اقتصاد ومال

"اقتِصادُ القِلَّة" في العالَمِ العَرَبي! كَيْفَ يَرْفَعُ الاحْتِكارُ الأَسْعارَ وَيُضْعِفُ الدَّخْل؟

في مُعْظَمِ الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة، لا يَتَّخِذُ الاحْتِكارُ شَكْلَهُ الكَلاسيكِيَّ الصارِخ، أَيْ شَرِكَةً واحِدَةً تَبْتَلِعُ السّوقَ بِالكامِل، بَلْ يَظْهَرُ في الأَغْلَبِ في صورَةٍ أَكْثَرَ خَفاءً وَخُطورَة: هَيْمَنَةُ القِلَّة.

يُسَيْطِرُ عَدَدٌ مَحْدودٌ مِنَ الشَّرِكاتِ أَوِ التَّكَتُّلاتِ أَوِ العائِلاتِ الكُبْرى على مَفاصِلَ أَساسِيَّةٍ في قِطاعاتٍ حَيَوِيَّةٍ مِثْلَ الاتِّصالاتِ والغِذاءِ والأَدْوِيَةِ وَمَوادِّ البِناء. على الوَرَق، تَبْدو الأَسْواقُ "مُحَرَّرَة" وَتَنافُسية، لَكِنَّ الواقِعَ أَنَّ السِّعْر، والجَوْدَة، وَحَتّى فُرَصَ الدُّخولِ إلى السّوق، تُحَدَّدُ عَمَلِيًّا داخِلَ دائِرَةٍ ضَيِّقَة، يَدْفَعُ المُواطِنُ ثَمَنَها يَوْمِيًّا.

تُشيرُ بُحوثٌ اقْتِصادِيَّةٌ حَديثَةٌ إلى أَنَّ القُوَّةَ السّوقِيَّةَ لِلشَّرِكاتِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ أَعْلى مِنْها في الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة. فَقَدْ أَظْهَرَتْ دِراسَةٌ لِصُنْدوقِ النَّقْدِ الدولِيّ، اعْتَمَدَتْ على بَياناتِ الشَّرِكاتِ المُدْرَجَةِ خِلالَ الفَتْرَة 2004-2022، أَنَّ الهَوامِشَ السِّعْرِيَّةَ (markups) في المِنْطَقَةِ تَفوقُ نَظيرَتَها في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة. وَفي بَعْضِ بُلْدانِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، اقْتَرَبَ هَذا المُؤَشِّرُ مِنْ 1.6 في مَطْلَعِ العَقْدِ الماضي مِنَ الزَّمَن، أَيْ أَنَّ الأَسْعارَ كانَتْ أَعْلى بِنَحْوِ 60 في المِئَةِ مِنَ التَّكْلُفَةِ الحَدِّيَّة (marginal cost)، قَبْلَ أَنْ يَتَراجَعَ المُتَوَسِّطُ إلى حُدودِ 1.45 في السَّنَواتِ اللاحِقَة. هَذِهِ الأَرْقامُ تَخُصُّ الشَّرِكاتِ المُدْرَجَةَ فَقَط، لَكِنَّها تُعْطي مُؤَشِّرًا واضِحًا إلى قُوَّةِ الشَّرِكاتِ في السّوقِ وَتَعْني أَرْباحًا أَعْلى لَها وَقُدْرَةً أَكْبَرَ على تَحْميلِ المُسْتَهْلِكِ تَكْلُفَةَ غِيابِ المُنافَسَة.

تكلفة كبيرة يتحمّلها السوق والمستهلك عندما تُترك الهيمنة بلا رادع

هَذِهِ الهَيْمَنَةُ لا تَنْشَأُ صُدْفَةً إنَّما ثَمَّةَ آلِيّاتٌ مُتَكَرِّرَةٌ تَكادُ تَكونُ مُشْتَرَكَةً في مُعْظَمِ البُلْدانِ العَرَبِيَّة. أَوَّلُها الحَواجِزُ المُرْتَفِعَةُ أَمامَ دُخولِ السّوق، سَواءً عَبْرَ التَّراخيصِ المَحْدودَة، أَوِ الوَكالاتِ الحَصْرِيَّة، أَوْ حِصَصِ الاسْتيرادِ التي تُدارُ كامْتِيازات. ثَانيها التَّحَكُّمُ في البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة: مَنْ يَمْلِكُ الشَّبَكاتِ الأَساسِيَّة، أَوِ المَرافِئ، أَو مَرافِقَ التَّخْزين، يَمْتَلِكُ عَمَلِيًّا مَفاتيحَ السّوق. ثالِثُها الكارْتيلات، أَيِ الاتِّفاقاتُ الصَّريحَةُ أَوِ الضِّمْنِيَّةُ بَيْنَ مُنافِسينَ على تَثْبيتِ الأَسْعارِ أَوْ تَقاسُمِ السّوق. وَرابِعُها تَشابُكُ الدَّوْلَةِ والسّوق حينَ تَكونُ الدَّوْلَةُ أَوْ جِهاتٌ تابِعَةٌ لَها طَرَفًا فاعِلًا اقْتِصادِيًّا وَسُلْطَةً مُنَظِّمَةً في آنٍ واحِد، ما يُنْشِئ مُنافَسَةً غَيْرً مُتَكافِئَةٍ ويُثْني الداخِلينَ الجُدُدَ عَنِ المُشارَكَة.

في قِطاعِ الاتِّصالات، تَتَجَلّى المُشْكِلَةُ بِوُضوح؛ إِذْ تَجْعَلُ التَّكْلُفَةُ العالِيَةُ لِلشَبَكاتِ هَذا القِطاعِ مَيّالًا بِطَبِيعَتِهِ إلى التَّرَكُّز، لَكِنَّ غِيابَ قَواعِد نَفاذٍ عادِلَةٍ يَزيدُ الهَيْمَنَة. وَعِنْدَما تَتَوافَرُ آلِيّاتُ مُساءَلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، تَظْهَرُ الأَرْقامُ الصّادِمَة: في المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّة، مَثَلًا، انْتَهَتْ قَضِيَّةُ مُنافَسَةٍ واحِدَةٌ بِتَعْويضاتٍ تَجاوَزَتْ 6.3 مِلْياراتِ دِرْهَم (نَحْوَ 630 مِلْيونَ دولار) على خَلْفِيَّةِ مُمارَساتٍ اعْتُبِرَتِ اسْتِغْلالًا لِلوَضْعِ المُهَيْمِن. هَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَضِيَّةٍ قانونِيَّة، بَلْ دَليلٌ على حَجْمِ التَّكْلُفَةِ التي يَتَحَمَّلُها السّوقُ والمُسْتَهْلِكُ عِنْدَما تُتْرَكُ الهَيْمَنَةُ بِلا رادِعٍ.

يفرض الاحتكار ضريبة خفيّة على سلّة غذاء المواطن

أَمّا في الغِذاء، فالاحْتِكارُ نادِرًا ما يَكونُ في الإِنْتاجِ نَفْسِه، بَلْ في الاسْتيرادِ والتَّخْزينِ والتَّوْزيع. إِذْ تُسَيْطِرُ حَفْنَةٌ مِنَ المُسْتَوْرِدينَ الكِبارِ على سِلَعٍ أَساسِيَّةٍ كالقَمْحِ أَوِ السُّكَّرِ أَوِ الزُّيوت، وَتَمْتَلِكُ القُدْرَةَ على تَمْريرِ الارْتِفاعاتِ السِّعْرِيَّةِ العالَمِيَّةِ إلى المُسْتَهْلِكِ فَوْرًا، بَيْنَما تَتَباطَأُ في تَمْريرِ الانْخِفاضات. وَتُظْهِرُ الأَدَبِيّاتُ الاقْتِصادِيَّةُ حَوْلَ الكارْتيلاتِ أَنَّ مُمارَساتٍ كَهَذِهِ تُؤَدّي في الأَغْلَبِ إلى زِياداتٍ سِّعْرِيَّةٍ "مُزْدَوِجَةِ الرَّقْمِ". تُقَدِّمُ تَحْليلاتٌ أَكاديمِيَّةٌ مُقارِنَةٌ تَقْديراتٍ مُتَفاوِتَةً، بَعْضُها يَجِدُ وَسيطًا (median) يُقارِبُ 16 في المِئَة، أَيْ أَنَّ الزِّيادَةَ النَّموذَجِيَّةَ في الأَسْعارِ نَتيجَةَ دَوْرِ الكارْتيلاتِ تَدورُ حَوْلَ 16 في المِئَة، مَعَ تَسْجيلِ زِياداتٍ أَعْلى بِكَثيرٍ في حالاتٍ مُعَيَّنَة. الخُلاصَةُ واحِدَة: يَفْرِضُ الاحْتِكارُ ضَريبَةً خَفِيَّةً على سَلَّةِ غِذاءِ المُواطِن.

القانون موجود لكنه يُعطّل أو يُفرّغ من مضمونه بفعل السياسة أو المصالح

في قِطاعِ الأَدْوِيَة، تَتَضاعَفُ المُشْكِلَةُ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ مُنَظِّمٌ وَمُشْتَرٍ في الوَقْتِ نَفْسِهِ أَحْيانًا كَثِيرَة. الوَكالاتُ الحَصْرِيَّة، وَضَعْفُ المُنافَسَةِ في الأَدْوِيَةِ الجَنِيسَةِ (generics)، وَمُناقَصاتٌ غَيْرُ شَفافَة، كُلُّها عَوامِلُ تُؤَدّي إلى أَسْعارٍ أَعْلى وَتَوافُرٍ أَقَلّ. هُنا، لا يَكونُ الحَلُّ في "تَحْريرٍ كامِلٍ" لِلسّوق، بَلْ في مَزيجٍ مِنَ المُنافَسَةِ والتَّنْظيمِ الذَّكِيّ: تَسْعيرٌ مَرْجِعِيٌّ، وَتَشْجيعٌ لِلبَدائِلِ الجَنيسَة، وَشَفافِيَّةٌ في المُشْتَرَياتِ العامَّة.

أَمّا قِطاعُ البِناءِ وَمَوادِّه، وَلا سيما الإِسْمَنْت، فَهُوَ مِثالٌ كَلاسيكِيٌّ على قابِلِيَّةِ الأَطْرافِ الفاعِلَةِ لِلتَّواطُؤ. المُنْتَجاتُ مُتَشابِهَة، وَعَدَدُ الشَّرِكاتِ مَحْدود، والطَّلَبُ مُرْتَبِطٌ بِالإنْفاقِ العامّ. في أَكْثَرَ مِنْ بَلَدٍ عَرَبِيٍّ، كُشِفَتْ كارْتيلاتٌ وَغُرِّمَتْ شَرِكاتٌ بِعَشَراتِ المَلايينِ مِنَ الدّولارات. وَلا تَنْعَكِسُ هَذِهِ المُمارَساتُ فَقَطْ على سِعْرِ الإِسْمَنْت، بَلْ على تَكْلُفَةِ السَّكَنِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ والمَشاريعِ العامَّة، أَيْ على المالِ العامِّ وَمُسْتَقْبَلِ التَّنْمِيَة.

هَلِ المُشْكِلَةُ إِذًا في غِيابِ قَوانينِ المُنافَسَة؟ الواقِعُ أَكْثَرُ تَعْقيدًا. مُعْظَمُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ باتَتْ لَدَيْها تَشْريعاتٌ في هَذا المَجال؛ إِذْ تُشيرُ تَقاريرُ إِقْليمِيَّةٌ إلى أَنَّ نَحْوَ 20 دَوْلَةً عَرَبِيَّةً سَنَّتْ قَوانينَ مُنافَسَةٍ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْنِ مِنَ الزَّمَن. لَكِنَّ الفَجْوَةَ في الإِنْفاذِ تَكْمُنُ حينَ تَكونُ الهَيْئاتُ ضَعيفَةَ الاسْتِقْلالِيَّة، وَصَلاحِيّاتُها مَحْدودَة، والبَياناتُ ناقِصَة، وَإِجْراءاتُ التَّقاضي بَطيئَة. القانونُ مَوْجود، لَكِنَّهُ يُعَطَّلُ أَوْ يُفَرَّغُ مِنْ مَضْمونِهِ بِفِعْلِ السِّياسَةِ أَوِ المَصالِح.

المنافسة شرط أساسي لاقتصاد يخدم المواطن لا قلّة من أَصحاب المصالح

تَجارِبُ النَّجَاحِ النِّسْبيِّ في المِنْطَقَةِ تُظْهِرُ أَنَّ النُّصوصَ وَحْدَها لا تَكْفي. حينَ تَتَوافَرُ هَيْئاتٌ مُسْتَقِلَّة، وَغَراماتٌ رادِعَة، وَشَفافِيَّةٌ في القَرارات، وَرَقابَةٌ مُسْبَقَةٌ على الانْدِماجاتِ بَيْنَ الشَّرِكات، تَتَغَيَّرُ سُلوكِيّاتُ السّوق. وَتُصْبِحُ المُنافَسَةُ تَكْلُفَةً حَقيقِيَّةً على المُحْتَكِر، لا شِعارًا في مُقَدِّمَةِ القانون.

في النِّهايَة، يَدْفَعُ المُواطِنُ العَرَبِيُّ ثَمَنَ غِيابِ المُنافَسَةِ مَرَّتَيْن: مَرَّةً في الأَسْعارِ المُرْتَفِعَة، وَمَرَّةً في الدَّخْلِ الضَّعيفِ وَجَوْدَةِ الخِدْمات. لا يَحْتاجُ كَسْرُ هَذِهِ الحَلْقَةِ إلى خِطاباتٍ، بَلْ إلى خَريطَةِ طَريقٍ واضِحَة: اسْتِقْلالٌ فِعْلِيٌّ لِهَيْئاتِ المُنافَسَة، وَشَفافِيَّةٌ في الأَسْعارِ والمُشْتَرَياتِ العامَّة، وَضَبْطٌ لِلوَكالاتِ الحَصْرِيَّة، وَرَقابَةٌ ذَكِيَّةٌ على الانْدِماجات، وَفَصْلٌ حَقيقِيٌّ بَيْنَ دَوْرِ الدَّوْلَةِ كَسُلْطَةٍ مُنَظِّمَةٍ وَدَوْرِها كَطَرَفٍ فاعِلٍ اقْتِصادِيًّا. لَيْسَتِ المُنافَسَةُ تَرَفًا اقْتِصادِيًّا، بَلْ هي شَرْطٌ أَساسِيٌّ لاقْتِصادٍ يَخْدُمُ المُواطِن، لا قِلَّةً مِنْ أَصْحابِ المَصالِح!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن