الأمن الغذائي والمائي

نَحْوَ التَّوَسُّعِ بِالاسْتِزْراعِ السَّمَكي: حَلٌّ فَعّالٌ لِتَحْقيقِ الأَمْنِ الغِذائيِّ العَرَبي!

الاسْتِزْراعُ السَّمَكِيُّ هُوَ نَشاطٌ إِنْتاجِيٌّ يَقومُ على تَرْبِيَةِ الأَسْماكِ في بيئاتٍ مائِيَّةٍ يَتِمُّ التَّحَكُّمُ فيها كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا بِغَرَضِ تَحْقيقِ إِنْتاجٍ مُسْتَمِرٍّ وَمُنْتَظِمٍ مِنْ الأَسْماك. وَيُعَدُّ الاسْتِزْراعُ السَّمَكِيُّ مِنْ أَهَمِّ الأَنْشِطَةِ الإِنْتاجِيَّةِ الحَديثَةِ التي اكْتَسَبَتْ أَهَمِّيَّةً مُتَزايِدَةً في العُقودِ الأَخيرَةِ خاصَّةً في ظِلِّ التَّحَدِّياتِ التي تُواجِهُ الأَمْنَ الغِذائِيَّ العالَمِيَّ وازْدِيادِ الطَّلَبِ على البْروتِينِ الحَيَوانيِّ وَتَراجُعِ المَخْزونِ الطَّبيعيِّ مِنَ الأَسْماكِ بِسَبَبِ الصَّيْدِ الجائِرِ والتَّغَيُّراتِ البيئِيَّة.

نَحْوَ التَّوَسُّعِ بِالاسْتِزْراعِ السَّمَكي: حَلٌّ فَعّالٌ لِتَحْقيقِ الأَمْنِ الغِذائيِّ العَرَبي!

عَرَبِيًّا، تَبْرُزُ أَهَمِّيَةُ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ بِشَكْلٍ خاص، نَظَرًا لِما تُعانيهِ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ فَجَواتٍ غِذائِيَّةٍ وَنُدْرَةِ المِياهِ العَذْبَة، وارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ النُّمُوِّ السُّكّانِيّ، وَلِذا يُعَدُّ الِاسْتِزْراعُ السَّمَكِيُّ أَحَدَ أَهَمِّ الحُلولِ الاسْتْراتيجِيَّةِ لِتَحْقيقِ الاكْتِفاءِ الذّاتيِّ مِنَ الأَسْماكِ عَرَبِيًّا، وَدَعْمِ الاقْتِصاداتِ الوَطَنِيَّةِ وَتَوْفيرِ فُرَصِ عَمَلٍ جَديدَة.

بَدَأَ الاهْتِمامُ بِالاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ في الوَطَنِ العَرَبيِّ بِشَكْلٍ مَحْدودٍ ثُمَّ تَطَوَّرَ تَدْريجِيًّا مَعَ إِدْراكِ الحُكوماتِ لِأَهَمِّيَّتِهِ الاقْتِصادِيَّة، وَتُعَدُّ دُوَلٌ مِثْلُ مِصْرَ والسُّعُودِيَّةِ والمَغْرِبِ وَتُونِسَ مِنْ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الرّائِدَةِ في هَذا المَجالِ حَيْثُ ساهَمَتْ المَشْروعاتُ القَوْمِيَّةُ والدَّعْمُ الحُكومِيُّ والاسْتِثْمارُ الخاصُّ في تَعْزيزِ إِنْتاجِ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ وَتَحْسينِ كِفاءَتِه.وَتُفيدُ الإِحْصائِيّاتُ بِأَنَّ إِجْمالي الأَسْماكِ المُنْتَجَةِ مِنَ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ في تِلكَ الدُّوَلِ يَتَجاوَزُ المِليونَيْ طُنٍّ سَنَوِيًّا، وَهُوَ ما يُعَدُّ قَفْزَةً كَبيرَةً مُقارَنَةً بِعُقودٍ سابِقَةٍ كانَ الإِنْتاجُ فيها مَحْدودًا لِلغايَة.

وَتُعَدُّ مِصْرُ الدَّوْلَةَ الأولى عَرَبِيًّا في مَجالِ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ حَيْثُ تُنْتِجُ وَحْدَها نَحْوَ ثُلُثَيْ الإِنْتاجِ العَرَبيِّ مِنْ الأَسْماكِ المُسْتَزْرَعَة، بِإِجْمالي إِنْتاجٍ سَنَوِيٍّ يَبْلُغُ نَحْوَ مِليونٍ وَ٧٠٠ أَلْفِ طُنٍّ تُغَطّي نَحْوَ ٧٥-٨٠% مِنَ الاسْتِهْلاكِ المَحَلّي.

في المُقَابِل، فَإِنَّ أَغْلَبَ دُوَلِ الخَليجِ تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اعْتِمادًا على اسْتيرادِ الأَسْماكِ نَظَرًا لِمَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ المائِيَّةِ العَذْبَةِ وارْتِفاعِ الطَّلَبِ المَحَلّي حَيْثُ تَسْتَوْرِدُ كَمِّياتٍ كَبيرَةً مِنَ الأَسْماكِ المُجَمَّدَةِ والمُصَنَّعَة.

الاستزراع السمكي يُسهم في تنمية صناعات عديدة مُرتبطة به ممّا يخلق فرص عمل ويُحسّن دخل العمال

وَلَكِنَّ اسْتيرادَ الأَسْماكِ لا يَقْتَصِرُ فَقَطْ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ ذاتِ الإِنْتاجِ الضَّعيف، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا دُوَلًا مُنْتِجَةً لِلأَسْماكِ إِلّا أَنَّ اسْتيرادَها يَكونُ مُوَجَّهًا لِتَوْفيرِ أَنْواعٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأَسْماكِ أَوْ لِتَحْقيقِ التَّنَوُّعِ المَطْلوبِ في الأَسْواق.

على سَبيلِ المِثال، وعلى الرَّغْمِ مِنْ مَشاريعِ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ في مِصْرَ فإِنَّها تَظَلُّ أَكْبَرَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَوْرِدَةِ لِلأَسْماك. وَتَحْتَلُّ الإِماراتُ مَرْتَبَةً عاليةً بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَوْرِدَةِ لِلأَسْماكِ بِقيمَةٍ تَصِلُ لِنَحْوِ ٥٨.٩ مِليونَ دولارٍ نَظَرًا لِارْتِفاعِ الاسْتِهْلاكِ المَحَلّي وَزِيادَةِ الطَّلَبِ على الأَسْماكِ البَحْرِيَّةِ المَرْغوبِ بها عادَةً في الأَسْواق.

وَتُظْهِرُ الإِحْصاءاتُ أَنَّ مِصْرَ تُمَثِّلُ مَعَ الإِماراتِ والسُّعُودِيَّةِ نَحْوَ ٦٢% مِنْ وارِداتِ الأَسْماكِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة.

كَما تَعْتَمِدُ كُلٌّ مِنْ الكُوَيْتِ وَقَطَرٍ بِشَكْلٍ شِبْهٍ كامِلٍ على الاسْتيراد، بَيْنَما تُعَدُّ اليَمَنُ وَسَلطَنَةُ عُمانَ والمَمْلَكَةُ المَغْرِبِيَّةُ مِنْ أَبْرَزِ الدُّوَلِ المُصَدِّرَةِ لِلأَسْماكِ نَظَرًا لِطولِ سَواحِلِها البَحْرِيَّةِ التي تَكْفي الاسْتِهْلاكَ المَحَلّيَّ وَتُوَفِّرُ فائِضًا لِلتَّصْدير، مَعَ اعْتِمادٍ أَقَلَّ على الاسْتِزْراعِ السَّمَكِيّ.

وَبَلَغَتْ صادِراتُ المَغْرِب مِنْ الأَسْماكِ نَحْوَ ٨٤٧ أَلفَ طُنٍّ في عامِ ٢٠٢٣ بِقيمَةٍ تَصِلُ لِنَحْوِ ثَلاثَةِ مِلياراتِ دولارٍ وَتُعْتَبَرُ الأولى في تَصْديرِ السَّرْدينِ والقِشْرِيّاتِ والطَّحالِبِ عالَمِيًّا، وَتُسْهِمُ صِناعَةُ تَعْليبِ وَتَجْميدِ الأَسْماكِ بِنَحْوِ ٥٠% مِنْ صادِراتِ الصِّناعاتِ الغِذائِيَّةِ المَغْرِبِيَّة.

يجب أن تُعطى المشكلات البيئية أولوية قصوى وعلى الحكومات العربية وضع القوانين اللازمة لمنع الصيد الجائر

وَمِنْ أَسْبَابِ الأَهَمِّيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ الكَبيرَةِ لِلاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ أَنَّهُ يُسْهِمُ في تَنْمِيَةِ صِناعاتٍ عَديدَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِهِ مِثْلَ صِناعاتِ الأَعْلافِ والتَّعْبِئَةِ والتَّبْريدِ والتَّدْخينِ مِمّا يَخْلُقُ فُرَصَ عَمَلٍ وَيُحَسِّنُ دَخْلَ العُمّال.

وَلَكِنْ هُناكَ بَعْضُ التَّحَدِّياتِ التي تُواجِهُ النُّمُوَّ والتَّوَسُّعَ في هَذا القِطاعِ والتي مِنْ أَهَمِّها شُحُّ المَوارِدِ المائِيَّةِ العَذْبَةِ في العَديدِ مِنْ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَهِيَ المِياهُ المُناسِبَةُ لِأَنْواعٍ بِعَيْنِها مِنْ الأَسْماك، بِالإِضافَةِ إِلَى ارْتِفاعِ تَكاليفِ الإِنْتاجِ التي تَشْمَلُ الأَعْلافَ والبُنْيَةَ التَّحْتِيَّة، وَهُناكَ أَيْضًا المُشْكِلاتُ البيئِيَّةُ مِثْلَ انْتِشارِ الأَمْراضِ وَتَلَوُّثِ المِياهِ النّاتِجِ عَنْ المُخَلَّفاتِ الصِّناعِيَّةِ والصَّرْفِ الصِّحّيِّ الذي يُؤَدّي لِنُفوقِ الأَسْماكِ أَوْ تَراجُعِ قُدْرَتِها على النُّمُوِّ والتَّكاثُر، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ يَجِبُ أَنْ تُعْطى أَوْلَوِيَّةً قُصْوى.

وَهُناكَ مُشْكِلاتُ نَقْصِ الكَوادِرِ الفَنِّيَّةِ المُدَرَّبَةِ وَضَعْفِ البَحْثِ العِلميِّ اللّازِمِ لِتَطْويرِ تِقْنِيّاتٍ حَديثَةٍ تُناسِبُ الظُّروفَ المَحَلِّيَّةَ وَتَتَغَلَّبُ على العَراقيلِ التي تُواجِهُ هَذا القِطاعَ الواعِد.

كَما يَجِبُ على الحُكوماتِ العَرَبِيَّةِ وَضْعُ القَوانينِ اللّازِمَةِ لِمَنْعِ الصَّيْدِ الجائِرِ الذي يَسْتَنْزِفُ المَخْزونَ السَّمَكِيَّ وَخاصَّةً الزَّريعَة (الأَسْماكَ في المَراحِلِ العُمْرِيَّةِ المُبَكِّرَة)، إِذْ إِنَّ صَيْدَ الزَّريعَةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ عِلمِيٍّ يُفَوِّتُ فُرْصَةَ تَرْبِيَتِها في مَزارِعِ الأَسْماك.

التكامل العربي في الاستثمار والبحث العلمي وتبادل الخبرات وتطوير البنية التحتية يزيد الإنتاجية ويُقلّل الاستيراد

وَهُناكَ حاجَةٌ ماسَّةٌ لِتَبَنّي تِقْنِيّاتِ الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ الحَديثَةِ مِثْلَ أَنْظِمَةِ تَدْويرِ المِياهِ عَبْرَ تَنْقِيَتِها بِواسِطَةِ نُظُمٍ فيزْيائِيَّةٍ وَبِيولوجِيَّةٍ بِما يُقَلِّلُ الحاجَةَ إلى ضَخِّ مِياهٍ جَديدَةٍ وَيُوَفِّرُ إِنْتاجًا مُسْتَمِرًّا طَوالَ العام.

أما الِاسْتِزْراعُ السَّمَكِيُّ المُكَثَّف، فَيَزيدُ كَثافَةَ الأَسْماكِ في المِتْرِ المُكَعَّبِ مِنْ "اثْنَتَيْن" إلى ١٥-٢٠ سَمَكَةً عَبْرَ تِقْنِيّاتٍ مُتَطَوِّرَةٍ لِلتَّغْذِيَةِ والتَّنَفُّس، وَهُناكَ مِثالٌ على تَطْبيقِ هَذِهِ التِّقْنِيّاتِ في بِرْكَةِ غَلْيون وَمَزارِعِ قَناةِ السُّوَيْسِ في مِصْر.

وَمِنَ الأَهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ كَذَلِكَ تَبَنّي النُّظُمِ المُتَطَوِّرَةِ لِإِنْتاجِ الأَعْلافِ والتَّوَسُّعِ في اسْتِزْراعِ الأَسْماكِ ذاتِ القيمَةِ الاقْتِصادِيَّةِ العالِيَة.

كَما يَجِبُ التَّوَجُّهُ نَحْوَ التَّكامُلِ العَرَبيِّ في مَجالاتِ الاسْتِثْمارِ والبَحْثِ العِلْميِّ وَتَبادُلِ الخِبْراتِ وَتَطْويرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، وَإِنْشاءِ مَزارِعَ سَمَكِيَّةٍ حَديثَةٍ نَموذَجِيَّةٍ تَقودُ التَّوَسُّعَ في الاسْتِزْراعِ السَّمَكيِّ بِما يَزيدُ الإِنْتاجِيَّةَ وَيُقَلِّلُ الاسْتيراد، وُصولًا إلى الاكْتِفاءِ الذّاتيِّ تَحْقيقًا لِلأَمْنِ الغِذائيِّ المُسْتَدامِ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، باعتبارِ هَذا القِطاعِ أَحَدَ أَكْثَرِ القِطاعاتِ الغِذائِيَّةِ نُمُوًّا في العالَم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن