تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند إعادة إنتخابه بإرساء السلام في المنطقة، منتقدًا سياسة أسلافه وتوريطهم واشنطن بحروب جانبية أثقلت كاهل الاقتصاد ولم تحقق أي نتيجة، ما أرسى حينها جوًا من التفاؤل. ولكن مع مرور عام واحد فقط على وصوله للبيت الأبيض، فقد نفّذ الجيش الأميركي عددًا من الضربات الجوية مشابهًا لعدد تلك التي نفّذها خلال رئاسة الرئيس السابق جو بايدن بأكملها، وفقا لإحصاء أجرته منظمة "أكليد" غير الحكومية التي أشارت إلى أن 672 ضربة جوية أو بطائرات مُسيّرة أمر بها ترامب مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية بايدن (2021-2025). وهذا الرقم ليس مجرد تفصيل بل يقدم دليلًا واضحًا على الخطة التي يتم اعتمادها حاليًا، والتي تتضمن فرض إرادة الولايات المتحدة خدمة لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصًأ أن "شهية" ترامب "مفتوحة" على المعادن النادرة والموارد الطبيعية من نفط وغاز.
وما حصل من فرض توقيع اتفاق مع أوكرانيا بشأن المعادن النادرة وبعدها إعتقال الرئيس الفنزويلي من قلب مسكنه في كراكاس وإعلان السيطرة على قطاع النفط والتهديد اليومي لجزيرة غرينلاند يقدم خير مثال أو نموذج على السياسة الأميركية المتبعة حاليًا والتي جسدها ترامب برفع شعار "أميركا أولًا" وإعادة رسم التوزانات وحتى العلاقات دون أي اعتبار للاتفاقيات أو المعاهدات الموقعة. وتشعر الدول الأوروبية أكثر من غيرها بالخوف والتوجس وهي تحاول إعداد خططًا بديلة والتكاتف في ما بينها للوقوف في وجه الخطط "الترامبية" ولكنها حتى الساعة لم تستطع أن يكون لها الدور الفصل في وقف حرب موسكو على كييف كما أن هناك عدة اختلافات بين أعضائها ما يصعّب التفاهم لكن دون أن يعدم وجود فرص "لا تزال قائمة". وأمام هذه "العسكرة" – إن صح التعبير – تبرز احتجاجات طهران التي دخل البيت الأبيض على خطها، متوعدًا بحماية المتظاهرين ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف، إذ قال الرئيس ترامب "يبدو أن حجم القتل بإيران كبير، لكننا لا نعرف ذلك على وجه اليقين، وسأعرف خلال 20 دقيقة وسنتصرف وفقًا لذلك". وأضاف "يبدو لي أن القيادة الإيرانية تصرفت بشكل سيئ للغاية".
في الأثناء، نقل موقع "أكسيوس" عن مصدر مطلع أن ترامب انضم لاجتماع بشأن إيران ترأسه نائبه دي فانس وحضره كبار أعضاء فريقه للأمن القومي، موضحًا أنه "تم إطلاع ترامب على الوضع في إيران". فيما أفاد موقع "بوليتيكو" نقلًا عن المتحدث باسم البنتاغون أن "وزارة الحرب مستعدة لتنفيذ أوامر الرئيس القائد العام في أي وقت وأي مكان". ولم يتخذ ترامب قرارًا نهائيًا بشأن أي عمل ضد إيران، خاصة أن أبواب الدبلوماسية "لم تُغلق بعد" من قبل الجانبين على الرغم من التصريحات اليومية العالية اللهجة. وفي هذا الإطار، بدا بارزًا ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" أنه خلف الكواليس، أبلغت السعودية وعُمان وقطر البيت الأبيض بأن أي محاولة للإطاحة بالنظام الإيراني ستزعزع أسواق النفط وفي النهاية تضرّ بالاقتصاد الأميركي. وبحسب الصحيفة، فإن الرياض أكدت لطهران رفضها التورط في أي صراع مُحتمل وعدم السماح للولايات المتحدة باستخدام أجوائها لتوجيه أي ضربات محتملة، في محاولة للابتعاد عن العمل الأميركي ومنعه، وفقًا لمسؤولين سعوديين. وبدأت الاحتجاجات الإيرانية في طهران أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي بسبب أزمة اقتصادية متفاقمة، وما لبثت أن تمدّدت وتوسعت في مختلف أنحاء البلاد، مما شكل تحديًا جسيمًا للنظام منذ وصوله إلى السلطة خلال الثورة الإسلامية عام 1979.
وفي خضم هذه التطورات، حثّت السلطات الأميركية رعاياها على مغادرة إيران برًا على الفور، إما إلى تركيا أو أرمينيا. ويترقب العالم ما ستؤول إليه الأمور خاصة أن واشنطن، إلى جانب حديثها عن الإقدام على ضربات جوية، تقوم بإجراء مقاربة واضحة للمشهد السياسي وذلك يمكن الاستدلال عليه بوضوح من خلال ما نشره موقع أكسيوس، مساء أمس، ومفاده أن مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف التقى مؤخرًا رضا بهلوي، نجل آخر شاه في إيران لمناقشة الاحتجاجات التي تجتاح أنحاء البلاد. ويعيش الأخير في منفاه في الولايات المتحدة الأميركية ولكنه يسعى إلى تقديم نفسه إلى الشارع "المنتفض" بصفته زعيمًا وطنيًا يحمل مشروعًا "إصلاحيًا ديمقراطيًا" مع دعوته إلى إسقاط "النظام القمعي" و"الحكم الديني"، ولكن وكالة "رويترز"، من جانبها، تساءلت عن حجم التأييد الذي يحظى به الأخير في إيران، لتجيب بأنه من الصعب قياس حجم التأييد لبهلوي الذي لم تطأ قدمه إيران منذ عقود، لكنها تقول إن مقاطع فيديو متداولة على وسائل للتواصل الاجتماعي أظهرت بعض المتظاهرين وهم يهتفون "يحيا الشاه"، بما يشير إلى أن رسائله ربما حفزت البعض.
هذه الوقائع وغيرها دفعت طهران إلى إطلاق سلسلة تصريحات "نارية" هدّدت فيها بـ"رّد مدمر ومدوٍ" على أي اعتداء عليها، محذرة ترامب من تهديد الشعب الإيراني. وفي هذا السياق، أكد وزير الدفاع الإيراني أمير نصير زاده أن "كل المصالح الأميركية في أي نقطة من العالم ستتعرض للخطر إذا ارتكب ترامب أي حماقة، وهاجم المصالح الإيرانية"، فيما قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني "نعلن أسماء القتلة الرئيسيين للشعب الإيراني وهما أولًا ترامب وثانيًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو"، وجاء ذلك ردًا على إعلان الرئيس الأميركي إلغاء جميع الاجتماعات المقررة مع مسؤولين إيرانيين حتى يتوقف "قتل المحتجين"، داعيا الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسسات الدولة، ومتوجهًا إليهم بالقول: المساعدة في طريقها إليكم.
تزامنًا، انتقدت الدول الأوروبية ما يجري، وخاصة استخدام العنف المفرط تجاه المتظاهرين وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبرأن لندن تعمل مع حلفائها على تشديد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على طهران، بما في ذلك إعادة فرض عقوبات سابقة وفرض عقوبات إضافية.
وبغض النظر عما سيحدث ولكن أي "خضة" في ايران ستنعكس على المنطقة برمتها، وتحديدًا على العراق ولبنان، لإرتباطهما الوثيق بما يدور هناك. وكان لافتًا إعادة طرح إسم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وتقدم حظوظه بعد الانسحاب المفاجىء والخطوة غير المتوقعة التي أقدم عليها رئيس الحكومة الحالي محمد شيّاع السوداني لجهة التخلي عن حقه في الترشح رغم فوز تكتل "الإعمار والتنمية" الذي يتزعمه في الانتخابات الأخيرة. وهذا التنازل يؤكد ان طهران قررت خوض معركة جديدة مع واشنطن عبر الساحة العراقية، خاصة أن المالكي يعتبر من أشد داعميها وحلفائها ولطالما عكست تجربة حكمه ذلك خاصة أنه غذى الانقسام الطائفي وإرتبط اسمه بالكثير من ملفات الفساد والمحسوبيات والإرتهان. و"غموض" الخطوة يأتي مع تعاظم الضغوط الأميركية لسحب سلاح الفصائل الموالية لطهران، كالحشد الشعبي، وهو ما سيعمّق المشهد في بغداد التي حاولت في وقت مضى اعتماد سياسة الحيّاد لتحصين جبهتها الداخلية. وهو نفسه ما يسعى لبنان لأن يكرسه واقعًا خاصة بعد كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون عن تحول سلاح "حزب الله" إلى "عبء" ودعوته إياه إلى "التعقل".
ويمرّ لبنان بمرحلة شديدة الحساسية مع مواصلة الانتهاكات الاسرائيلية لقرار وقف إطلاق النار، في وقت أعلنت قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان أنها طلبت من الجيش الإسرائيلي وقف إطلاق النار بعد إصابة مهبط طائرات مروحية تابع لها بقذيفتين إسرائيليتين. وكانت هذه القوات اتهمت تل أبيب مرارًا بإستهدافها ووصفت الهجمات عليها بـ"الخطيرة للغاية". ولكن الاحتلال لا يأبه لهذه الاتهامات والتي يتنكر لها أو يضعها في إطار حماية "أمنه القومي". وهو ما يتكرر في سوريا مع استمرار الاعتداءات ولاسيما في القنيطرة على الرغم من المحادثات "الجيدة" التي جرت بين الطرفين في باريس برعاية أميركية. ولكن ما يحدث في الجنوب ليس وحده ما يقض مضجع الحكومة السورية التي "نفذ صبرها" تجاه تصرفات "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بعد معركة حلب والتي انتهت بوساطة دولية وأدت إلى انسحاب عدد من مقاتليها دون إيجاد حل جذري للمشكلة. في غضون ذلك، أعلن الجيش السوري، أمس، المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولاً إلى نهر الفرات "منطقة عسكرية مغلقة"، مطالبًا جميع المسلحين في المنطقة بالانسحاب إلى شرق الفرات، فيما اتهمت قيادات كردية السلطات بالتحضير لهجوم على مناطقها.
ومن سوريا إلى غزة، حيث المشهد يتكرّر من خيم ممزقة وأطفال ترتجف من البرد إلى انعدام خدمات الصرف الصحي وتهالك القطاع الاستشفائي والطبي بسبب محاولة الاحتلال عرقلة اي محاولة لاستعادة السكان حياتهم بشكل طبيعي. وكان الخارجية الإسرائيلية أعلنت قطعًا فورًيا للعلاقات مع وكالات أممية ومنظمات دولية، وذلك على خلفية موقفها من حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة. يأتي ذلك في وقت حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل من أنه قد يحيلها إلى محكمة العدل الدولية إذا لم تلغ القوانين التي تستهدف وكالة (الأونروا)، وتعيد الأصول والممتلكات التي استولت عليها. ويضيق الاحتلال الخناق على الفلسطينيين ويخرق يوميًا الهدنة الهشة عبر الاستمرار في عمليات نسف ما تبقى من مباني سكنية كما القيام بضربات عسكرية بحجة استهداف عناصر من حركة "حماس". هذا الواقع المأساوي ناقشته الحركة في القاهرة إلى جانب مواضيع أخرى منها تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزّة. في حين رجحت معلومات متداولة أن يتم الاعلان عن هذه اللجنة اليوم على ان يترأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق.
بالتوازي، نقلت "رويترز" عن مصدرين في "حماس" قولهما إنه "من المتوقع أن تنتخب الحركة رئيسًا جديدًا لمكتبها السياسي هذا الشهر، ليشغل المنصب الشاغر منذ أن اغتالت إسرائيل يحيى السنوار في تشرين الأول/أكتوبر2024". ويُنظر إلى خليل الحية وخالد مشعل على أنهما أوفر المرشحين حظًا لتولي القيادة في لحظة "حرجة" بالنسبة للحركة التي ترزح تحت ضغوط كبيرة خاصة في ما يتعلق بنزع سلاحها. إلى ذلك، أدانت وزارة الخارجية الأردنية اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى تحت حماية شرطة الاحتلال، واعتبرت ذلك "انتهاكًا صارخًا للوضع القانوني والتاريخي القائم في الحرم القدسي الشريف وتدنيسًا لحرمته، وتصعيدًا مدانًا واستفزازًا غير مقبول". في سياق متصل، مَثُل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الثلاثاء، أمام المحكمة المركزية في تل أبيب للمرة الـ70 للرّد على تهم الفساد الموجهة إليه، فيما أعلن نواب الائتلاف الحاكم عن تقديمهم مشروع قانون لإلغاء التهم التي يواجهها نتنياهو الذي يطالب بعفو عام.
وفي الأحداث الاخرى، صنفت إدارة ترامب فروع جماعة ا"لإخوان المسلمين" في مصر والأردن ولبنان "منظمات إرهابية"، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها. وعلّق وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على ذلك بالقول إن "هذه الإجراءات تأتي ضمن خطوات أولى لجهود إحباط العنف الذي تقوم به فروع الإخوان المسلمين". أما دوليًا، فقد أعلن وزير الخارجية الدانماركي لارس لوكه راسموسن أنه ونظيره الغرينلاندي سيلتقيان اليوم الأربعاء في البيت الأبيض جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية روبيو من أجل بحث آخر التطورات المتعلقة بوضع غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.
وفي جولة اليوم على الصحف العربية الصادرة إليكم أبرز ما تناولته في عناوينها:
رأت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "ما شهده الأسبوع الماضي من استعادة الحكومة السورية للسيطرة الكاملة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب لم يكن مجرد حدث ميداني عابر، بل مثّل حالة استثنائية في أهميتها الجيوسياسية، باعتبار أن هذا التحوّل الاستراتيجي يمهّد الطريق بشكل جدي لاستعادة الدولة السورية سيطرتها على كافة أراضيها وتوحيد البلاد"، معتبرة أن أمام "قسد" خيارات ضيقة، إما الانصياع لتطبيق اتفاق العاشر من آذار/مارس والاندماج في مؤسسات الدولة، أو مواجهة الخيارات الأخرى المفتوحة التي يبدو أن الاستعدادات لها تجري على قدم وساق، لاسيما مع رصد تحشيد عسكري متبادل في منطقة دير حافر الواقعة شرق حلب".
بدورها، أشارت صحيفة "الصباح" العراقية إلى أن "المفاوضات لاختيار رئيس الجمهورية لا تزال تشكّل محورًا أساسيًا في المشهد السياسي العراقي، في ظل اقتراب الاستحقاقات الدستورية وضيق هامش الوقت، إذ تتواصل الحوارات وسط تمسك بالأعراف السياسية المعتمدة منذ عام 2005، بالتوازي مع مؤشرات أولية قد تفتح الباب أمام تفاهم يُنهي حالة الجمود القائمة"، موضحة أن الرئيس مسعود بارزاني طرح خيارين أساسيين، يتمثل الأول بالاتفاق على مرشح واحد من الحزبين أي ، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني والتوجه به إلى بغداد، بينما يتمثل الثاني بترك الحسم للكتل الكردستانية داخل مجلس النواب، كما حصل في تجربة انتخاب الرئيس الأسبق فؤاد معصوم.
صحيفة "الغد" الأردنية، بدورها، أفادت إلى أنه "وسط التهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران يتوجب أن يتم مناقشة تأثيرات الحرب أو عقد صفقة مع إيران، على موقع الأردن الجيوسياسي، لأننا في الحالتين أمام خريطة جديدة من التعقيدات"، مشددة على أن "وقوع الحرب هنا بسقفها الأعلى وليس لعدة أيام آخر ما ينتظره الأردن، لان الأردن قد يحتمل حربًا قصيرة من حيث عدد الأيام، أما الحرب الطويلة فتعني فعليًا تهديد الاستقرار، وخطط التحديث الاقتصادي، وكلف الطاقة والحياة في الأردن، وهذا يعني أن الحرب الممتدة والطويلة زمنيًا إذا وقعت ستضرّ الأردن مباشرة".
أما صحيفة "الثورة" السورية، فلفتت إلى أن "الاحتجاجات تتزايد في إيران وتنتشر في شكل مستمر في أنحاء الجمهورية ومدنها الكبرى، ولا يزال من المبكر الحكم على مآلاتها، إلا أن طبيعة الاحتجاجات وأهدافها والشرائح الاجتماعية المشاركة فيها تشير إلى أنها تشكل تهديداً حقيقياً لاستمرار النظام الإيراني"، متوقعة أنه في حال "سقط النظام الإيراني دون تسليم السلطة عبر انتقال سياسي سلس على أساس تفاوضي، فإن استمرار وحدة البلاد سيكون أمرًا مشكوكًا فيه، وعلى رأس الاحتمالات هو تأسيس إقليم كردي شمال غرب إيران، يشمل محافظات كردستان وكرمانشاه وعيلام وأجزاء من محافظتي همدان ولرستان".
(رصد "عروبة 22")

