الانْفِصال، مِنْ مَنْظورٍ مُجْتَمَعِيّ، لا يَتَمَحْوَرُ أَساسًا حَوْلَ رَسْمِ حُدودٍ جَديدَة، بِقَدْرِ ما يَعْكِسُ رَغْبَةً جَماعِيَّةً في إِعادَةِ تَأْويلِ الماضي انْطِلاقًا مِنْ مَوْقِعِ الإِقْصاءِ أَوِ الجُرْح، حينَ تَشْعُرُ جَماعَةٌ ما بِأَنَّ تاريخَها لَمْ يُعْتَرَفْ بِه، أَوْ بِأَنَّ مُعاناتَها أُقْصِيَتْ مِنَ السَّرْدِيَّةِ الرَّسْمِيَّة.
في هَذا السِّياق، يَكْتَسِبُ مَفْهومُ الذّاكِرَةِ الجَماعِيَّةِ أَهَمِّيَّةً تَفْسيرِيَّةً مَرْكَزِيَّة. فَقَدْ بَيَّنَ موريس هالْبْفاكْس (Maurice Halbwachs) أَنَّ الذّاكِرَةَ لَيْسَتْ سِجِلًّا مُحايِدًا لِلْأَحْداث، بَلْ بِناءٌ اجْتِماعِيٌّ يَتَشَكَّلُ داخِلَ الجَماعاتِ وَوِفْقَ شُروطِ الحَاضِر. فَالمُجْتَمَعاتُ لا تَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيْء، بَلْ تَنْتَقي مِنْ ماضيها ما يَمْنَحُها مَعْنًى وَهُوِيَّة. وَفي البيئاتِ المُنْقَسِمَة، تَميلُ الذّاكِرَةُ إلى التَّرَكُّزِ حَوْلَ لَحَظاتِ الهَزيمَةِ والظُّلْمِ والإِقْصاء، لِتَتَحَوَّلَ مِنْ أَداةٍ لِلْفَهْمِ إلى وَسيلَةٍ لِتَعْريفِ الذّاتِ في مُواجَهَةِ الآخَر.
المجتمعات لا تستقر إلا حين تقوم روابطها على حقوق مُتبادلة لا على كراهية مُشتركة
عِنْدَ هَذِهِ المَرْحَلَة، تُصْبِحُ الذّاكِرَةُ عُنْصُرَ تَعْبِئَةٍ سِياسِيَّةٍ واجْتِماعِيَّة. وَهُوَ ما يُفَسِّرُهُ بِيار بورْدْيو (Pierre Bourdieu) مِنْ خِلالِ مَفْهومِ العُنْفِ الرَّمْزِيّ، حَيْثُ يُفْرَضُ تَفْسيرٌ واحِدٌ لِلتّاريخِ بِاعْتِبارِهِ الحَقيقَةَ الوَحيدَةَ المَشْروعَة، بَيْنَما تُقْصى الرِّواياتُ الأُخْرى. وَبِهَذا، يُعادُ اخْتِزالُ المُجْتَمَعِ في ثُنائِيّاتٍ حَادَّة: ضَحِيَّة وَجَلّاد، مَرْكَز وَهامِش، "نَحْنُ" وَ"هُم". وَعلى الرَّغْمِ مِمّا تَمْنَحُهُ هَذِهِ الثُّنائِيَّةُ مِنْ قُوَّةٍ تَعْبَوِيَّة، إِلّا أَنَّها في المُقَابِلِ تُغْلِقُ إِمْكانَ بِناءِ دَوْلَةٍ جَامِعَة، لِأَنَّها تُحَوِّلُ الذّاكِرَةَ إلى أَداةِ إِقْصاءٍ بَدَلَ أَنْ تَكونَ مَجالًا لِلِاعْتِرافِ المُتَبادَل.
يَتَقاطَعُ هَذا التَّحْليلُ مَعَ طَرْحِ بِنِديكْت أَنْدِرْسون (Benedict Anderson) الذي يَرى أَنَّ الجَماعاتِ الوَطَنِيَّةَ هِيَ "جَماعاتٌ مُتَخَيَّلَةٌ" تَتَأَسَّسُ عَبْرَ سَرْدِيّاتٍ مُشْتَرَكَةٍ وَرُموزٍ جامِعَة. وَعِنْدَما تَفْشَلُ الدَّوْلَةُ في إِنْتاجِ سَرْدِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ عادِلَةٍ تَسْتَوْعِبُ التَّعَدُّدَ والِاخْتِلاف، تَنْشَأُ سَرْدِيّاتٌ بَديلَة، غالِبًا ما تَكونُ انْفِصالِيَّة، لأَنَّها تُقَدِّمُ نَفْسَها بِوَصْفِها الإِطارَ الوَحيدَ القادِرَ على مَنْحِ الجَماعَةِ الاعْتِرافَ الذي حُرِمَتْ مِنْه. وَهُنا، لا يَعودُ الِانْفِصالُ تَعْبيرًا عَنْ اخْتِلافٍ ثَقافِيٍّ طَبيعِيّ، بَلْ نَتِيجَةَ فَشَلٍ رَمْزِيٍّ في بِناءِ "نَحْنُ" تَتَّسِعُ لِلْجَميع.
غَيْرَ أَنَّ أَخْطَرَ ما في الذّاكِرَةِ الِانْفِصالِيَّةِ هُوَ مَيْلُها إلى تَثْبيتِ الجُرْحِ وَتَحْويلِهِ إلى هُوِيَّةٍ مُغْلَقَة. فَالظُّلْمُ التّاريخِيّ، بَدَلَ أَنْ يَكونَ نُقْطَةَ انْطِلاقٍ نَحْوَ العَدالَة، يُصْبِحُ عُنْصُرَ تَعْريفٍ دائِمٍ لِلذّات. وَهُنا يَجِبُ التَّنْبيهُ إلى خُطورَةِ هَذا النَّمَطِ مِنَ التَّضامُنِ القائِمِ على العَداءِ المُشْتَرَك، لِأَنَّهُ تَضامُنٌ هَش، فَالمُجْتَمَعاتُ لا تَسْتَقِرُّ إِلّا حينَ تَقومُ رَوابِطُها على وَظائِفَ وَحُقوقٍ مُتَبادَلَة، لا على كَراهِيَّةٍ مُشْتَرَكَة.
مِنْ هُنا يَبْرُزُ السُّؤالُ المَرْكَزِيّ: كَيْفَ يُمْكِنُ الِانْتِقالُ مِنْ ذاكِرَةِ الِانْفِصالِ إلى ذاكِرَةِ الِاعْتِرافِ والمُواطَنَة؟
تُقَدِّمُ نَظَرِيَّةُ الاعْتِرافِ لَدى أَكْسيلْ هونيث (Axel Honneth) مَدْخَلًا عَميقًا لِلْإِجابَةِ عَنْ هَذا السُّؤَال. فَهونيثُ يَرى أَنَّ الصِّراعاتِ الاجْتِماعِيَّةَ لا تَنْبَعُ فَقَطْ مِنَ الحِرْمانِ المادِّيّ، بَلْ مِنَ الإِحْساسِ بِإِنْكارِ الكَرامَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِرافِ بِالقيمَةِ الاجْتِماعِيَّةِ والأَخْلاقِيَّةِ لِلْأَفْرادِ والجَماعات. وَعِنْدَما تَتَراكَمُ خِبْراتُ الإِنْكار، تَبْحَثُ الجَماعاتُ عَنْ أَشْكالٍ راديكالِيَّةٍ لاسْتِعادَةِ ذاتِها، وَقَدْ يَكونُ الِانْفِصالُ أَحَدَ هَذِهِ الأَشْكال.
عندما يشعر الفرد بأنّ حقوقه مصونة بصفته مواطنًا تتراجع حاجته إلى الاحتماء بمشاريع انفصالية
مِنْ هَذا المَنْظورِ، يُمْكِنُ فَهْمُ الذّاكِرَةِ الانْفِصالِيَّةِ بِوَصْفِها ذاكِرَةً تُطالِبُ بِالاعْتِراف، لا مُجَرَّدَ ذاكِرَةِ انْتِقام. فَهِيَ تَسْعى إلى الاعْتِرافِ بِثَلاثَةِ مُسْتَوَياتٍ مُتَرابِطَة: المُساواةِ القانونِيَّة، والتَّقْديرِ الاجْتِماعِيّ، والاحْتِرامِ الأَخْلاقِيّ. وَبِذَلِكَ، لا يَكونُ تَجاوُزُ النَّزْعَةِ الِانْفِصالِيَّةِ مُمْكِنًا عَبْرَ إِنْكارِ الجِراحِ أَوِ الدَّعْوَةِ إلى النِّسْيان، بَلْ مِنْ خِلالِ الاعْتِرافِ المُؤَسَّسيِّ بِها وإِدْماجِها في إِطارٍ وَطَنِيٍّ أَوْسَع.
وَيَتَكامَلُ هَذا الطَّرْحُ مَعَ تَصَوُّرِ جون رولْز (John Rawls) لِلْعَدالَة، حَيْثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ العَدالَةَ لا تُخْتَزَلُ في النَّوايا الأَخْلاقِيَّة، بَلْ تَتَجَسَّدُ في مُؤَسَّساتٍ وَقَوانينَ تَضْمَنُ المُساواةَ وَتَكافُؤَ الفُرَص. فَذاكِرَةُ المُواطَنَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ تَتَأَسَّسَ مِنْ دونِ عَدالَةٍ انْتِقالِيَّة، وَمُساواةٍ أَمامَ القانون، وَتَوْزيعٍ مُنْصِفٍ لِلْمَوارِد. وَعِنْدَما يَشْعُرُ الفَرْدُ بِأَنَّ حُقوقَهُ مَصونَةٌ بِصِفَتِهِ مُواطِنًا كامِلَ الأَهْلِيَّة، تَتَراجَعُ حاجَتُهُ إلى الاحْتِماءِ بِهُوِيّاتٍ جَريحَةٍ أَوْ مَشاريعَ انْفِصالِيَّة، وَبِالتّالي تَخِفُّ نَزْعَةُ العَصَبِيَّةِ الأَداةُ الخَلْدونِيَّةُ لِتَفْسيرِ التّاريخِ المُجْتَمَعِيّ. فَالتّارِيخ، عِنْدَ ابْنِ خَلْدون، لَيْسَ سِلْسِلَةَ أَحْداثٍ عَشْوائِيَّة، بَلْ تَعْبيرٌ عَنْ دينامِيّاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ تَحْكُمُ العُمْرانَ البَشَرِيّ، وَهُوَ يُعَرِّفُ العَصَبِيَّةَ بِوَصْفِها رابِطَةً اجْتِماعِيَّةً قائِمَةً على القُرْب، أَوِ النَّسَب، أَوِ الوَلاء، تَجْعَلُ الجَماعَةَ قادِرَةً على الدِّفاعِ عَنْ نَفْسِها، وَفَرْضِ إِرادَتِها، والمُطالَبَةِ بِالمُلْك. وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِه: العَصَبِيَّةُ هِيَ الحامِلَةُ لِلْمُلْك، وَلا يَتِمُّ المُلْكُ إِلّا بِها.
الانفصال تعبير عن فشل المجتمع في تحويل الذاكرة إلى اعتراف والمواطنة تقوم على تحويلها إلى ضمانة لعدم التكرار
وَهُنا يَبْرُزُ سُؤالٌ: هَلْ لِلنُّخَبِ دَوْرٌ في هَذا التَّحَوُّلِ مِنْ عَقْلِيَّةِ العَصَبِيَّةِ الوَلائِيَّةِ إلى مَشْروعٍ آخَر؟ فَبِناءُ ذاكِرَةٍ جَديدَةٍ لا يَحْدُثُ تِلْقائِيًّا، بَلْ يَتَطَلَّبُ نُخَبًا فِكْرِيَّةً وَثَقَافِيَّةً قادِرَةً على كَسْرِ هَيْمَنَةِ خِطابِ المَظْلومِيَّةِ المُغْلَقَة، وَإِعادَةِ صِياغَةِ الماضي بِوَصْفِهِ تَجْرِبَةً جَماعِيَّةً لِلتَّعَلُّم، لا مَخْزونًا لِلثَّأْر.
في المُحَصِّلَة، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الِانْفِصالَ هُوَ تَعْبيرٌ عَنْ فَشَلِ المُجْتَمَعِ في تَحْويلِ الذّاكِرَةِ إلى اعْتِراف، والجُرْحِ إلى عَدالَة. بَيْنَما تَقومُ دَوْلَةُ المُواطنَةُ على تَحْويلِ الأَلَمِ إلى قانون، والذّاكِرَةِ إلى ضَمانَةٍ لِعَدَمِ التَّكْرار. وَعِنْدَما يَنْجَحُ هَذا التَّحَوُّل، تَتَحَرَّرُ الذّاكِرَةُ مِنْ وَظيفَتِها الانْقِسامِيَّة، وَتَغْدُو رَأْسَمالًا أَخْلاقِيًّا مُشْتَرَكًا.
فَالِانْفِصالُ لَيْسَ قَدَرًا مَحْتومًا، بَلْ نَتيجَةَ ذاكِرَةٍ أُغْلِقَتْ على ذاتِها. أَمّا المُواطَنَة، فَلا تُبْنى إِلّا حينَ يُسْتَبْدَلُ سُؤال: مَنْ ظَلَمَنا؟ بِسُؤَالٍ أَكْثَرَ نُضْجًا: كَيْفَ نَضْمَنُ أَلّا يُنْكَرَ أَحَدٌ بَعْدَ اليَوْم؟.
(خاص "عروبة 22")

