يَبْدو الاعْتِرافُ الإِسْرائيلِيُّ بِإِقْليمِ ما يُسَمّى بِـ"صومالي لانْد" الانْفِصالي، أَحَدَ أَبْرَزِ تَجَلِّيّاتِ المُخَطَّطِ الصُّهْيونِيّ، الذي أَعْلَنَتْهُ في غَيْرِ مُناسَبَة، حُكومَةُ اليَمينِ المُتَطَرِّفِ في تَلِّ أَبيب، والذي يَرْمي لِإِعادَةِ تَشْكيلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الكَبير، بِأَقاليمِهِ الثَّلاثَةِ التي تَضُمُّ مِنْطَقَةَ شَرْقِ المُتَوَسِّط، إلى جانِبِ الخَليجِ وَمِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، على أُسُسٍ طائِفيةٍ أَوْ عِرْقِيَّة، وَيُدْخِلُهُ مُباشَرَةً إلى حَيِّزِ التَّنْفيذ، في ظِلِّ المَوْقِفِ العَرَبيِّ المُتَخاذِلِ في مُواجَهَةِ هَذا الاعْتِراف، الذي لا تَسْتَهْدِفُ إِسْرائيلُ مِنْ خِلالِه، تَعْزيزَ حُضورِها في واحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ حَساسِيَّةً فَحَسْب، وَإِنَّما فَرْضَ سَيْطَرَتِها على أَحَدِ أَبْرَزِ شَرايينِ التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ والطّاقَة، مُمَثَّلَةً في خَليجِ عَدَن، عَبْرَ إِدْخالِ المِنْطَقَةِ إلى مَرْحَلَةِ عَسْكَرَةٍ إِضافية، مِنْ شَأْنِها أَنْ تَزيدَ حِدَّةَ التَّنافُسِ بَيْنَ العَديدِ مِنَ القُوى الإِقْليمِيَّةِ والدَّوْلِيَّة، على نَحْوٍ يَرْفَعُ وَتيرَةَ مَخاطِرِ عَدَمِ الاسْتِقْرار، وَيُشْعِلُ مُخَطَّطاتِ الانْفِصالِ الرّامِيَةِ لِتَقْويضِ وَحْدَةِ الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّةِ في الصّومال، وَإِعادَةِ رَسْمِ الحُدودِ في مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، التي تَعاني مُنْذُ عُقودٍ مِنْ هَشاشَةِ مَفْهومِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة.
يَمْنَحُ الاعْتِرافُ الإِسْرائيلِيُّ بِالإِقْليمِ الِانْفِصاليِّ المُسَمّى "أَرْضَ الصومال"، مَوْطِئَ قَدَمٍ لِلآلَةِ العَسْكَرِيَّةِ الصُّهْيونِيَّة، على الضَّفَّةِ الجَنوبِيَّةِ لِمَضيقِ بابِ المَنْدَب، الذي يُمَثِّلُ البَوّابَةَ المَلَكِيَّةَ لِلبَحْرِ الأَحْمَر، وَعلى نَحْوٍ يُتيحُ لِإِسْرائيلَ إِمْكانِيَّةَ الوُصولِ إلى العَديدِ مِنَ المَوانِئِ الاسْتْراتيجِيَّةِ المُطِلَّةِ على خَليجِ عَدَن، والشُّروعَ في بِناءِ تَرْتيباتٍ اسْتِخْبارِيَّةٍ وَلوجِسْتِيَّةٍ، مُكَمِّلَةً لِوُجودِها غَيْرِ المُعْلَنِ في "أَرْخَبيلِ دَهْلَك" الإِريتْرِيّ، وَهُوَ تَمَوْقُعٌ يُوَسِّعُ حَسْبَما يَرى الكَثيرُ مِنَ الخُبَراء، عُمْقَ إِسْرائيلَ الاسْتْراتيجِيَّ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ إلى القَرْنِ الأَفْريقِيّ، على ما يَعْنيهِ ذَلِكَ مِنِ امْتِدادٍ لاسْتْراتيجِيَّةِ تَطْويقٍ جِيوسِياسِيٍّ غَيْرِ مُباشِر، لِعَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُطِلَّةِ على سَواحِلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ مِثْلَ السّودان وَمِصْر والمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّة، وَما قَدْ يُؤَدّي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنِ إِرْباكٍ شَديدٍ في حِساباتِ الأَمْنِ القَوْميِّ العَرَبِيّ، فَضْلًا عَمّا يُضيفُهُ مِنْ تَعْقيداتٍ لِمِلَفّاتٍ إِقْليمِيَّةٍ مُلْتَهِبَة، رُبَّما كانَ مِنْ أَبْرَزِها مَلَفُّ المِياهِ المُشْتَعِلُ بَيْنَ مِصْرَ والسّودانِ مِنْ جِهَة، وإِثْيوبْيا مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، وَهُوَ ما قَدْ يُفْضي بِالضَّرورَة، حَسْبَما يَرى الدُّكْتورُ حَمْدي عَبْد الرَّحْمَن، أُسْتاذُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ في جامِعَةِ القاهِرَة، إلى تَغْييرٍ لافِتٍ في مَوازينِ القُوى في المِنْطَقَة، عَبْرَ بُزوغِ تَحالُفٍ بَيْنَ "أَرْضِ الصومالِ" وإِسْرائيلَ وإِثْيوبْيا، وَقَدْ قامَتِ الأَخيرَةُ بِالفِعْل، بِتَوْقيعِ اتِّفاقٍ مَعَ رَئيسِ ما يُسَمّى بِـ"أَرْضِ الصّومال"، تَمْنَحُ بِمُقْتَضاه، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها دَوْلَةٌ غَيْرُ سَاحِليةٍ، إِمْكانِيَّةَ الوُصولِ التِّجارِيِّ والعَسْكَرِيِّ المُباشِرِ إلى البَحْرِ الأَحْمَر، عَبْرَ اسْتِئْجارِ ميْناءٍ عَسْكَرِيٍّ على خَليجِ عَدَن، وَما حَوْلَهُ مِنْ أَراضٍ على السّاحِلِ الصّوماليِّ لِمُدَّةِ 50 عامًا، في مُقابِلِ وَعْدٍ بِالاعْتِرافِ بِـ"أَرْضِ الصّومالِ" رَسْمِيًّا كَدَوْلَةٍ ذاتِ سِيادَة.

يَمْتَدُّ الشَّريطُ السّاحِلِيُّ لِإِقْليمِ "أَرْضِ الصّومالِ" بِطولِ ساحِلِ خَليجِ عَدَن، على مَسافَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ 740 كيلومِتْرًا، وَهُوَ ما يُضْفي عَلَيْهِ أَهَمِّيَّةً اسْتْراتيجِيَّةً كُبْرى، بِما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ مَوْقِعٍ مُتَمَيِّز، عِنْدَ نُقْطَةِ الْتِقاءِ المُحيطِ الهِنْدِيِّ بِالبَحْرِ الأَحْمَرِ في مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، إلى جانِبِ ما يُمَثِّلُهُ ميْناءُ بَرْبَرَةَ المَوْجودُ داخِلَ الإِقْليم، مِنْ أَهَمِّيَّةٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ كُبْرى، حَوَّلَتْهُ على مَدارِ عُقودٍ إلى مِحْوَرِ صِراع، بَيْنَ أَطْرافٍ إِقْليمِيَّةٍ وَدَّوْلِيَّةٍ عِدَّة، سَعَتْ لِلهَيْمَنَة ـ وَلا تَزالُ ـ على مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ إِسْرائيلُ بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ إلى حَلْبَةِ الصِّراع، بَعْدَ ما يُسَمّى بِثَوْراتِ "الرَّبيعِ العَرَبِيّ"، وَما أَسْفَرَتْ عَنْهُ مِنْ تَغَيُّراتٍ لافِتَةٍ في بُنْيَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، في ظِلِّ ما أَفْضَتْ إِلَيْهِ مِنْ تَحَوُّلاتٍ نَوْعِيَّة، أَعادَتْ حَسْبَما تَرى الدُّكْتورَةُ نَجاح عَبْد الفَتَّاح الرَّيِّسِ، أُسْتَاذَةُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ في كُلِّيَّةِ السِّياسَةِ والِاقْتِصادِ بِجامِعَةِ بَنِي سُوَيْف، تَشْكيلَ خَريطَةِ التَّوازُناتِ الأَمْنِيَّةِ والجِيوسِياسِيَّة، كَنَتيجَةٍ مُباشِرَةٍ لِتَغَيُّرِ النِّظامِ العَرَبيِّ التَّقْليدِيّ، وَظُهورِ فَواعِلَ جَديدَةٍ مِنْ غَيْرِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَهُوَ ما مَهَّدَ الطَّريقَ أَمامَ نَجاحِ إِسْرائيلَ في إِعادَةِ صِياغَةِ عَقيدَتِها الأَمْنِيَّة، لِتَتَجاوَزَ النَّموذَجَ التَّقْليدِيَّ الذي يَعْتَمِدُ على الرَّدْعِ العَسْكَرِيّ، إلى نَموذَجٍ جَديد، يَعْتَمِدُ على التَّغَلغُلِ السِّياسيِّ إلى العَديدِ مِنَ السّاحاتِ العَرَبِيَّة، مِنْ خِلالِ العَديدِ مِنَ الأَدَواتِ النّاعِمَةِ مِثْلَ الإِعْلامِ والمُساعَداتِ الإِنْسانِيَّة، والشَّرِكاتِ الوَسيطَة، جَنْبًا إلى جَنْبٍ مَعَ اسْتِخْدامِ الضَّغْطِ الأَمِيرْكيِّ إِذَا ما تَطَلَّبَ الأَمْر، كَوَسيلَةٍ لِلتَّقارُبِ مَعَ بَعْضِ الأَنْظِمَة.
تَبْدو التَّحَرُّكاتُ الإِسْرائيليةُ الأَخيرَةُ في مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، أَشْبَهَ بِقِصَّةِ "حِصانِ طْرُوّادَة"، التي خَلَّدَتْها مَلحَمَةُ "الإِنْيادة" لِلشَّاعِرِ الرومانيِّ فيرْجيل، وَهِيَ تَأْتي نِتاجًا طَبيعِيًّا لِحالَةِ الانْقِسامِ وَغِيابِ التَّنْسيقِ التي ضَرَبَتِ العالَمَ العَرَبِيَّ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْن، بَعْدَما نَجَحَتْ دَوْلَةُ الكِيانِ في اسْتِغْلالِ تِلكَ الحالَة، في إِعادَةِ صِياغَةِ عَلاقاتِها مَعَ العَديدِ مِنْ دُوَلِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، بِما يَخْدُمُ مَصالِحَها الاسْتْراتيجِيَّةِ والأَمْنِيَّة، وَفْقَ عَقيدَةٍ أَمْنِيَّةٍ جَديدَةٍ، لَمْ تَعُدْ تَعْتَمِدُ فَحَسْب، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتورُ أُسامَة فاروق مُخَيْمِر، أُسْتاذُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ في كُلِّيَّةِ السِّياسَةِ والِاقْتِصاد، على القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، وَإِنَّما على الرَّدْعِ الدّيبْلوماسِيّ، بَعْدَما اكْتَسَبَتْ قُدْرَةً اسْتِباقِيَّةً عالِيَة، على مَعْرِفَةِ التَّحَرُّكاتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ لِخُصومِها والتَّأْثيرِ على قَراراتِهِم، وَفْقَ تَحَوُّلٍ هَيْكَلِيٍّ في نَهْجِها تُجاهَ البيئَةِ الإِقْليمِيَّة، تَمَثَّلَ في الانْتِقالِ إلى اسْتْراتيجِيَّةٍ هَجينَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الإِدْراكِ الوُجودِيِّ لِلتَّهْديدات، والاسْتِخْدامِ المَرِنِ لِأَدَواتِ القُوَّةِ الصَّلبَةِ والنّاعِمَة، بِهَدَفِ بَسْطِ نُفوذِها الإِقْليمِيّ.

يَتَجاوَزُ الاعْتِرافُ الإِسْرائيلِيُّ بِإِقْليمِ "أَرْضِ الصّومالِ" الانْفِصالي في خُطورَتِه، حَسْبَ الكَثيرِ مِنَ الخُبَراء، حُصولَ دَوْلَةِ الكِيانِ على مَوْطِئِ قَدَمٍ على خَليجِ عَدَن، لَكِنَّهُ يَمْتَدُّ إلى مَخاطِرَ اسْتْراتيجِيَّةٍ أُخْرى أَكْبَرَ وأَعْمَق، تَمَسُّ اسْتِقْرارَ مِنْطَقَةِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، وَتَطالُ أَمْنَ البَحْرِ الأَحْمَر، عَبْرَ السَّعْيِ نَحْوَ تَعْميقِ العَديدِ مِنَ الأَزْماتِ التي تُعاني مِنْها العَديدُ مِنْ دُوَلِ المِنْطَقَة، وَإِعادَةِ إِنْتاجِ الصِّراعاتِ في واحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ هَشَاشَة، مِنْ أَجْلِ بِناءِ شَبَكاتِ نُفوذٍ صُهْيونِيَّة، وَتَحالُفاتٍ أَمْنِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ جَدِيدَة، تُتيحُ لِإِسْرائيلَ مَجالاتٍ جَديدَةً لِلمُناوَرَةِ والتَّأْثير، وَرُبَّما فَرْضَ قَواعِدِ اشْتِباكٍ جَديدَةٍ على العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُشاطِئَةِ لِلبَحْرِ الأَحْمَر، بَعْدَ تَعْديلِ مُعادَلاتِ الرَّدْعِ في أَكْثَرِ مِنْ ساحَةٍ إِقْليمِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

