اقتصاد ومال

"حُروبٌ مِنْ دونِ استراتيجِيَّةٍ واضِحَة": خسائِرُ جَماعِيَّةٌ فادِحَة!

أَيًّا تَكُنْ مُخْرَجاتُ مُفاوَضاتِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّار، بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيران في باكِسْتان، وَمُفاوَضاتِ وَقْفِ الحَرْبِ في لُبْنان التي تَسْتَضيفُها واشِنْطُن، فَإِنَّ مَلامِحَ شَرْقِ أَوْسَطٍ جَديدٍ في طَريقِها إلى الظُّهور، لَكِنَّ كُلْفَتَهُ سَتَكونُ مُرْتَفِعَة، اقْتِصادِيًّا وَجِيوسِياسِيًّا، في نِظامٍ عالَمِيٍّ جَديدٍ تُريدُ أَميرْكا أَنْ يَنْطَلِقَ مِنَ الشَّرْقِ الأَوْسَط.

يُشَكِّلُ فَتْحُ مَضيقِ هُرْمُز، وَتَحْريرُ تِجارَةِ الطّاقَةِ والإِمْدادات، خُطْوَةً لا مَناصَ مِنْها لِإِنْهاءِ الحَرْبِ في إيران. وَيُنْتَظَرُ مِنِ اجْتِماعاتِ واشِنْطُن، إِعادَةُ لُبْنانَ إلى حِضْنِهِ العَرَبِيّ، وَتَقْوِيَةُ مَكانَةِ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّة، وَجَعْلُ السِّلاحِ وَقَرارِ الحَرْبِ بِيَدِ الحُكومَةِ والمُؤَسَّساتِ الشَّرْعِيَّة. وَهِيَ خُطُواتٌ ضَرورِيَّةٌ لِإِطْلاقِ بَرامِجِ إِعادَةِ الإِعْمار، التي تَرْغَبُ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّة أَنْ تَتَزامَنَ مَعَ تَوْسيعِ "اتِّفاقِيّاتِ أَبْراهام"، لِتَشْمَلَ دُوَلًا عَرَبِيَّةً في الشّامِ والخَليج.

خسائر المنطقة العربية توازي 6% من ناتجها المحلي الإجمالي

وَقُدِّرَتْ خَسائِرُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ 200 مِلْيارِ دولارٍ جَرّاءَ الحَرْب، وِفْقَ "بَرْنامَجِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الإِنْمائِيّ". خِلالَ الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ الحَرْب، سَجَّلَتِ التَّقْديراتُ الأُمَمِيَّةُ خَسائِرَ بَلَغَتْ 190 مِلْيارَ دولارٍ في إيران، وَنَحْوَ 186 مِلْيارَ دولارٍ في دولِ الخَليج، وَحَوالَيْ 30 مِلْيارَ دولارٍ في بِلادِ الشَّام، خاصَّةً في لُبْنان بِسَبَبِ الأَضْرارِ التي طالَتِ المُنْشَآتِ الحَيَوِيَّة، والمَباني، والتَّجْهيزَاتِ المُخْتَلِفَة، وَتَراجُعِ تَصْديرِ الطّاقَةِ بِنَحْوِ 11 مِلْيونَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا، وِفْقَ إِحْصائِيّاتِ "وَكالَةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّة".

وَتَكَبَّدَتِ المِنْطِقَةُ العَرَبِيَّةُ خَسائِرَ تُوازي 6 في المِئَةِ مِنْ ناتِجِها المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، وَكَلَّفَتِ الحربُ الاقْتِصادَ الإيرانِيَّ خَسائِرَ أَوَّلِيَّةً تَجاوَزَتْ 10 في المِئَة، وَقُدِّرَتْ خَسائِرُ الاقْتِصادِ العالَمِيِّ بِنَحْوِ 700 مِلْيارِ دولار.

وَيَعْتَقِدُ خُبَراءُ أَنَّ الصِّراعَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ عَنيفٌ وَخَطير، اسْتُعْمِلَتْ فيهِ أَسْلِحَةٌ فَتّاكَةٌ وَمُدَمِّرَة، لَها عَواقِبُ بيئِيَّة، واجْتِماعِيَّة، واقْتِصادِيَّةٌ عَميقَة. مِنْ نَتائِجِها فُقْدانُ 3.6 مَلايِينِ وَظيفَة، واتِّساعُ عَدَدِ المُشَرَّدينَ والفُقَراءِ في مَجْموعِ المِنْطِقَة. يُضافُ إِلَيْها تَراجُعُ التَّحْويلاتِ مِنْ دولِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ. وَكانَتْ تَحْويلاتُ العَمالَةِ الوافِدَةِ التي بَلَغَتْ نَحْوَ 131.5 مِلْيارِ دولارٍ عامَ 2024، تُشَكِّلُ مَصْدَرًا مُهِمًّا لِلْعُمْلَةِ الصَّعْبَةِ في دولٍ مِثْلَ الهِنْد، وَباكِسْتان، وَمِصْر، والسّودان، وَفِلَسْطين، وَلُبْنان، وَسوريا، واليَمَن، والمَغْرِبِ العَرَبِي، وَغَيْرِها.

وَقَدْ عَمَّقَتْ حَرْبُ إيرانَ أَزْمَةَ الطَّّاقَة، في بَعْضِ الدولِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَوْرِدَةِ وَمِنْها مِصْر، بَعْدَ أَنْ تَجاوَزَ النَّفْطُ سِعْرَ مئَةِ دولار، وَتَجاوَزَ 120 دولارًا مَرّاتٍ عِدَّة، أَي ضِعْفَ قيمَتِهِ قَبْلَ الحَرْب. وَلَيْسَ هُناكَ دَليلٌ على أَنَّ الأَسْعارَ سَتَعودُ بِسُرْعَةٍ إلى ما كانَتْ عَلَيْه. كَما أَنَّ إِصْلاحَ المُنْشَآتِ التَّصْديرِيَّةِ المُتَضَرِّرَةِ قَدْ يَحْتاجُ إلى وَقْتٍ أَطْوَل، خاصَّةً "مُجَمَّعَ رَأْسِ لِفّان" لِإِنْتاجِ الغازِ في قَطَر، الذي يُعْتَبَرُ الأَكْبَرَ في العالَم، وَكانَ يُؤَمِّنُ نَحْوَ ثُلُثِ اسْتِهْلاكِ الغازِ في إيطالْيا وَأَلْمانْيا.

إيرانُ الخاسِرُ الأَكْبَرُ مِنَ الحَرْب

وَفي طَهْرانَ التي فَقَدَتْ قِياداتِ الصَّفِّ الأَوَّلِ والثّاني والثّالِثِ في هَرَمِ نِظامِ المَلالي، تَمَّ تَسْجيلُ خَسائِرَ فادِحَةٍ في البُنى التَّحْتِيَّة، والاتِّصالات، والمُواصَلات، وَمَصادِرِ الإِنْتاج، والتَّجْهيزَاتِ المُخْتَلِفَة، مِمّا سَيَتَطَلَّبُ وَقْتًا طَويلًا، وَكُلْفَةً باهِظَةً لِاسْتِعادَةِ ما كانَتْ تَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ إيرانُ مِنْ مُقَوِّماتٍ اقْتِصادِيَّةٍ قَبْلَ الحَرْب.

دخلت إيران في حالة بؤس اجتماعي قد يُفجّر غضبًا شعبيًا عندما ينقشع غبار المعارك

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الرَّئيسَ ترامب لَمْ يُنَفِّذْ تَهْديدَه بِضَرْبِ مَصادِرِ إِنْتاجِ الطّاقَةِ والكَهْرَباء، فَإِنَّ البَلَدَ عادَ سَنَواتٍ إلى الوَراء، وَدَخَلَ في حالَةِ بُؤْسٍ اجْتِماعِيٍّ قَدْ يُفَجِّرُ غَضَبًا شَعْبِيًّا عِنْدَما يَنْقَشِعُ غُبارُ المَعارِك.

وَكَلَّفَ الجُهْدُ العَسْكَرِيُّ وَحْدَهُ حَوالَيْ 9.23 مِلْياراتِ دولار، وِفْقَ تَقْديراتٍ غَرْبِيَّةٍ أَوَّلِيَّة، وَقُدِّرَ عَجْزُ ميزانِيَّةِ 2025-2026 بِنَحْوِ 950 تْريلْيونَ تومانٍ إيرانِيّ، ما يُوازي 16 مِلْيارَ دولار، قَبْلَ بِدايَةِ الصِّراعِ في 28 فِبْرايِر/شُباط. وَتَتَوَقَّعُ الدَّوائِرُ الاقْتِصادِيَّةُ انْخِفاضَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ بِنِسْبَةِ 10 في المِئَة في الاقْتِصادِ الإيرانِيّ، بِاحْتِسابِ خَسائِرِ شَهْرٍ واحِد. كَما تُرَجِّحُ أَنْ يَدْفَعَ الصِّراعُ 4 مَلايينِ شَخْصٍ إلى ما دونَ خَطِّ الفَقْر. وَخَسِرَتْ صادِراتُ الصُّلْبِ أَكْثَرَ مِنْ 800 مِلْيونِ دولارٍ مِنَ الإيرادات، في مِنْطِقَةِ خوزِسْتان.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ طَهْرانَ تَمَكَّنَتْ مِنْ تَصْديرِ حَوالَيْ 1.5 مِلْيونِ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا، مُقارَنَةً بِـ 1.1 مِلْيونِ بَرْميلٍ قَبْلَ الحَرْب، إِلّا أَنَّ الخَسائِرَ المُسَجَّلَةَ كَبيرَةٌ جِدًّا، وَلا تَمْلِكُ إيرانُ إِمْكاناتٍ مالِيَّةً لِإِصْلاحِها، مِمّا يَجْعَلُها تُطالِبُ بِرُسومِ المُرورِ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز، في نَوْعٍ مِنَ التَّعْويضِ عَنِ الضَّرَر.

خَسائِرُ أَميرْكا وَإِسْرائيل

وَبِما أَنَّ الحَرْبَ خَسارَةٌ جَماعِيَّةٌ اقْتِصادِيًّا، فَقَدْ بَلَغَتْ كُلْفَتُها بِالنِّسْبَةِ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ أَرْقامًا غَيْرَ مَسْبوقَةٍ في أَيِّ حَرْبٍ أُخْرى، شَمَلَتْ فُقْدانَ عَشَراتِ المُقاتِلات، وَتَحَطُّمَ عَدَدٍ آخَرَ مِنَ الطَّّائِراتِ المُتَطَوِّرَة، مِمّا يَجْعَلُ التَّكاليفَ المُباشِرَةَ لِلْحَرْبِ تَتَجاوَزُ مِلْيارَ دولارٍ يَوْمِيًّا. وَقَدَّرَتْ صَحيفَةُ "إِكْسْبْرِس" الفَرَنْسِيَّةُ كُلْفَةَ الحَرْبِ بِما بَيْنَ 20 وَ28 مِلْيارَ دولارٍ في التَّجْهيزَاتِ الحَرْبِيَّةِ وَحْدَها في شَهْر. وِفْقَ تَقْديراتِ الكُونْغْرِسِ الأَميرْكِيّ، الذي طَلَبَ إِلَيْهِ الرَّئِيسُ تْرامْب رَفْعَ ميزانِيَّةِ الدِّفاعِ إلى 1,5 تْريلْيونَ دولار، بِزِيادَةِ 50 في المِئَة.

نتنياهو سيتحوّل إلى الخاسر الأكبر خلال الانتخابات المقبلة

وَفي إِسْرائيل التي سَعَتْ إلى الحَرْبِ بِكُلِّ الوَسائِل، كَلَّفَها شَهْرٌ واحِدٌ نَحْوَ 320 مِلْيونَ دولارٍ يَوْمِيًّا نَفَقاتٍ لِلْجَيْش، وِفْقًا لِتَقْديراتِ وِزارَةِ المالِيَّة، التي كَشَفَتْ أَنَّ ميزانِيَّةَ الدِّفاعِ بَلَغَتْ نَحْوَ 12,5 مِلْيارَ دولار، حَسَبَ صَحِيفَةِ "Haaretz". وَكَتَبَتْ أَنَّ "النَّفَقاتِ العَسْكَرِيَّةَ خِلالَ الـ20 يَوْمًا الأولى مِنَ الحَرْب، تَجاوَزَتْ 6,4 مِلْياراتِ دولار، وَقُدِّرَتِ الخَسائِرُ الاقْتِصادِيَّةُ بِـ9 مِلْياراتِ شيكِل، أَي نَحْوَ 2,93 مِلْيارَ دولارٍ أُسْبوعِيًّا".

"كُلُّ حَرْبٍ مِنْ دونِ اسْتراتيجِيَّةٍ واضِحَة، تُمَهِّدُ لِجيلٍ قادِمٍ مِنْ صِراعٍ جَديد".. هَذا مُلَخَّصُ ما كَتَبَتْهُ "ذي إيكونوميسْت" البَريطانِيَّة، في الأَيّامِ الأولى لِحَرْبِ إيران، التي لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْعى إِلَيْها، بِاسْتِثْناءِ بِنْيامين نِتِنْياهو، الذي سَيَتَحَوَّلُ إلى الخاسِرِ الأَكْبَرِ في إِسْرائيل خِلالَ الِانْتِخاباتِ الق!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن