في ذِكْرى رُبْعِ القَرْن، أَشارَتْ صَحيفَةُ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ" اللَّنْدَنِيَّةُ إلى أَنَّ إِبْراهِيم مُحَمَّد مَهْدي شَمْسِ الدّين، نَجْلَ الشَّيْخِ الرّاحِل، يَسْتَعِدُّ لِإِطْلاقِ كِتابٍ عُنْوانُهُ: "الشّيعَةُ اللُّبْنانِيّونَ والشّيعَةُ العَرَب... العَلاقَةُ مَعَ الغَيْرِ والعَلاقَةُ مَعَ الذّات".
وَلِأَنَّ الكِتابَ لا يَزالُ في رَحِمِ الغَيْب، فَإنَّ الكَلامَ عَنْهُ مُؤَجَّلٌ إلى أَنْ يَرى النّور، أَمّا الكَلامُ الآنَ فَهُوَ عَنْ عِبارَةٍ وَرَدَتْ في حِوارٍ نَشَرَتْهُ الصَّحيفَةُ لِلشَّيْخِ الرّاحِل، وَكانَ الحِوارُ قَدْ جَرى عامَ 1997 بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْضاءَ قَريبينَ مِنْ بيئَةِ "حِزْبِ الله". العِبارَةُ كانَتْ مُوَجَّهَةً مِنْهُ إلى الشّيعَةِ في المِنْطَقَة، وَكانَتْ مِنْ ثَلاثِ كَلِماتٍ تَقول: "انْدَمِجوا في دُوَلِكُم".
دعوة الشيعة إلى الاندماج في الدول التي يعيشون فيها تنطبق على كل جماعة في كل ركن من الإقليم العربي
وَلَوْ أَنْتَ ذَهَبْتَ تُطالِعُ نَصَّ الحِوارِ المَنْشورِ على حَلَقات، فَسَوْفَ تَرى عَزْفًا مُطَوَّلًا على هَذِهِ العِبارَة، أَوْ تَجِدُهُ عَزْفًا مُتَنَوِّعًا على نَغْمَةٍ واحِدَة، كَما يُقالُ في دُنْيا الموسيقى، وَسَوْفَ تَجِدُ مَعْنى العِبارَةِ يَتَرَدَّدُ في كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلِماتِ الرَّجُلِ خِلالَ حِوارِهِ المَنْشور، وَسَوْفَ تَرى عِبارَتَهُ وَكَأَنَّها قاسِمٌ مُشْتَرَكٌ أَعْظَمُ يَمْتَدُّ مِنْ أَوَّلِ كَلِمَةٍ في الحِوارِ مَعَ القَريبينَ مِنَ "الحِزْبِ" إلى آخِرِ كَلِمَة، وَلِذَلِكَ، فَهِيَ عِبارَةٌ مُؤَسِّسَةٌ... بِكَسْرِ السّينِ الأولى... فَلا يَقومُ ما بَعْدَها إِلّا عَلَيْها وَلا يَصْلُحُ لِلْقِيامِ بِسِواها.
وَلَوْ عاشَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدّينِ إلى اليَوْمِ لَكانَ قَدْ جَدَّدَ إِطْلاقَ عِبارَتِهِ بِنَبْرَةٍ أَشَدَّ، وَلَكانَ قَدْ أَطْلَقَها وَلِسانُ حالِهِ يَقولُ إِنَّهُ لا يَقْصِدُ بِها الشّيعَةَ وَحْدَهُمْ كَجَماعَةٍ في المِنْطَقَةِ بِوَجْهٍ عام، أَوْ في بَعْضِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ بِوَجْهٍ خَاص، وَإِنَّما يَقْصِدُ بِها كُلَّ جَماعَةٍ وَطَنِيَّةٍ تَعيشُ داخِلَ دَوْلَةٍ مِنْ دُوَلِ وَطَنِنا العَرَبيِّ المُمْتَد. فَما يَنْطَبِقُ على الشّيعَةِ مِنْ حَيْثُ الدَّعْوَةُ إلى الانْدِماجِ في الدُّوَلِ التي عاشوا وَيَعيشونَ فيها، يَظَلُّ يَنْطَبِقُ بِالضَّرورَةِ على كُلِّ جَماعَةٍ سِوى الشّيعَةِ في كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكانِ الإِقْليم. والقَصْدُ هُوَ الإِقْليمُ العَرَبِيُّ طَبْعًا إِذا جازَ أَنْ نُطْلِقَ مُسَمّى الإِقْليمِ على أَرْضِ العَرَب.
لنا أن نتصوّر حال اليمن لو أنّ "جماعة الحوثي" قدّمت ولاءها له على كل ما عداه
إِنَّ المَشْهَدَ العَرَبِيَّ أَمامَنا حافِلٌ بِالأَزماتِ المُتَصاعِدَةِ والمُشْكِلاتِ المُتَفاقِمَة، وَلا تَكادُ توجَدُ دَوْلَةٌ عَرَبِيَّةٌ في إِطارِ هَذا المَشْهَدِ إِلّا وَتُواجِهُ أَزْمَةً مُشْتَعِلَةً في داخِلِها أَوْ على حُدودِها، وَتَنْشَطُ الغالِبِيَّةُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ في تَبْديدِ هَذِهِ الأَجْواءِ القاتِمَة، وَلَكِنَّها أَجْواءٌ تَتَبَدّى وَكَأَنَّها عَدْوى تَتَنَقَّلُ بِحُرِّيَّةٍ بَيْنَ الكَثيرِ مِنْ دُوَلِ المِنْطَقَةِ وَتَتَجاوَزُ ما بَيْنَها مِنْ حُدوٍد.
وَلا أَمَلَ في تَفادي هَذا الحَريقِ الذي يَنْتَشِرُ وَكَأَنَّهُ مِظَلَّةٌ تَتَمَدَّدُ فَوْقَ أَرْضِ العَرَب، إِلّا بِأَنْ يَنْدَمِجَ الشّيعَةُ وَسِواهُمْ في دُوَلِهِمْ، وإِلّا بِأَنْ يَكونَ قانونُ الدَّوْلَةِ العادِلُ هُوَ الحاكِمَ بَيْنَ الجَميع.
إِنَّ لَنا أَنْ نَتَصَوَّرَ حالَ اليَمَنِ مَثَلًا، لَوْ أَنَّ "جَماعَةَ الحوثي" فيهِ قَدَّمَتْ وَلاءَها لَهُ على كُلِّ ما عَداه، وَلَوْ أَنَّها رَأَتْ نَفْسَها مُكَوِّنًا طَبيعِيًّا بَيْنَ مُكَوِّناتِ البَلَدِ الأُخْرى، لا جَماعَةً تَعْلُو على بَقِيَّةِ الجَماعاتِ الوَطَنِيَّةِ في أَرْضِ "اليَمَنِ السَّعيد". لَنا أَنْ نَتَخَيَّلَ حالَ "اليَمَنِ السَّعيد" لَوْ أَنَّ "جَماعَةَ الحوثي" لَمْ تَتَصَرَّفْ بِمَنْطِقِ الاسْتِقْواءِ على بَقِيَّةِ الجَماعاتِ السِّياسِيَّةِ في البِلاد؟ هَلْ كانَ اليَمَنُ سَيُعاني ما يُعانيه، وَيُكابِدُ أَبْناؤُهُ ما يُكابِدونَهُ الآن؟ هَلْ كانَ سَيَنْقَسِمُ كَما هُوَ مُنْقَسِمٌ بَيْنَ حُكومَةٍ شَرْعِيَّةٍ تُقيمُ في عَدَن في الجَنوب، وَبَيْنَ جَماعَةٍ حوثِيَّةٍ تَسْتَأْثِرُ بِالعاصِمَةِ صَنْعاء وَتَمْنَعُ الحُكومَةَ مِنْ دُخولِها؟.
إذا غابت الدولة غاب معها الأمن بمفهومه العام
لَوْ أَنْصَفَتْ "جَماعَةُ الحوثي" لَأَنْصَتَتْ إلى عِبارَةِ الشَّيْخِ الرّاحِل، وَلَجَعَلَتْها دُسْتورًا لَها في عَمَلِها السِّياسيِّ وَفي حَرَكَتِها على أَرْضِ اليَمَن. لَوْ أَنْصَفَتِ الجَماعَةُ لانْتَبَهَتْ إلى أَنَّ قائِلَ العِبارَةِ هُوَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدّينِ الذي يَثِقُ فيهِ كُلُّ شيعِي، والذي لَوْ وَجَدَتْ عِبارَتُهُ صَداها بَيْنَ الشّيعَةِ العَرَب، لَكانَ الحالُ في الكَثيرِ مِنْ أَقْطارِ العَرَبِ غَيْرَ الحال.
يَعْجَبُ المَرْء، كَيْفَ يَفوتُ رُبْعُ قَرْنٍ على هَذِهِ العِبارَةِ الذَّهَبِيَّةِ لِلرَّجُل، ثُمَّ لا يَكون لَها مَرْدودُها الواجِبُ في كُلِّ مَكانٍ يَعيشُ فيهِ شيعِيٌّ عَرَبِيّ؟ كَيْفَ يَصُبُّ رُبْعُ قَرْنٍ في الفَراغِ هَكَذا، فَلا تَجِدُ دَعْوَةُ الرَّجُلِ عَقْلًا يَسْتَقْبِلُها وَلا وِجْدانًا يَعيها؟.
يَبْقى التَّأْكيدُ على أَنَّ "جَماعَةَ الحوثي" مُجَرَّدُ مِثالٍ في هَذا السِّياق. والحَديثُ عَنْها هُوَ بِمُناسَبَةِ الإِشارَةِ إلى عِبارَةِ الشَّيْخِ ضِمْنَ حِوارِهِ المَنْشور. أَمّا بَقِيَّةُ الجَماعاتِ الوَطَنِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ فَهِيَ مَدْعُوَّةٌ إلى الإِصْغاءِ لِلدَّعْوَةِ ذاتِها وَبِكُلِّ ما عِنْدَها مِنْ وَعْي. إِنَّها دَعْوَةٌ مُخْلِصَةٌ بِقَدْرِ ما هِيَ دَعْوَةٌ لِلنَّجاة، وَقيمَتُها أَنَّها تَنْتَصِرُ لِفِكْرَةِ الدَّوْلَةِ وَتَجْعَلُها المِظَلَّةَ الحامِيَةَ لِلْمُواطِنينَ كافَّة. هِيَ دَعْوَةٌ تَنْتَصِرُ لِلدَّوْلَةِ التي إِذا غابَتْ غابَ مَعَها الأَمْنُ بِمَفْهومِهِ العام، وَلا مُجْتَمَعَ يَقومُ أَوْ يَسْتَقِرُّ بِغَيْرِ أَمْنٍ يَتَوَفَّرُ بِهَذا المَفْهوم.
(خاص "عروبة 22")

