صحافة

مبدأ "دونرو ترامب": هل عدنا لعصر الاستعمار وإسقاط الأنظمة؟

عبدالله خليفة الشايجي

المشاركة
مبدأ

يتصاعد الغضب والانتقادات ضد مغامرات وتهديد الرئيس ترامب لأسس النظام العالمي حول العالم، معظمها مكبوتة، وذلك لعدم استفزاز الرئيس ترامب الذي لعبت الولايات المتحدة الدور الرئيسي بهندسته وتشكيله عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بتركيبته الثنائية القطبية، وصراع الحرب الباردة بين الغرب بقيادة واشنطن، ضد الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي.

يتابع العالم اليوم بصدمة وغضب التجاوزات والاعتداء على سيادة الدول وخرق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة باستخدام القوة الغاشمة. وسبقت ذلك حروب أمريكا في ربع القرن الماضي على أفغانستان والعراق وليبيا واليمن والسودان. ومقترح ترامب وكوشنير بتحويل قطاع غزة لمنتجعات "ريفييرا الشرق". في عام ترامب الأول قصفت القوات الأمريكية سبع دول من إيران وأفغانستان وسوريا والصومال واليمن ونيجيريا. وتهدد بتوسيع قوس القصف والحروب والقرصنة البحرية، بالسطو على ناقلات نفط فنزويلية.

صدم الرئيس ترامب الجميع بالاعتداء على سيادة فنزويلا-بمهاجمة القوات الأمريكية الخاصة بأوامر من الرئيس ترامب فنزويلا واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس-بتهمة تصدير المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة-وتزعمه كارتيل مخدرات الشمس (لا وجود له).

في اعتداء غير مسبوق على سيادة جمهورية فنزويلا البوليفارية، وعلى الحصانة الرئاسية لرئيس دولة يتمتع بحصانة رئاسية ـ واختطافه لمحاكمته في الولايات المتحدة. واعتقاله في سجن في نيويورك بتهم رئاسته "كارتيل مخدرات الشمس" وتصدير المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة دون تقديم أدلة دامغة. وتأجلت محاكمته حتى 17 مارس المقبل. وأكد الرئيس ترامب الذي احتجزت قوات خفر السواحل عدة ناقلات نفط تخضع لعقوبات أمريكية، وصادرت شحنتها. وغرد ترامب منتشياً عن موافقة فنزويلا على تقديم 30 مليون برميل نفط للولايات المتحدة. ويكرر أن الولايات المتحدة من ستدير شؤون فنزويلا!

وسبق في خرق للقوانين، شن القوات الأمريكية غارات على مواقع داعش في نيجيريا (أغنى دولة أفريقية بالنفط) يوم الميلاد بحجة الدفاع عن المسيحيين. وهدد ترامب جنوب أفريقيا ورفض المشاركة في قمة الدول العشرين احتجاجا على ما يدعيه التمييز ضد أقلية الأفريكانز البيض ضد عنصرية واضطهاد الأغلبية السوداء. وهم الوحيدون الذي يسمح الرئيس ترامب منحهم اللجوء إلى الولايات المتحدة لكونهم بيضا.

يصف ترامب سياسته بـ "عقيدة دونرو" لتشابهها مع مبدأ مونرو قبل قرنين، حسب وثيقة استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي بجعل أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. وعودة الولايات المتحدة لعصر الاستعمار والإمبريالية. وكذلك عودة لعهد إسقاط الأنظمة. نذكر أن الرئيس أيزنهاور أسقط بعملية استخباراتية عسكرية مع الاستخبارات البريطانية-حكومة محمد مصدق في إيران عام 1953-بعد تأميمه النفط الإيراني. وهو ما قام به ترامب في فنزويلا وحول العالم!! ما أشبه الليلة بالبارحة!!

ويكرر ترامب اليوم بذريعة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، بإضافة لشروطه وبتحريض من نتنياهو منع أي نسبة تخصيب لليورانيوم، ومن تطوير برنامجها الصاروخي، بتهديده أن الولايات المتحدة ستلحق ضربة قاسية بإيران إذا قتلت المتظاهرين السلميين.. وللمفارقة قتلت قوات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية- امرأة في سيارتها في مدينة منيابولس عاصمة ولاية منسيوتا وأصابت شخصين بجراح في مدينة بورتلاند كبرى مدن ولاية أوريغون على الساحل الغربي للولايات المتحدة.

وصعّد الرئيس ترامب الأسبوع الماضي بتعليقه لنيويورك تايمز بأن ما يقيده هو "قيمه الأخلاقية الشخصية وليس القانون الدولي". مرتكزا على موقف القوة الطاغية-والتصرف كدولة عظمى. لذلك يستمر بتهديده للنظام العالمي. ويستمر بتهديده المكسيك وكولومبيا وكوبا وإيران. ورد المرشد الأعلى متهما المخربين الذين بتصرفاتهم يدعمون الولايات المتحدة الملطخة يديها بدماء الإيرانيين. في إشارة لحرب ترامب على إيران ومنشآتها النووية في عمليتي الأسد الناهض ومطرقة منتصف الليل. في حرب الاثني عشر يوما. في أول وأقوى اعتداء وعملية عسكرية مباشرة ضد إيران.

بعد تهديد الرئيس ترامب باستهداف إيران، طالب وحرّض رضا بهلوي ولي العهد السابق من المنفى (منذ فرار والده الشاه عام 1979) "التدخل العاجل دعما للاحتجاجات في إيران". بعدما أشار ترامب عن خروج الملايين إلى الشوارع. وبقي الحلفاء الأوروبيون يلوذون بالصمت حول مخالفات وتصعيد ترامب- من فنزويلا وأمريكا اللاتينية إلى غزة وجنوب أفريقيا ونيجيريا. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت إصرار الرئيس ترامب الاستحواذ على غرينلاند برغم تمتعها بحكم ذاتي، وتخضع لسيادة الدانمارك الحليف في الناتو والاتحاد الأوروبي. وذلك لأهمية موقع غرينلاند الاستراتيجي للأمن القومي الأمريكي. ولمواجهة الصين وروسيا وقربها من المحيط المتجمد الشمالي. وهدد ترامب بالاستحواذ عليها سلماً أو حرباً!!

ملفت غضب واستياء الحلفاء الأوروبيين ضد سياسة فرد العضلات التي يقودها ترامب، وانعكاسها على مستقبل العلاقات داخل حلف الناتو. خاصة أن الأوروبيين محرجون ومشتتون حول موقفهم في حال اعتدى ترامب على سيادة الدانمارك واحتلال غرينلاند! ما سيُحدث شرخا داخل حلف الناتو! في حال طلبت الدانمارك تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو بدعم جميع الأعضاء 32 ضد المعتدي. وقد ينهي دور ومكانة أنجح تحالف عسكري في التاريخ!!

وبدأ الحديث عن نهاية "الناتو" في حال أصر الرئيس ترامب على الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. واقترح حزب "فرنسا الأبية" في البرلمان انسحاب فرنسا من حلف الناتو!! وتتصاعد مطالب القادة الأوروبيين إنهاء التبعية للموقف الأمريكي. ويلمّحون بخيارات-منها "حان الوقت للحوار بين أوروبا وروسيا". واقتراح التواصل مع جميع الأطراف حول حرب أوكرانيا. وتعيين مبعوث خاص للحوار الأوروبي- الروسي، ويدعمه قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن