بصمات

الحَرَكَةُ الإِصْلاحِيَّةُ التُّونِسِيَّة.. بَيْنَ اسْتِعْصاءِ الدّاخِلِ وَضُغوطاتِ الخارِج!

ظَهَرَتْ في العَديدِ مِنَ البُلْدانِ الإِسْلامِيَّةِ خِلالَ القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ حَرَكَةٌ إِصْلاحِيَّةٌ كانَ مِنْ أَهْدافِها تَدارُكُ التَّأَخُّرِ الحاصِلِ في تِلْكَ الأَوْطانِ بِالمُقارَنَةِ مَعَ النَّهْضَةِ الأوروبِّيَّةِ في مَجالِ المَعْرِفَةِ والعُلومِ والاقْتِصادِ والمُؤَسَّساتِ السِّياسِيَّة. وَعَرَفَتِ البِلادُ التّونِسِيَّةُ بِدَوْرِها - كَما الحالُ في إِسْطَنْبولَ وَمِصْر - بَعْضَ مَظاهِرِ تِلْكَ الحَرَكَةِ التي قادَها تَيّارٌ فِكْرِيٌّ إِصْلاحِيٌّ مِنْ رِجالِ السِّياسَةِ والدَّوْلَةِ كَخَيْرِ الدّينِ التّونِسيِّ والجِنِرالِ حُسَيْن وَأَحْمَد بْنِ أَبي الضِّيافِ وَقَدْ أَقْنَعَ هَؤُلاءِ السُّلْطَةَ الحُسَيْنِيَّة (1705-1957) الحاكِمَةَ بِما حَصَلَ مِنْ تَقَدُّمٍ في الغَرْبِ بِاعْتِبارِ أَنَّ تِلْكَ الأَفْكارَ والقَوانينَ والمُؤَسَّساتِ لا تَتَعارَضُ مَعَ الشَّريعَةِ الإِسْلامِيَّة.

الحَرَكَةُ الإِصْلاحِيَّةُ التُّونِسِيَّة.. بَيْنَ اسْتِعْصاءِ الدّاخِلِ وَضُغوطاتِ الخارِج!

هَكَذا سَعَتِ السُّلْطَة، وَعَمِلَتْ بِدَوْرِها، إلى تَحْديثِ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ على أُسُسٍ ثَلاثَةٍ: يَتَمَثَّلُ الأَوَّلُ في تَطْويرِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ لِلْمُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّة. والثّاني في تَطْويرِ قِطاعِ التَّعْليمِ مِنْ ذَلِكَ إِنْشاءُ المَدْرَسَةِ الحَرْبِيَّةِ (1840) التي تُمَثِّلُ أولى المُحاوَلاتِ لِتَأْسيسِ تَعْليمٍ عَصْرِيٍّ إلى جانِبِ المَدْرَسَةِ الصّادِقِيَّةِ (1875) التي مَثَّلَتْ تَجْرِبَةً تَعْليمِيَّةً حَديثَةً تُدَرِّسُ العُلومَ والفُنونَ واللُّغاتِ الأَجْنَبِيَّة، إلى جانِبِ إِصْلاحِ التَّعْليمِ الزَّيْتونيِّ وَتَحْديثِ مَناهِجِه. وَأَخيرًا، إِصْدارُ ثَلاثَةِ أَوامِرَ أَوْ مَراسيمَ ذاتِ طابَعٍ قانونِيٍّ وَدُسْتورِيٍّ. وَمِنْ بَيْنِ أولى الإِجْراءاتِ المُتَّخَذَةِ إِصْدارُ أَمْرٍ بِإِلْغاءِ العُبودِيَّة. وَهِيَ ظاهِرَةٌ شَمَلَتِ المَجْموعَاتِ مِنَ البَشَرَةِ السَّوْداءِ والمَماليكِ مِنْ أُصولٍ أوروبِّيَّةٍ الَّذينَ كانوا يَقَعونَ في قَبْضَةِ القَراصِنَةِ في البَحْرِ وَيُباعونَ في تونِسَ أَوْ مِنْها إلى إِسْطَنْبول.

وَفي يَوْمِ 23 يَنايِر/كانونَ الثّاني 1846، أَصْدَرَ بايُ (حاكِمُ) الإِيالَةِ التّونِسِيَّةِ أَحْمَد باشا مَرْسومًا يَتَضَمَّنُ مَنْعَ شِراءِ وَبَيْعِ العَبيد، وَإِلْغاءَ العُبودِيَّةِ بِجَميعِ أَنْواعِها. وَيَعودُ هَذا القَرارُ لِاقْتِناعِ البايِ بِمُجاراةِ مَكاسِبِ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ التي "أَساسُها وَمَلاكُ أَمْرِها الحُرِّيَّةُ" وَوَعْيِهِ بِمُعاناةِ العَبيدِ وَعَدَمِ مُراعاةِ رَعاياهُ حُقوقَ هَؤُلاءِ البَشَر، غَيْرَ أَنَّ العامِلَ السِّياسِيَّ الخارِجِيَّ كانَ عامِلًا مُحَدِّدًا. وَنَتيجَةَ الضُّغوطِ المُتَزايِدَةِ التي كانَتْ تُمارِسُها الدَّوْلَةُ العُثْمانِيَّةُ مِنْ شَرْقِ الإِيالَةِ (طَرابُلُسَ) وَفَرَنْسا مِنْ غَرْبِها (الجَزائِر)، مُنْذُ احْتِلالِها عامَ 1830، سَعى البايُ لِلاقْتِرابِ مِنَ الإِمْبَراطورِيَّةِ البَريطانِيَّةِ وَحِمايَتِها وَهِيَ المُنْزَعِجَةُ مِنَ الوُجودِ الفَرَنْسيِّ في المَنْطِقَةِ والسّاعِيَةُ كَذَلِكَ لِلْمَزيدِ مِنْ إِضْعافِ الوُجودِ العُثْمانِيّ. فَكانَ قَرارُ إِلْغاءِ العُبودِيَّةِ أَيْضًا خِدْمَةً لِبَريطانِيا التي أَلْغَتِ العُبودِيَّةَ عامَ 1833 لِعَوامِلَ أَخْلاقِيَّةٍ وَدينِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ واقْتِصادِيَّة.

العبودية الاجتماعية أُعيد توظيفها ضمن اقتصاد استعماري تمييزي

تَوَخّى أَحْمَد باي في اتِّخاذِ هَذا القَرارِ مَنْهَجَ التَّدَرُّج، فَفي عامِ 1841 أَصْدَرَ أَمْرًا بِمَنْعِ بَيْعِ العَبيدِ في كُلِّ أَسْواقِ البِلاد، وَإِغْلاقِ سوقِ الرَّقيقِ في تونِسَ العاصِمَةِ ثُمَّ أَلْغى الأَداء (الضَّريبَة) الذي كانَ مَفْروضًا على هَذِهِ التِّجارَة. وَفي ديسَمْبِر/كانونَ الأَوَّلِ 1842، أَصْدَرَ أَمْرًا يَعْتَبِرُ كُلَّ مَنْ يولَدُ على التُّرابِ التّونِسيِّ حُرًّا لا يُباعُ وَلا يُشْتَرى، ثُمَّ عَرَضَ نَصَّ المَرْسوم، قَبْلَ إِصْدارِه، على المُفْتِيَيْنِ الحَنَفِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ أَفْتَيا بِشَرْعِيَّةِ مَضْمونِه. كَما ساهَمَ بَعْضُ أَفْرادِ النُّخْبَةِ الإِصْلاحِيَّةِ في تَهْيِئَةِ الرَّأْيِ العامِّ وَتَخْفيفِ مُقاوَمَةِ النُّخَبِ المُسْتَفيدَة. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ تِلْكَ المَجْهوداتِ لَمْ يَجِدْ هَذا القَرارُ تَجاوُبًا وَدَعْمًا واسِعَيْنِ مِنْ قِبَلِ السُّكّانِ الأَعْيانِ مِنْهُمْ والعَبيد، إِذِ احْتَجَّتْ بَعْضُ مُدُنِ الجَنوبِ التُّونِسيِّ وَقُراه، حَيْثُ تَتَرْكَزُ أَغْلَبُ عَناصِرِ الأَقَلِّيَّةِ ذاتِ البَشَرَةِ السَّوْداء. لِذَلِكَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ قَرارَ العِتْقِ لَمْ يَتَعَدَّ أَنْ يَكونَ مُجَرَّدَ إِعْلانٍ كانَ تَطْبيقُهُ في الواقِعِ مَحْدودًا وَلَمْ تُلْغَ آثارُ العُبودِيَّةِ الاجْتِماعِيَّة، بَلْ أُعيدَ تَوْظيفُها ضِمْنَ اقْتِصادٍ اسْتِعْمارِيٍّ تَمْييزِيٍّ وَذَلِكَ بَعْدَ احْتِلالِ البِلادِ ابْتِداءً مِنْ سَنَةِ 1881.

تَلا هَذا القَرارَ صُدورُ "عَهْدِ الأَمانِ" بِتَاريخِ 1857، والذي يُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ النُّصوصِ السِّياسِيَّةِ والقانونِيَّةِ في تارِيخِ تونِسَ الحَديث، إِذْ شَكَّلَ مُنْعَطَفًا تَأْسيسِيًّا في مَسارِ تَشَكُّلِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ وَعَلاقَتِها بِالمُجْتَمَعِ وَبِالأَجانِب.

"عهد الأمان" أسّس لمفهوم المواطنة القانونية لكنه شكّل أحد أهمّ مداخل الاختراق الاقتصادي الأوروبي

صَدَرَ هَذا العَهْدُ أَوِ القانون، في سِياقٍ داخِلِيٍّ وَخارِجِيٍّ مُعَقَّدٍ وَمُضْطَرِب، وبَعدَ حادِثَةِ إِعْدامِ أَحَدِ السُّكانِ اليَهودِ بِتُهْمَةِ التَّجْديفِ وَسَبِّ الدّينِ (شَتْمِ النَّبيِّ مُحَمَّد)، الأمر الذي أثارَ الهَلَعَ في الأَوْساطِ اليَهودِيَّةِ التي اسْتَنْجَدَتْ بِالدُّوَلِ الأوروبِّيَّة، فَمارَسَتْ كُلٌّ مِنْ فَرَنْسا وَبَريطانِيا، ضُغوطًا مُتَنَوِّعَةً على السُّلْطَةِ التُّونِسِيَّةِ أَدَّتْ إلى إِصْدارِها هَذا القانونَ كَمُحاوَلَةٍ مِنْها لِتَحْصينِ شَرْعِيَّتِها أَمامَ القُوى الأوروبِّيَّة.

تَضَمَّنَّ هَذا العَهْدُ مِحْوَرَيْنِ أَساسِيَّيْن؛ الأَوَّلُ ذي طابَعٍ حُقوقِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِحِمايَةِ الأَرْواحِ والمُمْتَلَكاتِ لِجَميعِ السُّكّانِ مِنْ دونِ تَمْييزٍ في العِرْقِ أَوِ الدّينِ وَضَمانِ حُرِّيَّةِ المُعْتَقَدِ وَمُمارَسَةِ الشَّعائِرِ والمُساواةِ بَيْنَ المُسْلِمينَ وَغَيْرِ المُسْلِمينَ أَمامَ القانون، والثّاني ذي طابَعٍ اقْتِصادِيٍّ مِنْ ذَلِكَ تَنْظيمُ الجِبايَةِ وَفَتْحُ المَجالِ أَمامَ الأَجانِب.

يُعَدُّ هَذا القانونُ أَوَّلَ وَثيقَةٍ دُسْتورِيَّةٍ في تاريخِ تونِس. أَسَّسَ لِمَفْهومِ المُواطَنَةِ القانونِيَّةِ بَدَلَ الانْتِماءِ الدّينِيّ، وَهَذا حَسَّنَ نَظَرِيًّا وَضْعَ الأَقَلِّيّاتِ الدّينِيَّةِ (اليَهودِ والمَسيحِيّين). لَكِنَّهُ أَحْدَثَ في المُقابِلِ صَدْمَةً ثَقافِيَّةً داخِلَ المُجْتَمَعِ التَّقْليدِيّ، خاصَّةً لَدى فِئاتٍ واسِعَةٍ مِنَ العُلَماءِ والقَبائِل، وَفَتَحَ أَبْوابَ الاقْتِصادِ التّونِسيِّ أَمامَ الرَّأْسْمالِ الأَجْنَبيِّ وَشَكَّلَ أَحَدَ أَهَمِّ مَداخِلِ الاخْتِراقِ الاقْتِصاديِّ الأوروبِّي، بِما حَمَلَهُ مِنْ نَتائِجَ سَلْبِيَّةٍ لاحِقًا (الدُّيونِ وَفُقْدانِ السِّيادَة).

تميّزت الحركة الإصلاحية التونسية بتعدّد فاعليها وتنوّع مرجعياتها بين الديني والسياسي والإداري

أَمّا دُسْتورُ 1861، فَقَدْ تَضَمَّنَ 114 فَصْلًا أَقَرَّتِ العَديدُ مِنْ فُصولِهِ كُلَّ ما تَضَمَّنَتْهُ وَثيقَةُ عَهْدِ الأَمانِ وَخاصَّةً التَّأْكيدَ على الحُقوقِ والحُرِّيات. كَما نَصَّ على جُمْلَةٍ مِنَ المَبادِئِ الحَديثَةِ كَتَنْظيمِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ والحَدِّ مِنَ السُّلْطَةِ المُطْلَقَةِ لِلْباي، وَإِرْساءِ مَبْدَأِ الفَصْلِ النِّسْبيِّ بَيْنَ السُّلْطاتِ وَإِحْداثِ مُؤَسَّساتٍ دُسْتورِيَّةٍ وَخاصَّةً المَجْلِسَ الأَكْبَر (وَهُوَ عِبارَةٌ عَنْ هَيْئَةٍ تَشْريعِيَّة - رَقابِيَّة تَتَكَوَّنُ مِنْ كِبارِ المُوَظَّفينَ والأَعْيان).

عُمومًا، تَمَيَّزَتِ الحَرَكَةُ الإِصْلاحِيَّةُ التّونِسِيَّةُ هَذِهِ بِتَعَدُّدِ فَاعِليها وَتَنَوُّعِ مَرْجِعِيّاتِها بَيْنَ الدّينيِّ والسِّياسيِّ والإِدارِيّ، وَكانَتْ مَضامينُها رائِدَة. فَقَرارُ إِلْغاءِ العُبودِيَّةِ سَبَقَ قَرارَ كُلٍّ مِنْ فَرَنْسا (1848) والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة (1865) مِنْ دونِ الحَديثِ عَنِ العالَمِ العَرَبيِّ والإِسْلامِيّ، بَلْ كانَ دُسْتورُ 1861 أَوَّلَ دُسْتورٍ في العالَمِ العَرَبيِّ والإِسْلامِيّ. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ إِخْفاقِ تِلْكَ "المُحاوَلات" في إِرْساءِ مَسارٍ تَحْديثِيٍّ لِلدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ التّونِسيِّ نَتيجَةَ اصْطِدامِها بِواقِعٍ اجْتِماعِيٍّ شَديدِ المُحافَظَةِ مِنْ ناحِيَة، واسْتِجابَةً لِضُغوطٍ أوروبِّيَّة، وَمِنْها اسْتِخْدامُ "فَخِّ" الدَّيْنِ وَحِمايَةِ الأَقَلِّياتِ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، لِتَحْقيقِ أَهْدافِها الأَمْرُ الذي أَدّى إلى إِغْراقِ البِلادِ بِالدُّيونِ وَإفْلاسِها وَوَضْعِ مالِيَّتِها تَحْتَ إِشْرافٍ دَوْلِي (الكوميسْيون المالِيّ 1869-1894)، وَتالِيًا الاحْتِلالُ الفَرَنْسِيّ (1881). وَعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، مَثَّلَتْ تِلْكَ النُّصوصُ مَرْجِعًا رَمْزِيًّا في الذّاكِرَةِ الوَطَنِيَّةِ اسْتَثْمَرَتْهُ الحَرَكَةُ الوَطَنِيَّةُ في نِضالِها ضِدَّ الاسْتِعْمارِ وَفي بِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ التّونِسِيَّةِ الحَديثَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن