لا يحتاج العراق اليوم إلى حرب معلنة كي يكون في قلب العاصفة. ما يواجهه هو أخطر من ذلك، شبكة ضغوط متزامنة تُدار بهدوء، وتُراكم آثارها ببطء، في لحظة سياسية وأمنية لا تحتمل التردد ولا سوء التقدير. الحدود، السجون، والعملية السياسية، لم تعد ملفات منفصلة، بل تحولت إلى أدوات اختبار لقدرة الدولة على الصمود واتخاذ القرار.
على الحدود العراقية ـ السورية، لا يجري ما يوحي بحرب تقليدية، لكن ما يحدث لا يقل خطورة. إعادة تموضع القوى المدعومة أمريكياً داخل سوريا، وتراجع دور "العوازل الميدانية"، التي استمرت سنوات، لا يعني انسحاباً بقدر ما يعني تغييراً في أسلوب الإدارة. الفراغ هنا ليس عفوياً، بل مساحة ضغط تُترك عمداً، لاختبار الجاهزية العراقية، واستنزاف قدراتها، وقياس ردود فعلها في بيئة أمنية باتت تُدار بالطائرات المسيّرة والضربات المحدودة لا بالجبهات الواضحة.
الحديث عن تضاعف أعداد المقاتلين داخل سوريا، وتنامي قدراتهم لا يشير إلى استعداد لاجتياح العراق، لكنه يكفي لإبقاء الحدود في حالة قلق دائم. هذه ليست قوى حرب، بل أدوات فوضى محسوبة، وظيفتها منع الاستقرار، وإبقاء الدولة العراقية منشغلة بالدفاع، لا بالتخطيط. غير أن الخطر الحقيقي لا يقف عند الحدود. في العمق، يقبع ملف معتقلي تنظيم داعش، ولاسيما القيادات الأجنبية، بوصفه قنبلة مؤجلة. قبول العراق استلام هؤلاء ومحاكمتهم على أراضيه حوّله، عملياً، إلى حارس لسجن دولي، من دون ضمانات سياسية، أو أمنية كافية. أوروبا، التي ترفض استعادة مواطنيها المتورطين في الإرهاب، وجدت في العراق مخرجاً مريحاً لأزمة داخلية، فيما تُركت بغداد وحدها أمام تبعات أمنية معقدة.
في هذا السياق، لم تعد السجون مجرد مؤسسات عدلية، بل أصبحت أهدافا محتملة، أو أوراق ضغط جاهزة للتوظيف عند أول اهتزاز. وتجربة العقد الماضي تؤكد أن التنظيمات المتطرفة لا تحتاج إلى مساحات واسعة للعودة، بل إلى ثغرة واحدة، أو فوضى محدودة، لإعادة إنتاج نفسها بأسماء وأساليب جديدة. يتزامن هذا المشهد الأمني مع أزمة سياسية داخلية مفتوحة، عقب الانتخابات الأخيرة، زادها تعقيداً ترشيح الإطار التنسيقي لنوري المالكي لرئاسة الوزراء، وما تبعه من رفض أمريكي صريح. هذا الرفض، الذي لم يُخفَ خلف عبارات دبلوماسية، كشف حدود الاستقلال في القرار العراقي، ووضع العملية السياسية أمام مأزق حقيقي: كيف تُدار البلاد في ظل تضارب الإرادات الداخلية والخارجية؟
في المقابل، تمسك الإطار التنسيقي برفضه لما اعتبره تدخلاً أمريكياً في الشأن العراقي، مؤكداً أن الحوار الداخلي، والاحتكام إلى الدستور هما الطريق الوحيد لإدارة الدولة. غير أن هذا السجال، مهما كانت مشروعية أطرافه، يترك أثراً مباشراً على قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الأمنية، إذ إن الانقسام السياسي في لحظة إقليمية حرجة لا يعمل إلا لمصلحة من يديرون الفوضى من الخارج.
إقليمياً، لا تبدو المعادلات كما كانت عام 2014. إيران، المثقلة بملفات داخلية وخارجية، أقل استعداداً للانخراط المباشر كما في السابق، فيما تتعامل الولايات المتحدة مع العراق ضمن مقاربة أوسع، هدفها ضبط التوازنات، ومنع تشكّل قوى سياسية أو عسكرية مستقلة عن إرادتها، مع الحفاظ على أمن إسرائيل كأولوية لا تخضع للمساومة.
في المحصلة، لا يواجه العراق حرباً بقدر ما يواجه امتحان دولة. امتحان القدرة على قراءة المشهد بوصفه أزمة واحدة متعددة الوجوه، لا ملفات منفصلة. امتحان اتخاذ القرار في وقت تُدار فيه الضغوط بلا ضجيج، ويُقاس فيه الفشل لا بسقوط المدن، بل باستنزاف الإرادة، وتأجيل الحسم، والارتهان للوقت. الخطير في هذا النوع من الصراعات أنه لا يمنح ترف الخطأ مرتين. والعراق، الذي لم يتعافَ بعد من آثار حروبه السابقة، يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما بناء مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للقرار الوطني، أو الاستمرار في إدارة الأزمات بالقطعة، بانتظار مفاجأة قد لا تكون هذه المرة قابلة للاحتواء.
(القدس العربي)

