لَقَدْ أَفْصَحَتْ عَمَلِيَّةُ اغْتِيالِ المُرْشِدِ الإيرانِيِّ عَلي خامِنَئي عَنْ أَنَّ مَقْتَلَهُ لا يُسْقِطُ النِّظام، كَما حَصَلَ في الجَماهيرِيَّةِ اللّيبِيَّةِ التي ما إِنْ قُتِلَ زَعيمُها مُعَمَّر القَذّافي حَتّى انْهارَ نِظامُهُ بِالكامِل، وَلَمْ تَزَل ليبْيا حَتّى اليَوْمَ تَعيشُ بَيْنَ الفَوْضى المُتَناسِلَةِ واللّانِظام، وَأَيْضًا كَما حَصَلَ في العِراقِ عامَ 2003 بَعْدَ غَزْوِهِ واحْتِلالِهِ وَمِنْ ثَمَّ إِعْدامِ صَدّامِ حُسَيْن والقِيادَةِ العِراقِيَّة.
المعادلة الترامبيّة في فنزويلا لم ترتقِ إلى مستوى أن تكون نموذجًا يمكن إسقاطه على إيران
أَفْصَحَ اغْتِيالُ خامِنَئي أَنَّ النَّموذَجَ الإيرانِيَّ اسْتَطاعَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والثَّوْرَة، وَأَنْ يُمَأْسِسَ هَياكِلَ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها، وَإِنْتاجَ قِياداتِها المُخْتَلِفَةِ وِفْقَ ابْتِكارِ نِظامٍ جَديدٍ سَبَقَ أَنْ تَجاوَزَ الكَثيرَ مِنَ التَّحَدِّياتِ المِفْصَلِيَّة، لَكِنَّ تَحَدِّيَ إيرانَ اليَوْمَ غَيْرُ مَسْبوقٍ، بِسَبَبِ الحَرْبِ الاسْتِئْصالِيَّةِ الضَّروسِ التي تَتَعَرَّضُ لَها.
بِهَذا المَعْنى، لَمْ تَرْتَقِ المُعادَلَةُ التّْرامْبِيَّةُ في فِنِزْويلا إلى مُسْتَوى أَنْ تَكونَ نَموذَجًا يُمْكِنُ إِسْقاطُهُ على إيران، وَهَذا يَدُلُّ على فَشَلٍ ذَريعٍ في المُقارَباتِ التّْرامْبِيَّةِ السِّياسِيَّة، وَلَعَلَّ سُرْعَةَ اعْتِقالِ مادورو قَدْ شَكَّلَتْ نَموذَجًا مَغْشوشًا لترامب الذي يَبْدو وَكَأَنَّهُ بَلَعَ لُقْمَةً مَسْمومَة.
وَإِذا كانَ ترامب المَسْكونُ بِالصَّفَقاتِ يَتَطَلَّعُ لِإِبْرامِ صَفْقَةٍ ما مَعَ مَنْ يَصِفُهُمْ بِالوَطَنِيّينَ الإيرانِيّين، فَيَبْدو كَمَنْ يَزْرَعُ الوَهْمَ لِيَحْصُدَ أَوْهامًا مُضاعَفَة، نَتيجَةَ سُرْعَةِ الأَداءِ الإيرانِيِّ في تَشْكيلِ اللَّجْنَةِ المُؤَقَّتَةِ لِمَهامِّ المُرْشِد، تَوازِيًا مَعَ سَعْيِ مَجْلِسِ خُبَراءِ القِيادَةِ لِانْتِخابِ خَليفَةِ المُرْشِد الذي سيؤدي اغتياله حُكْمًا وَحَتْمًا إلى إِنْتاجِ إِدارَةٍ إيرانِيَّةٍ أَكْثَرَ تَطَرُّفًا مِنَ النَّهْجِ الذي اعْتَمَدَهُ الرَّجُلُ حَتّى أَنْفاسِهِ الأَخيرَة.
نتنياهو يريد تفكيك إيران وتركيا تُشكّل هدفًا إسرائيليًا حتميًا
بِالعَوْدَةِ إلى اسْتراتيجِيَّةِ "اليَوْمِ التّالي"، ما بَعْدَ خامِنَئي، فَلا شَيْءَ في جُعْبَةِ تْرامْب يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ لِاسْتِنْساخِ التَّجْرِبَةِ الفِنِزْويلِيَّة. أَمّا نِتِنْياهو فَلَيْسَ سِرًّا أَنَّهُ لَيْسَ مُهْتَمًّا بِإِنْتاجِ نِظامٍ إيرانِيٍّ جَديد، حَتّى لَوْ تَسَيَّدَتْهُ الشّاهِنْشاهِيَّةُ مِنْ جَديد. ما يَهُمُّ نِتِنْياهو هُوَ تَفْكيكُ إيران، وَإِشاعَةُ الفَوْضى فيها، والعَمَلُ بِقُوَّةٍ على تَفْجيرِ تَناقُضاتِها الإِثْنِيَّةِ والعِرْقِيَّةِ والقَوْمِيَّةِ والمَذْهَبِيَّة؛ تَفْجيرٌ يَهْدِفُ إلى ضَرْبِ مَكانَةِ إيرانَ المَعْنَوِيَّةِ قَبْلَ بَرامِجِها النَّوَوِيَّة. تَفْجيرٌ مِنْ شَأْنِ انْدِلاعِ شَرارَتِهِ أَنْ يُصيبَ مَقْتَلًا في دُوَلِ جِوارِ إيرانَ كافَّةً، وَمِنْها تُرْكْيا التي، على الرَّغْمِ مِنْ "ناتَوِيَّتِها"، فَإِنَّها تُشَكِّلُ هَدَفًا إِسْرائيلِيًّا حَقيقِيًّا وَحَتْمِيًّا، وَهَذا ما عَناهُ نِتِنْياهو بِكَلامِهِ عَنْ مَخاطِرِ مِحْوَرٍ إِسْلامِيٍّ سُنِّيٍّ قَيْدَ التَّشَكُّل.
بَعيدًا عَنْ قُدُراتِ إيرانَ المَعْلومَةِ وَغَيْرِ المَعْلومَة، وَعَنْ حَقِّها حَتّى في امْتِلاكِ السِّلاحِ النَّوَوِيّ، طالَما تَمْتَلِكُهُ إِسْرائيلُ العَدُوَّة، يَنْبَغي التَّأَكُّدُ أَنَّ سُقوطَ إيرانَ بِيَدِ "تْراتِنْياهو" هُوَ خُطْوَةٌ بِاتِّجاهِ تَرْسيمِ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الإِسْرائيلِيّ". ما إِنْ تَتَوَقَّفْ حَرْبُ إيرانَ حَتّى يُفْتَحَ مِلَفُّ دَوْلَةٍ أُخْرى وَحَرْبٍ أُخْرى، وُصولًا إلى إِسْقاطِ كَلامِ مايْك هاكابي على أَرْضِ الواقِع، وَهُوَ الكَلامُ الذي يَسْتَمِرُّ تَأْثيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَياناتِ اسْتِنْكارِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.
بِهَذا المَعْنى، لَمْ يَكُنِ العُدْوانُ "الإِسْرائيكِيُّ" على إيرانَ نَتيجَةَ خِلافاتٍ في وِجْهاتِ النَّظَر، إِنَّها الاسْتْراتيجِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ لِلمِنْطِقَة، التي تُشَكِّلُ إِسْرائيل، بَعْدَ البَصْمَةِ التّْرامْبِيَّةِ عَلَيْها، حَجَرَ الرَّحى. وَعَبْرَ هَذا الحَجَرِ يُواصِلُ بِنْيامين نِتِنْياهو التَقَيُّؤ على شُعوبِ المِنْطِقَةِ وَحُكوماتِها، وَهُوَ يُحْدِثُ التَّغْييرَ الكَبيرَ في الشَّرْقِ الأَوْسَط. خُطَطُ نِتِنْياهو بِاتِّجاهِ "إِسْرائيلَ الكُبْرى" اسْتَبَقَها دونالد تْرامْب بِإِعْلانِ سَعْيِهِ "لِتَوْسيعِ مَساحَةِ إِسْرائيل". إِنَّهُ التَّوْسيعُ الذي انْطَلَقَ قَبْلَ "طوفانِ الأَقْصى"، وَمَهَّدَ لَهُ ترامب بِالِاعْتِرافِ بِـ"سِيادَةِ إِسْرائيلَ على الجَوْلانِ" السّورِيِّ المُحْتَلّ، وَهُوَ الاعْتِرافُ الذي اسْتَبَقَهُ بِالِاعْتِرافِ بِالقُدْسِ كعاصِمَةٍ لِإِسْرائيل، في وَقْتٍ كانَ جَهابِذَةُ إيرانَ وَمِحْوَرِها يُرَدِّدونَ مَعْزوفَةَ اقْتِدارِهِمْ على "تَدْميرِ إِسْرائيلَ بِسَبْعِ دَقائِقَ وَنِصْف"!.
قصف دول الخليج ارتد سلبًا على إيران التي تجد نفسها اليوم أمام بيئة جوار معادية
خِلالَ أَرْبَعَةِ أَيامٍ على انْطِلاقِ العُدْوانِ "الإِسْرائيكِيِّ" على إيران، تَطَوَّرَ المَشْهَدُ الحَرْبِيُّ بِطَريقَةٍ أَرادَتْ فيها إيرانُ تَنْفيذَ أُطْروحَتِها بِأَنَّ الحَرْبَ عَلَيْها سَتُؤَدّي إلى حَرْبٍ إِقْليمِيَّة، لَكِنَّ هَذِهِ الحَرْبَ لَمْ تَقَع. فَعَمِلَتْ طهران، مِنْ خِلالِ مِرْوَحَةِ قَصْفِها، على اسْتِهْدافِ "القَواعِدَ الأَميرْكِيَّةَ" في دُوَلِ الجِوارِ الخَليجِيِّ خاصَّة، ما شَتَّتَ الجُهْدَ الحَرْبِيَّ الإيرانِيّ، وارْتَدَّ سَلْبًا على إيرانَ التي تَجِدُ نَفْسَها اليَوْمَ أَمامَ بِيئَةِ جِوارٍ مُعادِيَة، تَمَّ دَفْعُها إلى رَدْعِ العُدْوانِ الإيراني عَلَيْها، كَما تَمَّ دَفْعُ بَعْضِها بِالأَمْسِ إلى الارْتِماءِ في حِضْنِ نِتِنْياهو و"اتِّفاقاتِ أَبْراهام".
المُفاجَأَةُ في تَمَدُّدِ مِرْوَحَةِ الدِّفاعِ الإيرانِيِّ كانَتْ في انْخِراطِ "حِزْبِ اللَّهِ" اللُّبْنانِيِّ بِالقِتالِ ضِدَّ إِسْرائيلَ انْتِقامًا وَثَأْرًا لِمَقْتَلِ المُرْشِدِ مِنْ جِهَة، وَلِلدِّفاعِ عَنْ جَنوبِيِّ لُبْنانَ ضِدَّ الِاعْتِداءاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ المُتَواصِلَةِ مُنْذُ نَحْوِ 15 شَهْرًا، كما قال، وَسْطَ إِجْراءاتٍ حُكومِيَّةٍ لُبْنانِيَّةٍ رَفَعَتِ الصَّوْتَ ضِدَّ انْخِراطِ الحِزْبِ في هَذِهِ الحَرْبِ التي أَعادَتْ كابوسَ الدَّمارِ والتَّهْجيرِ على اللُّبْنانِيّينَ الشّيعَةِ بِشَكْلٍ خاصّ. لَكِنْ وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ إِجْراءاتِ الحُكومَةِ اللُّبْنانِيَّة، يبدو أنّ الحِزْبَ وَنُظَراءَهُ مِنَ الفَصائِلِ الوِلائيةِ العِراقِيَّةِ يُفَضِّلونَ المَوْتَ في المَيْدانِ وَلَوْ بِمُواجَهَةٍ غَيْرَ مُتَكافِئَةٍ مَعَ إِسْرائيل، قَبْلَ أَنْ يُعَمَّمَ عَلَيْهِمْ "نَموذَجُ مادورو"!.
وَلِلحَديثِ بَقِيَّة...
(خاص "عروبة 22")

