تَجْمَعُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ دُوَلِ شَمالِ أَفْريقْيا والتي تَقَعُ جَميعُها في الصَّحْراءِ الأَفْريقِيَّةِ الكُبْرى (صَحارى)، وَهِيَ أَعْلى صَحاري العالَمِ جَفافًا وَحَرارَةً وَقُحولَةً، وَسُمِّيَتْ باقي الدُّوَلِ الأَفْريقِيَّةِ نِسْبَةً إِلَيْها بِاسْمِ "دُوَلِ جَنوبِ الصَّحْراءِ". وَجَمَعَتْ أَيْضًا بَيْنَ دُوَلِ صَحْراءِ شِبْهِ الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةِ والتي تُعاني تَمامًا مِنَ الفَقْرِ المائيِّ الشَّديدِ وَبِلا أَنْهارٍ أَوْ مِياهٍ جَوْفِيَّةٍ قَليلَةِ الأَمْلاح. وَيَكادُ تَقْتَصِرُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ التي تَجْري فيها الأَنْهارُ على مِصْرَ والسّودانِ وَلُبْنانَ وَموريتانْيا ثُمَّ سورْيا والعِراقِ اللَّتَيْنِ أَصْبَحَتا في حالَةِ جَفافٍ وَمُعاناةٍ مِنْ جَفافِ أَغْلَبِ أَنْهارِهِما.
نسبة المواطنين العرب الذين يُعانون من الجوع ونقص التغذية ارتفعت إلى 12.9%
على ذَلِك، فَلا غَرابَةَ مِنْ أَنْ تَكونَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ هِيَ أَكْبَرُ مَناطِقِ العالَمِ اسْتِيرادًا لِلغِذاءِ عامَّةً وَلِلحُبوبِ خاصَّةً، وَلا مَجالَ قَريبًا لِلتَّغَلُّبِ على الفَجْوَةِ الغِذائِيَّةِ العَرَبِيَّةِ لِأَنَّ المِياهَ العَذْبَةَ في العالَمِ ثَابِتَةٌ، وَأَنَّ الجَفافَ الذي يَضْرِبُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ دائِمٌ وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ تَغْييرُهُ على المَدى القَريب، وَأَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ أَصْبَحَتْ تَجْمَعُ بَيْنَ صِفَتَيْ الجَفافِ والقَحْط، وَمُؤَخَّرًا تَداعِياتِ تَغَيُّراتِ المُناخِ والاحْتِرارِ العالَميِّ وَتَأْثيراتِهِ على مِياهِنا القَليلَةِ وَتَدَهْوُرِ التُّرَبِ الزِّراعِيَّة.
وَبِمُراجَعَةِ التَّقْريرِ السَّنَوِيِّ الصّادِرِ عَنِ "المُنَظَّمَةِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّةِ" عَنْ أَحْوالِ "الأَمْنِ الغِذائيِّ العَرَبي" في العامِ المُنْقَضي، فَقَدْ أَشارَ التَّقْريرُ إلى أَنَّ نِسْبَةَ المُواطِنينَ العَرَبِ الذينَ يُعانونَ مِنَ الجوعِ وَنَقْصِ التَّغْذِيَةِ قَدِ ارْتَفَعَتْ إلى 12.9% (المُتَوَسِّطُ العالَمِيُّ 9.2%) بِإِجْمالِيّ نَحْوِ 60 مِليونَ عَرَبِيٍّ مِنْ إِجْمالِيّ عَدَدِ السُّكّانِ البالِغِ 475 مِليونَ نَسَمَةٍ، وارْتَفَعَتْ نِسْبَةُ المُتَضَرِّرينَ مِنْ نَقْصِ التَّغْذِيَةِ بِنَحْوِ 76 مِليونَ نَسَمَةٍ مُنْذُ عامِ أَلفَيْن. هَذِهِ النِّسَبُ مُعَرَّضَةٌ لِلزِّيادَةِ بِسَبَبِ تَداعِياتِ التَّغَيُّرِ المُناخيِّ على تَدَهْوُرِ وَتَصَحُّرِ التُّرَبِ العَرَبِيَّةِ وَتَراجُعِ المَوارِدِ المائِيَّةِ وَتَبَخُّرِها بِسَبَبِ الِاحْتِرارِ العالَمِيّ، وَبِالتّالِي فَإِنَّ تَراجُعَ المَوارِدِ المائِيَّةِ والتُّرَبِ الزِّراعِيَّةِ سَوْفَ يَزيدُ مِنْ عُمْقِ الفَجْوَةِ الغِذائِيَّةِ العَرَبِيَّة.
الفرق واضح بين الأمن الغذائي وهو توافر السلع في الأسواق وبين الاكتفاء الذاتي
كَما أَشارَ التَّقْريرُ إلى أَنَّ تَداعِياتِ النِّزاعاتِ الإِقْليمِيَّةِ في دُوَلٍ مِثْلَ اليَمَن، وَسورْيا، والسّودان، تَسَبَّبَتْ في تَدْميرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الزِّراعِيَّةِ والمائِيَّة، وَنُزوحِ السُّكّان، مِمّا أَدَّى إلى نَقْصٍ حادٍّ في الإِنْتاجِ الغِذائيِّ وَزِيادَةِ مُعَدَّلاتِ الفَقْرِ والجوع. كَما أَشارَ إلى تَأْثيراتِ الحَرْبِ الرّوسِيَّةِ - الأوكْرانِيَّةِ على الأَمْنِ الغِذائيِّ العَرَبيِّ والعالَميِّ حَيْثُ يَتَحَكَّمُ البَلَدانِ في نَحْوِ 34% مِنْ تِجارَةِ الغِذاءِ في العالَمِ وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِما الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ في اسْتيرادِ نَحْوِ 80% مِنْ احْتِياجاتِها مِنَ القَمْحِ وَباقي الحُبوبِ وَزُيوتِ الطَّعام، بِما أَدّى إلى تَعْطيلِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ لِلسِّلَعِ الأَساسِيَّةِ مِثْلَ الحُبوبِ والزُّيوت، مِما أَدّى إلى زِيادَةِ المُخَصَّصاتِ المالِيَّةِ لاسْتِيرادِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ مِنْ مَناشِئَ أُخْرى وارْتِفاعِ الأَسْعار.
وأَضافَ التَّقْريرُ أَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ تَسْتَوْرِدُ نَحْوَ 60% مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ القَمْحِ وَنَحْوَ 90% مِنِ احْتِياجاتِها مِنْ زُيوتِ الطَّعام، وَلَكِنْ يُحْسَبُ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ أَنَّها على الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ الفَجْوَةِ الغِذائِيَّةِ إِلّا أَنَّها وَفَّرَتْ لِشُعوبِها الأَمْنَ الغِذائِيَّ اللّازِمَ والذي يَعْني تَوافُرَ جَميعِ السِّلَعِ الغِذائِيَّةِ سَواءً مِنَ الإِنْتاجِ المَحَلّيِّ أَوْ بِالاسْتيراد، على الرَّغْمِ مِنِ ارْتِفاعِ الأَسْعارِ العالَمِيَّةِ وَما يَتْبَعُهُ مِنِ ارْتِفاعِها مَحَلِّيًّا، وَهُنا نُذَكِّرُ بِأَنَّ الفَرْقَ واضِحٌ بَيْنَ الأَمْنِ الغِذائيِّ وَهُوَ تَوافُرُ السِّلَعِ في الأَسْواقِ وَبَيْنَ الِاكْتِفاءِ الذّاتِيّ.
نسبة الفاقد في استغلال المياه العربية تصل إلى 30%
لا تَزيدُ المِساحَةُ المُنْزَرِعَةُ في البُلدانِ العَرَبِيَّةِ عَنْ 5% فَقَطْ مِنَ المِساحَةِ الجُغْرافِيَّة، وَلا تَزيدُ نِسَبُ الاسْتِثْمارِ الزِّراعيِّ عَنْ 4.7% وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ المُعَدَّلِ العالَميِّ البالِغِ 10%. وَما زال نَصيبُ الفَرْدِ العَرَبِيِّ مِنَ الأَراضي الزِّراعِيَّةِ أَقَلَّ مِنَ المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ. وَفي مَجالِ تَوافُرِ المِياهِ العَذْبَة، فَقَدْ أَشارَ التَّقْريرُ إلى أَنَّ 19 دَوْلَةً عَرَبِيَّةً يَقْطُنُها نَحْوَ 392 مِليونَ نَسَمَةٍ، أَيْ ما يُعادِلُ 90% مِنْ إِجْمالِيّ السُّكّان، تَحْتَ خَطِّ الفَقْرِ المائيِّ السَّنَوِيّ، حَيْثُ تَقِلُّ كَمِيَّةُ المِياهِ المُتَجَدِّدَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ سَنَوِيًّا عَنْ 1000 مِتْرٍ مُكَعَّبٍ، وَهُوَ حَدُّ السَّتْرِ المائيِّ الذي حَدَّدَتْهُ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ لِكَيْ يَعيشَ الإِنْسانُ في عَدَمِ مُعاناةٍ. بِالإِضافَةِ إلى ذَلِك، تَقَعُ 13 دَوْلَةً عَرَبِيَّةً ضِمْن نِطاقِ نُدْرَةِ المِياهِ المُطْلَقَة، حَيْثُ يَقِلُّ فيها نَصيبُ الفَرْدِ عَنْ 500 مِتْرٍ مُكَعَّبٍ لِلفَرْدِ سَنَوِيًّا.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذا الفَقْرِ المائيِّ إِلّا أَنَّ القِطاعَ الزِّراعِيَّ العَرَبِيَّ يَسْتَهْلِكُ مُتَوَسِّطَ 84% مِنَ المَوارِدِ المائِيَّةِ العَرَبِيَّةِ في قِطاعِ الزِّراعَةِ مُقَارَنَةً بِالمُتَوَسِّطِ العالَمِيِّ البالِغِ 70% وَذَلِكَ بِسَبَبِ الزِّراعَةِ البِدائِيَّةِ وَسوءِ إِدارَةِ المِياه. وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ القِطاعَ الزِّراعِيَّ المُسْتَهْلِكَ الرَّئِيسِيَّ لِلمِياهِ لا يُساهِمُ في النّاتِجِ المَحَلّيِّ العَرَبيِّ بِأَكْثَرَ مِنْ 7% فَقَطْ (القِطاعُ الصِّناعِيُّ يَسْتَهْلِكُ 10% فَقَطْ مِنَ المِياهِ وَيُشَارِكُ في النّاتِجِ المَحَلّيِّ بِنَحْوِ 25%) وَتَزيدُ قَليلًا في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الأَقَلِّ دَخْلًا التي يُمَثِّلُ القِطاعُ الزِّراعِيُّ فيها المَصْدَرَ الأَوَّلَ لِلدَّخْل. وأَشَارَ التَّقْريرُ إلى أَنَّ نِسْبَةَ الفاقِدِ في اسْتِغْلالِ المِياهِ العَرَبِيَّةِ تَصِلُ إلى 30% وَيَنْبَغي إِعادَةُ النَّظَرِ فيها وَتَحْديثُ إِدارَةِ المِياه.
الفجوة الغذائية الأكبر في العالم العربي تكمن في السكّر والقمح والشعير والذرة والأرز وزيوت الطعام
وَفيما يَخُصُّ أَزْمَةَ الغِذاءِ العَرَبيِّ فَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَسْعارُ الغِذاءِ في نِهايَةِ عامِ 2023 بِنِسَبٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 25 وَ 75% في مُخْتَلِفِ البُلدانِ العَرَبِيَّة، وَزادَتْ وارِداتُها مِنَ القَمْحِ بِنِسَبٍ وَصَلَتْ إلى 80% في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة. وَفي مَجالِ الأَمْنِ الغِذائيِّ العَرَبِيّ، تَسْتَوْرِدُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ نَحْوَ 40-60% مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ القَمْح، وَنَحْوَ 58% مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ الذُّرَةِ الشّامِيَّة، وَنَحْو 85-90% مِنِ احْتِياجاتِها مِنْ زَيْتِ زَهْرَةِ الشَّمْسِ، وَنَحْوِ 70-80% مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ السُّكَّر. وَفيما يَخُصُّ الأَسْمِدَة، تُقَدَّرُ نِسْبَةُ اسْتيرادِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ الأَسْمِدَةِ بِنَحْوِ 50-60%. وَبَلَغَتْ تَكالِيفُ اسْتيرادِ الغِذاءِ نَحْوَ 80 مِليارَ دولارٍ عامَ 2023 بَعْدَ أَنْ تَجاوَزَتْ 90 مِليارَ دولارٍ بَعْدَ نُشوبِ الحَرْبِ الأوكْرانِيَّةِ - الرّوسِيَّة.
وَفي مَجالِ مُتَوَسِّطِ الإِمْداداتِ اليَوْمِيَّةِ مِنَ البْروتينِ لِلفَرْدِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ بَلَغَ نَحْوِ 79.2 غْرامًا في عامِ 2023، وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ المُتَوَسِّطِ العالَميِّ البالِغِ نَحْوِ 83.9 غْرامًا لِلفَرْدِ في اليَوْم. وَيَظْهَرُ أَنَّ البْروتينَ النَّباتِيَّ لا يَزالُ المَصْدَرَ الأَسَاسِيَّ لِلبْروتينِ في مُعْظَمِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة. وَلا تُحَقِّقُ البُلدانُ العَرَبِيَّةُ الاكْتِفاءَ الذّاتِيَّ الكامِلَ إِلّا في الأَسْماكِ وَنِسْبِيًّا (أَعْلى مِنْ 90%) في البَطاطِسِ والخَضْراواتِ والفاكِهَةِ والبَيْض، بَيْنَما تَبْلُغُ الفَجْوَةُ الأَكْبَرَ في السُّكَّرِ والقَمْحِ والشَّعيرِ والذُّرَةِ والأرُزِ وَزُيوتِ الطَّعام.
(خاص "عروبة 22")

