شكلت تطورات حلب اختبارًا جديدًا أمام حكومة الرئيس أحمد الشرع، التي بدأت منذ اليوم الاول لإستلام السلطة الانفتاح على الأطراف الأخرى سعيًا من أجل طي صفحة الخلافات ووقف تداعيات حرب الـ14 عامًا مما يسهم في إعادة وضع دمشق على خريطة العالم. ولكن "حسابات البيدر لم تتطابق مع نتائج الحقل" واستمر النزاع والقتال، حتى اعتبرت أحداث الساحل السوري ومن بعدها القتال في السويداء والاشتباكات المستمرة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بمثابة تأكيد بأن الأمور لن تكون سهلة وبسيطة، خصوصًا ان هناك أطرافًا داخلية وخارجية تعمل على إذكاء الفوضى وإشعال الخلافات حتى تبقى سوريا عاجزة وضعيفة ومتهالكة.
وتصرح حكومة دمشق بأنها تعي المخاطر المحدقة ولهذا سعت إلى توسيع مروحة علاقاتها الخارجية من جهة كما عملت على إبرام اتفاقيات أو هدن "صغيرة" لوقف حمام الدم ومنع التقسيم وإنفلات الأمور إلى ما لا تحمد عقباه. وهو تمامًا ما حصل مع قوات "قسد" حين تم التوقيع على اتفاق 10 آذار/مارس بين الشرع وقائد هذه القوات مظلوم عبدي، ولكن تطبيقه لم يدخل حيّز التنفيذ بسبب عدم تطابق وجهات النظر كما غياب الثقة التي تعتبر أساسًا للإنطلاق في عملية التطبيق. ولم تفضِ الاجتماعات لأي نتائج ملموسة رغم دفع الولايات المتحدة في هذا الإتجاه وصولًا إلى انفجار الأوضاع بشكل دراماتيكي في حلب وسط حالة نزوح كبيرة وسقوط عدد من القتلى والجرحى. وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت وقف إطلاق النار في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد بمدينة حلب من الساعة 3 فجر اليوم الجمعة حتى التاسعة صباحًا، مطالبة من أسمتهم بالمجموعات المسلحة التابعة لقوات "قسد" مغادرة حلب بسلاحهم الفردي الخفيف كما أكدت أن الجيش السوري يتعهد بضمان عبورهم بأمان تام إلى مناطق شمال شرقي البلاد.
وتأتي هذه المعلومات بعدما دخل الجيش السوري إلى حي الأشرفية وتسلّم زمام الامور غداة مواجهات عنيفة مع "قسد"، في وقت تعهد محافظ حلب عزام الغريب بأن "السلطات ستعلن قريبًا بدء عودة الأهالي إلى منازلهم بشكل منظّم وآمن، ووفق تعليمات ستُنشر عبر القنوات الرسمية". والمخاوف من تمدّد رقعة المواجهات دفعت واشنطن إلى بذل جهود مضنية من أجل حلحلة الأمور والعودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، ومن هنا كان تصريح الموفد الأميركي توم برّاك الذي دعا إلى ضبط النفس وحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم، مشددًا على أن بلاده تتابع بقلق بالغ التطورات الجارية في حلب. أما الرئيس الشرع فقد حاول شرح سياق الأمور الجارية، إذ أجرى اتصالين هاتفيين بكل من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وتطالب أنقرة بشكل جدي - ولا لبس فيه - بضرورة دمج "قسد" في مؤسسات الدولة من أجل احتواء أي تداعيات مستقبلية وحماية مصالحها الاستراتيجية. يُذكر أنه لليوم الثاني على التوالي شهدت مدن رئيسية في تركيا وقفات احتجاجية للمطالبة بوقف العملية التي تنفذها القوات السورية الحكومية في مدينة حلب.
وتداخل المصالح وتعثر الاتفاقيات يمتدّ من سوريا إلى ايران، التي لم تهدأ فيها بعد موجة المظاهرات والاحتجاجات الواسعة النطاق، مع انضمام مدن وأحياء جديدة إلى إغلاق المحال ووقف النشاط التجاري. واتخذت الاحتجاجات الليلية في طهران منحى تصاعديًا واضحًا، بالتزامن مع دعوة نجل شاه إيران رضا بهلوي الإيرانيين إلى تحركات جديدة وهتافات ليلية. ولا تزال حصيلة الضحايا والجرحى غير واضحة نتيجة التكتم الكبير التي تفرضه السلطات على وسائل الاعلام، في حين قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، إن الحملة الأمنية الحالية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 38 شخصًا، في حين جرى توقيف أكثر من 2200 آخرين. في الاثناء، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجددًا على خط الأزمة، إذ قال إنه سيوجه ضربة "قوية جدًا" لإيران وسيجعلها تدفع ثمنًا باهظًا "إذا حاولت قمع المظاهرات المناهضة للحكومة".
وهذا التهديد ليس الاول من نوعه بل كرره ترامب مرارًا منذ إنطلاق شعلة التظاهرات، فيما تحاول حكومة إيران الحدّ من التداعيات وامتصاص "فورة" الغضب الحاصلة حيث دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الخميس، إلى إتباع "أقصى درجات ضبط النفس" و"الحوار والتواصل والاستماع إلى مطالب الشعب". في سياق متصل، أوضح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الاقتصاد الإيراني يواجه تضخمًا مرتفعًا وتحديات أخرى، مرجعًا ذلك لأسباب منها العقوبات الأميركية، كما شدّد على مخاوف واشنطن إزاء قمع السلطات في طهران الاحتجاجات المناهضة للنظام باللجوء للعنف. وتمرّ البلاد في منعطف خطير، مما يحتم عليها اتخاذ خيار من اثنين، فإما الاستماع إلى نبض الشارع ومحاولة التوصل لحلول ما وإما تمدّد التحركات وبالتالي إمكانية تدخل واشنطن وتل أبيب والاستثمار فيها. وعلى وقع هذه التعقيدات، برزت الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي إلى لبنان خاصة انها تزامنت مع إعلان الجيش اللبناني نجاح أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في يد الدولة بمنطقة جنوب نهر الليطاني، وسط تأييد وترحيب من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيسي الحكومة والبرلمان.
في موازاة هذا "الانجاز" الميداني، طلب مجلس الوزراء اللبناني من قيادة الجيش وضع خطة لحصر السلاح في منطقة شمال نهر الليطاني، تمهيدا لعرضها ومناقشتها في شهر شباط/فبراير المقبل، وسط اعتراض من الوزيرين اللذين يمثلان "حزب الله" في الحكومة. بيد أن هذه الخطوات الملموسة لم ترضِ الجانب الاسرائيلي، إذ رأى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ما قامت به الحكومة والجيش في لبنان "بداية مشجعة" ولكنه وصفها بـ"غير الكافية"، في حين نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصادر في جيش الاحتلال قوله إن "حزب الله لا يزال موجودًا جنوب نهر الليطاني، وهناك عناصر ووسائل قتالية وبنى تحتية تابعة له". وتحاول تل أبيب ممارسة أقصى الضغوط على لبنان من خلال التصريحات اليومية ورفع سقف الاعتداءات وعدم احترام اتفاق وقف النار. وفي أخر التفاصيل المتعلقة بهذا الإطار، استهدفت مسيّرة إسرائيلية بغارة سيارة على طريق زيتا - بنعفول في قضاء صيدا، ما أدى إلى سقوط شخص، بينما أفاد المتحدث بإسم جيش العدو بأنه "اغتال في وقت سابق اليوم، في منطقة زيتا في جنوب لبنان، علاء حوراني"، قائلًا إنّه "عمل مشغلًا لمسيّرات "درون" في حزب الله".
هذا وتستهدف اسرائيل البشر والحجر وتبرر إجرامها الذي يمتدّ من لبنان إلى قطاع غزة، الذي يعاني من الخروقات المتواصلة للهدنة الهشة. وفي جريمة جديدة تُضاف إلى سجل تل أبيب الحافل، استشهد 14 فلسطينيا بينهم 5 أطفال وأصيب آخرون أمس، في سلسلة هجمات للاحتلال على خيام إيواء ومدارس تؤوي نازحين ومناطق متفرقة في القطاع المنكوب. من جهتها، اعتبرت حركة "حماس" أن الاعتداءات المتواصلة تمثل محاولة للتنصل من اتفاق وقف النار وتعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية منه، مناشدة الوسطاء والدول الضامنة بإدانة هذه "الانتهاكات الجسيمة التي يشرف عليها مجرم الحرب نتنياهو بذرائع واهية ومفبركة". وكان نتنياهو تراجع عن فتح معبر رفح رغم الحديث "الايجابي" عن وجود اتفاق ضمني بيه وبين الرئيس ترامب ولكنه عاد وربط ذلك باستعادة جثة أخر أسير اسرائيلي لا يزال العثور عليه غير متاحًا. وتعرف تل أبيب أن ذلك ليس بالأمر اليسير نتيجة الركام والدمار الكبير ولكنها تستخدمه كذريعة من أجل عرقلة حياة الفلسطينيين ومواصلة حرب "الإبادة".
ورغم غياب الرؤية الواضحة وعدم تطبيق بنود المرحلة الاولى، ذكر موقع "تايمز أوف إسرائيل"، بأن الرئيس ترامب يعتزم الإعلان الأسبوع المقبل عن بدء المرحلة الثانية والكشف عن "مجلس السلام" والهيئات الأخرى المعنية بإدارة قطاع غزة بعد تأخير دام شهرًا، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة "أبلغت الأطراف المعنية بأنها حصلت على التزامات من مصر وقطر والإمارات وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا بانضمام قادتها إلى جانب ترامب في مجلس السلام". وليس من الضروري أن يسهم الاعلان عن حلحلة الأوضاع في القطاع خاصة أن اسرائيل تبتكر الحجج لعدم الالتزام بأي تعهدات واتفاقيات دون وجود أي محاسبة. وهذا تمامًا ما تفعله في الضفة الغربية من خلال تغيير معالم المدن وفرض أسلوب حياة جديدة على الفلسطينيين الذين يحاولون التمسك بأرضهم وهويتهم. وشهدت الضفة في الساعات الأخيرة تصعيدًا جديدًا في اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال، حيث هُجّرت عائلات بدوية شمال أريحا، وسُجلت إصابات بين المواطنين وإحراق مركبات غرب نابلس، فضلًا عن هجمات في مسافر يطا واقتحامات في سلفيت وطوباس.
ولا يمكن فصل ما يجري عن ممارسات تل أبيب في المنطقة وخاصة بعد اعترافها "الاستفزازي" بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، ما فجر مخاوف الدول العربية التي تداعت للإعلان عن شجبها ورفضها. وأدانت 22 دولة عربية وإسلامية، في بيان مشترك، زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لإقليم أرض الصومال ، ووصفتها بأنها انتهاك لسيادة جمهورية الصومال وتقويض لميثاق الأمم المتحدة. في إطار آخر، باشرت الصومال، الخميس، التحقيق الفوري للتأكد من صحة تقارير تتحدث عن استخدام غير مصرّح به لمجالها الجوي ومطاراتها لتسهيل تنقّل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وتحديد ما إذا كان قد جرى أي خرق لقانون البلاد أو للإجراءات والبروتوكولات المعمول بها. أما من جانبه فقد أطاح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الفريق الركن محسن الداعري من منصبه، وأحاله للتقاعد، بموجب قرار رئاسي.
على المقلب الدولي، اجتمع مستشارو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض مع مبعوثي الدنمارك وغرينلاند، بينما جددّ الأخير الحديث عن "الاستيلاء"، وفق ما ذكرته مصادر لوكالة "أسوشييتد برس". وبعد عملية فنزويلا والتحكم بمسار النفط في البلاد، تبدو عين الرئيس الأميركي على خيرات هذه الجزيرة التي يمكن أن تفجر خلافًا كبيرًا سيغير التوازنات القائمة حاليًا. وكان نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس حضّ أوروبا على أخذ تصريحات ترامب بشأن غرينلاند على محمل الجد، متهمًا حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبقية دول أوروبا بالتقصير في حماية الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي من مخططات روسيا والصين، على حدّ قوله. فيما أعرب الرئيس إيمانويل ماكرون عن أسفه لتخلي الولايات المتحدة "تدريجيًا" عن حلفائها و"تجاهلها القواعد الدولية"، في الوقت الذي وجّه فيه نظيره الألماني فرانك شتاينماير انتقادًا لاذعًا للسياسة الخارجية الأميركية.
وهنا إليكم أبرز ما تناولته الصحف الصادرة اليوم في العالم العربي:
أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "اليمن تمثّل للمملكة العربية السعودية أهمية بالغة إذ تعدّ لاعبًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي السعودي، ولا تحكم العلاقات السعودية اليمنية الحدود الجغرافية فحسب، بل تتشابك مصالح البلدين السياسية والأمنية على نحو لا يمكن تجاهله أو استبعاده". وأردفات قائلة "غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال دعم الاستقرار في اليمن دون أن تحظى بحكومة قوية ومستقرة، ولهذا يعد دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا ركيزة أساسية وحلًا وحيدًا للوصول لحل سياسي مستدام في اليمن".
أما صحيفة "الأهرام" المصرية، فلفتت إلى أنه "لم تقف أي دولة، ولا المنظومة الأممية أمام التهديدات التي أطلقها الرئيس ترامب ونفذها باعتقال مادورو، والتحكم في ثروات فنزويلا والاستيلاء على ما لديها من بترول، وهو المحرك الرئيسي لما قام به في ظل تراجع المخزون الاستراتيجي الأمريكىيمن البترول خلال إدارة بايدن وامتلاك فنزويلا أكبر احتياطي في العالم"، مستنتجة أن "قادم الأيام ستكشف من هي الدولة التي سينفذ ترامب مخططاته سواء ما يتعلق بالاستحواذ على ثرواتها النفطية أو المعادن النادرة التي يبحث عنها الرئيس الأمريكى، وهذا هو السلاح ليحقق ترامب طموحات الولايات المتحدة لمنع الصين وروسيا من الوجود في أمريكا الجنوبية ومحاولة تعطيل مشروع الصين "الحزام والطريق"، والذي تدخل الدول اللاتينية كأحد مكوناته الرئيسية".
صحيفة "اللواء" اللبنانية، رأت أن "الخطورة لا تكمن فقط في استمرار الضربات الاسرائيلية المحدودة جنوبًا، بل في احتمال توسّع بنك الأهداف ليشمل مناطق أوسع في الجنوب والبقاع، وصولًا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، إذا ما قررت حكومة نتنياهو رفع مستوى الضغط العسكري والسياسي معاً. فالتجربة السابقة تؤكد أن إسرائيل غالبًا ما تمهّد لأي تصعيد كبير بحملة اتهامات سياسية وإعلامية، تترافق مع عمليات عسكرية محسوبة، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر عنفًا"، مؤكدة أن "المطلوب اليوم مقاربة وطنية واقعية، تُحصّن الموقف اللبناني سياسيًا ودبلوماسيًا، وتقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية، عبر التأكيد أن معالجة القضايا السيادية الكبرى لا تتم بالقصف ولا بالابتزاز العسكري، بل بالحوار الداخلي وبرعاية الدولة ومؤسساتها الدستورية".
(رصد "عروبة 22")

