الأمن القومي العربي

السّودان.. وَمُقامَرَةُ "جُيوشِ الظِّل"!قِراءَةٌ في عَقيدَةِ الميليشْياتِ وَتَحَوُّلاتِ "الخَطِّ الأَحْمَرِ" المِصْرِي

يُمَثِّلُ التَّراجُعُ المُطَّرِدُ لِدَوْرِ الجُيوشِ النِّظامِيَّةِ العَرَبِيَّة، بِاعْتِبارِها تاريخِيًّا العَمودَ الفِقْرِيَّ لِلدَّوْلَة، مُقابِلَ الصُّعودِ المُخيفِ لِنُفوذِ الميليشْياتِ والفَواعِلِ المُسَلَّحَة، مُحاوَلَةً لِتَكْريسِ "ظاهِرَةِ الجُيوشِ المُوازِيَة" وَتَجاوُزِها لِمَرْحَلَةِ "الأَطْرافِ الهامِشِيَّة".

السّودان.. وَمُقامَرَةُ

يَبْرُزُ النَّموذَجُ السّودانِيُّ كَأَخْطَرِ تَجَلِّياتِ هَذِهِ الظاهِرَة، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ ميليشْياتُ "الدَّعْمِ السَّريعِ" بِقِيادَةِ محمد حمدان دَقْلو (حَميدْتي) مِنْ قُوَّةٍ مُسانِدَةٍ لِلْجَيْشِ إلى كِيانٍ عَسْكَرِيٍّ يَسْعى لِلإِطاحَةِ بِمُؤَسَّسَةِ القُوَّةِ التَّقْليدِيَّة، مِمّا يَضَعُ السّودانَ أَمامَ خَطَرِ السُّقوطِ والانْقِسام، وَيَفْرِضُ تَحَدِّياتٍ وُجودِيَّةً على دُوَلِ الجِوار، وَفي مُقَدِّمَتِها مِصْر، التي تَرى في انْهِيارِ المُؤَسَّساتِ العَسْكَرِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ تَهْديدًا مُباشِرًا لِأَمْنِها وَلِمَفْهومِ الأَمْنِ القَوْميِّ العَرَبيِّ بِأَسْرِه.

وَفي مُناسَباتٍ عِدَّةٍ، أَكَّدَ الرَّئيسُ المِصْرِيُّ عبد الفَتّاحِ السّيسي رَسْمِيًّا رَفْضَ القاهِرَةِ القاطِعَ لِوُجودِ أَوْ تَوَسُّعِ الميليشْياتِ المُسَلَّحَةِ التي تُهَدِّدُ أَمْنَ واسْتِقْرارَ دُوَلِ الجِوار. وَكانَتِ الرِّئاسَةُ المِصْرِيَّةُ واضِحَةً في تَأْكيدِ وَحْدَةِ السّودانِ وَسَلامَةِ أَراضيهِ وَعَدَمِ السَّماحِ بِانْفِصالِ أَيِّ جُزْءٍ أَوْ تَشْكيلِ كِياناتٍ مُوازِيَة.

وَفي تَلْويحٍ مُبَطَّنٍ بِإِمْكانِيَّةِ التَّدَخُّلِ العَسْكَرِيّ، اعْتَبَرَتْ مِصْرُ أَنَّ أَيَّ مُحاوَلَةٍ لِتَجاوُزِ "الخُطوطِ الحَمْراءِ" بِشَأْنِ وَحْدَةِ السّودانِ أَوْ المَساسِ بِمُؤَسَّساتِهِ الوَطَنِيَّةِ سَتُعَرِّضُ أَمْنَها لِلْخَطَر، وَتَعَهَّدَتْ بِدَعْمِ الحُكومَةِ الشَّرْعِيَّةِ في السّودان، وَمَنْعِ أَيِّ خُطُواتٍ تُؤَدّي إلى تَقْسيمِ الدَّوْلَةِ أَوْ إِضْعافِ مُؤَسَّساتِها.

وَتَعْكِسُ هَذِهِ المَواقِفُ رَفْضًا صَريحًا لِأَيِّ دَوْرٍ لِلْميليشْياتِ المُسَلَّحَةِ في زَعْزَعَةِ الاسْتِقْرارِ الإِقْليمِيّ، خاصَّةً في ظِلِّ الأَوْضاعِ المُتَوَتِّرَةِ في السّودان، حَيْثُ يُقاتِلُ الجَيْشُ ميليشْياتِ حَميدْتي، التي تُمَثِّلُ الحالَةَ الأَكْثَرَ تَطَوُّرًا لِما يُسَمّى بِـ"جُيوشِ الظِّلّ"، التي تَمَكَّنَتْ مِنْ بِناءِ اسْتِقْلالٍ مالِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ جَعَلَها تَتَفَوَّقُ في بَعْضِ المَفاصِلِ على الجَيْشِ السّودانِيّ.

البِدايَةُ والشَّرْعَنَة

بَدَأَتِ "الدَّعْمُ السَّريعُ" أَساسًا كَتَنْظيماتِ "جَنْجَويد" في دارْفور بِدايَةَ الأَلْفِيَّة، وَكانَتْ تَسْتَعْمِلُها حُكومَةُ الخَرْطومِ في الحَرْبِ ضِدَّ التَّمَرُّد، حَيْثُ تأََسَّسَتْ نَواتُها الأولى بِقَرارٍ مِنْ نِظامِ عُمَر البَشير لِمُواجَهَةِ التَّمَرُّدِ في دارْفور. وَفي عامِ 2013، صَدَرَ مَرْسومٌ رِئاسِيٌّ يُشَرْعِنُها كَقُوَّةٍ شِبْهِ نِظامِيَّةٍ تابِعَةٍ لِجِهازِ الأَمْنِ والمُخابَراتِ بِقِيادَةِ حَميدْتي.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ قانونٍ صَدَرَ في 2017 ضَمَّها إلى القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ السّودانِيَّة، لَكِنَّها في الواقِعِ بَقِيَتْ قُوَّةً شِبْهِ مُسْتَقِلَّةٍ وَبِهَيْكَلٍ قِيادِيٍّ مُسْتَقِلٍّ قادِرٍ على التَّحَرُّكِ خارِجَ السَّيْطَرَةِ التَّقْليدِيَّةِ لِلْجَيْشِ السّودانيِّ بَعْدَما تَحَوَّلَتْ مِنْ ميليشْياتٍ قَبَلِيَّةٍ إلى جَيْشٍ مُوازٍ.

وَتُقَدَّرُ أَعْدادُ مُقاتِلي الدَّعْمِ بِنَحْوِ مائَةِ أَلْفٍ في دارْفور وَمَناطِقَ أُخْرى، اعْتِمادًا على التَّجْنيدِ القَبَليِّ والشَّبَكاتِ الاجْتِماعِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ التَّجْنيدِ الحُكوميِّ المُؤَسَّسِيّ. وَبِالمُقارَنَة، فَإِنَّ لَدى الجَيْشِ السّودانيِّ النِّظاميِّ قُوَّةً أَكْبَرَ عَدَدًا، لَكِنَّهُ يُعاني مِنْ ضَعْفِ الهَيْكَلَةِ وَتَفَتُّتِ الوَلاءاتِ وَتَغَلْغُلِ الإِسْلامِيّينَ المُتَطَرِّفين، مِما حَدَّ مِنْ فَاعِلِيَّتِهِ في النِّزاعِ الحالِيّ.

الذَّهَبُ والتَّمْويل

وَيَبْقَى قِطاعُ الذَّهَبِ أَحَدَ أَهَمِّ مَصادِرِ التَّمْويلِ الفِعْليِّ لِلدَّعْم، حَيْثُ يُسَيْطِرُ حَميدْتي على مَناطِقِ تَعْدينٍ وَعائِداتٍ غَيْرِ نِظامِيَّةٍ تَدُرُّ عَلَيْهِ مَوارِدَ كَبيرَةً بَعيدًا عَنْ ميزانِيَّةِ الدَّوْلَة، عَبْرَ شَبَكاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ تَرْبِطُ بَيْنَ الميليشْيا والتِّجارَةِ الحُدودِيَّةِ وَسوقِ الذَّهَب، ما يوفِّرُ لَها دَخْلًا ثابِتًا يُمَكِّنُها مِنْ شِراءِ السِّلاحِ وَدَعْمِ عَمَلِيّاتِها اللّوجيستِيَّة.

وَمُؤَخَّرًا، بَلَغَ طُموحُ حَميدْتي مَداهُ في تَشْكيلِ حُكومَةٍ مُوازِيَةٍ في الخارِجِ بِهَدَفِ نَيْلِ الشَّرْعِيَّةِ كَغِطاءٍ قانُونِيّ، لِتَسْهيلِ حُصولِهِ على المَزيدِ مِنَ السِّلاحِ عَبْرَ قَنَواتٍ سِياسِيَّةٍ وَبِدَعْمٍ مِنَ الإِمارات.

وَمُنْذُ انْدِلاعِ الحَرْبِ رَبيعَ 2023، يواجِهُ السّودانُ إِحْدى أَكْبَرِ الأَزَماتِ الإِنْسانِيَّةِ في العالَم، مَعَ نُزوحِ أَكْثَرَ مِنْ 10 مَلايينِ شَخْصٍ داخِلِيًّا وَأَكْثَرَ مِنْ 4 مَلايينَ خارِجِيًّا، وَسَطَ هَجَماتِ الميليشْيا لِتَعْطيلِ المُساعَداتِ الأَساسِيَّةِ وَتَأْجيجِ الأَزْمَة.

وَيُعَدُّ حَميدْتي المُؤَسِّسَ والشَّخْصِيَّةَ المَرْكَزِيَّة، لَيْسَ فَقَطْ كَقائِدٍ عَسْكَرِيّ، بَلْ كَعامِلٍ سِياسِيٍ ذِي نُفوذ، إِذْ حَوَّلَتْهُ سَيْطَرَتُهُ على مَنْطِقَةِ "جَبَل عامِر" الغَنِيَّةِ بِالذَّهَبِ عامَ 2017، مِنْ مُجَرَّدِ قُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ إلى كِيانٍ اقْتِصادِيٍّ ضَخْمٍ عَبْرَ شَرِكَةِ "الجُنَيْد" كَواجِهَةٍ لإِدارَةِ عَمَلِيّاتِ التَّعْدينِ وَالتَّصْدير، مُوَفِّرَةً سُيولَةً نَقْدِيَّةً تَتَجاوَزُ ميزَانِيَّةَ الدَّوْلَة.

لِهَذا يُقالُ إِنَّ "حَميدْتي لا يُديرُ جَيْشًا، بَلْ يُديرُ سُوقًا لِلْمُقاتِلين، حَيْثُ الوَلاءُ يُشْتَرى بِالمالِ والذَّهَب، وَهُوَ ما لا يَسْتَطيعُ الجَيْشُ السّودانِيُّ المُثْقَلُ بِالدُّيونِ والبيروقْراطِيَّةِ مُنافَسَتَهُ عَلَيْه".

خَطَرُ التَّدَخُّلِ المُباشِر

لَعِبَتِ الحُروبُ الإِقْليمِيَّةُ دَوْرًا حاسِمًا في صَقْلِ قُدْراتِ هَذِهِ الميليشْيا، إِذْ أَرْسَلَ حَميدْتي آلافَ المُقاتِلينَ لِلْمُشارَكَةِ في التَّحالُفِ العَرَبيِّ في اليَمَن، مِمّا مَنَحَهُ تَمْويلًا بِالعُمْلَةِ الصَّعْبَةِ وَعَلاقاتٍ قَوِيَّة.

وَبَيْنَما تُشَدِّدُ مِصْرُ على أَنَّ "حَقَّ اسْتِخْدامِ القُوَّة" يَجِبُ أَنْ يَنْحَصِرَ في يَدِ الجُيوشِ الوَطَنِيَّةِ فَقَط، فَإِنَّها تَرى بِالضَّرورَةِ في أَيِّ سِلاحٍ خارِجَ هَذَا الإِطارِ مَشْروعًا لِلْفَوْضى.

وَلَطَالَما حَذَّرَتْ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ ضَعْفُ الجُيوشِ النِّظامِيَّةِ إلى انْهِيارِ "الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة" وَتَحْويلِها إلى "دُوَيْلاتٍ مُقَسَّمَةٍ عِرْقِيًّا وَطائِفِيًّا".

لِهَذَا أَيْضًا ثَمَّةَ رَبْطٌ بَيْنَ نُمُوِّ الميليشْياتِ والتَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّة، التي تَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الجَماعاتِ كَـ"وُكَلاءَ" لِتَنْفيذِ أَجَنْداتِ التَّفْتيت.

وَيَبْدو هَذا واضِحًا في الرُّؤْيَةِ المِصْرِيَّةِ في مُكافَحَةِ الإِرْهاب، التي تَنْفي وُجودَ فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ بَيْنَ "ميليشْيا سِياسِيَّة" وَ"جَماعَةٍ إِرْهابِيَّة"، بِاعْتِبارِهِما تَقْويضًا لِسُلْطَةِ القانونِ وَتَهْديدًا لِحَياةِ المَدَنِيّين.

وَبِخُطوطِها الحَمْراءِ التي كَثُرَتْ وَتَعَدَّدَتْ في المَنْطِقَة، مَعَ مَخاوِفَ من إِبْقائِها إعْلامِيًّا فَقَط، قَدْ يَفْرِضُ المُسْتَقْبَلُ على مِصْرَ اتِّخاذَ إِجْراءاتٍ أَكْثَرَ صَرامَةً عَبْرَ "دَعْمٍ اسْتِخْباراتِيٍّ وَعَمَلِياتِيّ" لِتَفادي سُقوطِ السّودان.

لَكِنَّ التَّدَخُّلَ المُباشِرَ عَسْكَرِيًّا يَظَلُّ أَداةً اسْتْراتيجِيَّةً أَخيرَة، لَحْظَةَ تَهْديدِ وُجودِ الدَّوْلَةِ في السّودان، حَيْثُ المَعْرَكَةُ هُناكَ لَيْسَتْ نِزاعًا على السُّلْطَة، بَلْ اخْتِبارًا حاسِمًا لِوُجودِ الدَّوْلَة.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن