثِّرُ مَوْجاتُ النُّزوحِ الدّاخِلِيِّ الواسِعَةِ مِنَ الجَنوبِ والبِقاعِ والضّاحِيَةِ على التَّوْزيعِ الدّيموغْرافِيِّ لِلسُّكّان، وَتَضَعُ ضُغوطًا هائِلَةً على الخِدْماتِ العامَّةِ المُتَهالِكَةِ والمُسْتَهْدَفَةِ بِالقَصْفِ المُتَكَرِّرِ مِنْ كَهْرَباءَ وَمِياهٍ وَمَرافِقَ عامَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ في مَناطِقِ الِاسْتِقْبال. هَذا النُّزوحُ القَسْرِيُّ يَرْفَعُ الطَّلَبَ بِشَكْلٍ مُفاجِئٍ على السِّلَعِ الأَساسِيَّةِ في مَناطِقَ عِدَّة، مِمّا يُضاعِفُ الضُّغوطَ التَّضَخُّمِيَّةَ المَحَلِّيَّةَ وَيُؤَدّي إلى تَشَوُّهٍ في الدَّوْرَةِ الِاقْتِصادِيَّة، وَيُحَوِّلُ المَوارِدَ المَحْدودَةَ لِلدَّوْلَةِ مِنَ الِاسْتِثْمارِ في التَّنْمِيَةِ إلى الإِنْفاقَ على الإِغاثَةِ الطّارِئَةِ التي لا تُوَلِّدُ نُمُوًّا مُسْتَدامًا.
وَعلى المُسْتَوى الإِقْليمِيِّ الأَوْسَع، لا يَقْتَصِرُ أَثَرُ هَذا التَّصْعيدُ على الجُغْرافْيا اللُّبْنانِيَّةِ وَحْدَها، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ أَسْواقَ الطَّاقَة، وَشَحْنَ البَضائِعِ عَبْرَ البَحْرِ المُتَوَسِّط، وَتَدَفُّقاتِ الِاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيِّ في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ بِرُمَّتِها، حَيْثُ تُساهِمُ حالَةُ عَدَمِ اليَقينِ الأَمْنِيِّ في إِعادَةِ تَوْجيهِ رُؤوسِ الأَمْوالِ إلى مَلاذاتٍ دَوْلِيَّةٍ أَكْثَرَ أَمانًا، وَتَحُدُّ مِنْ قُدْرَةِ دُوَلِ الجِوارِ على جَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ الضَّرورِيَّةِ لِتَعْزيزِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيّ. وَتُظْهِرُ هَذِهِ التَّداعِياتُ الإِقْليمِيَّةُ أَنَّ أَيَّ تَصْعيدٍ عَسْكَرِيٍّ، مَهْما كانَتْ رُقْعَتُهُ الجُغْرافِيَّة، يُسْهِمُ بِفَعّالِيَّةٍ في تَرْسيخِ نَمَطِ "اقْتِصادِ الطَّوارِئِ" القائِمِ على الِاسْتِهْلاكِ والِانْكِشافِ على الخارِجِ عِوَضًا عَنْ تَأْسيسِ اقْتِصادٍ إِنْتاجِيٍّ مُسْتَقِلٍّ، وَيَزيدُ مِنِ ارْتِهانِ السِّياساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ والمالِيَّةِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّمْويلِ الخارِجِيِّ المَشْروطِ وَلِلمُساعَداتِ الدَّوْلِيَّة، مَعَ ما يَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ مِنْ فُقْدانٍ تَدْريجِيٍّ لِلسِّيادَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ والِاسْتِقْلالِيَّةِ في اتِّخاذِ القَرارِ الوَطَنِيِّ المَصيرِيّ.
لبنان أمام سيناريو قاتم يتمثّل في تحوُّل الصدمة الحالية إلى ندوب اقتصادية طويلة الأمد
إِنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَداثَةِ المُفاجِئَةِ لِهَذا التَّصْعيدِ في أَبْريل/نَيْسان 2026 وَتَوَقُّعاتِ المُؤَسَّساتِ البَحْثِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ والدُّروسِ المُسْتَقاةِ مِنَ النِّزاعاتِ السّابِقَة، يَجْعَلُ مِنَ الجَلِيِّ أَنَّ العُدْوانَ الأَخيرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَصْعيدٍ عَسْكَرِيٍّ غاشِم، بَل هُوَ عامِلٌ مُضاعِفٌ لِلأَزماتِ البُنْيَوِيَّةِ العَميقَةِ في لُبْنان، وَقادِرٌ على تَعْميقِ الِانْكِماشِ الِاقْتِصادِيّ، وَرَفْعِ مُسْتَوى الفَقْرِ بِجَميعِ أَشْكالِه، وَإِضْعافِ النَّسيجِ الِاجْتِماعِيِّ والتَّماسُكِ الوَطَنِيّ. وَفي ظلِّ اسْتِمْرارِ حالَةِ عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ والأَمْنِيِّ وَغِيابِ الإِصْلاحاتِ الجَذْرِيَّة، تَبْقى قُدْرَةُ الِاقْتِصادِ اللُّبْنانِيِّ على الصُّمودِ في وَجْهِ هَذِهِ العَواصِفِ مَحْدودَةً لِلغايَة، وَهُوَ ما يَضَعُ البِلادَ أَمامَ سيناريُو قاتِمٍ يَتَمَثَّلُ في تَحَوُّلِ الصَّدْمَةِ الحالِيَّةِ إلى نُدوبٍ اقْتِصادِيَّةٍ طَويلَةِ الأَمَدِ تُؤَثِّرُ لَيْسَ فَقَطْ على سُبُلِ عَيْشِ اللُّبْنانِيّين، بَلْ على أَمْنِ واسْتِقْرارِ المِنْطَقَةِ بِأَسْرِها، مَعَ ما يُرافِقُ ذَلِكَ مِنْ ضَغْطٍ مُسْتَمِرٍّ على أَسْواقِ الطّاقَةِ العالَمِيَّة، وَسَلاسِلِ التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّة، وَثِقَةِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ في قُدْرَةِ المِنْطَقَةِ على النُّهوضِ مُجَدَّدًا.
(خاص "عروبة 22")

