أَعْطى بيرْغِر العَديدَ مِنَ الأَمْثِلَةِ عَنِ ازْدِواجِيَّةِ بَعْضِ اليَهودِ البارِزِينَ مِنْ مُفَكِّرينَ وَرِجالِ أَعْمالٍ مِمَّنْ يُدْرِكونَ خَطَرَ الصُّهْيونِيَّةِ عَلى اليَهودِ وَعَلى الأَميرْكِيِّينَ بِشَكْلٍ خاص، وَلَكِنَّهُمْ لا يَفْعَلونَ شَيْئًا لِلْوُقوفِ ضِدَّها، إِنَّما يُجاهِرونَ بِتَأْييدِهِمْ لَها خَوْفًا مِنَ الدَّعاوى الصُّهْيونِيَّة، وَأَنَّ هَذا المَوْقِفَ الأَخْلاقِيَّ المَهْزوزَ لِبَعْضِ كِبارِ اليَهودِ الأَميرْكِيِّينَ هُوَ أَحَدُ العَوامِلِ الَّتي ساعَدَتْ عَلى نُمُوِّ الابْتِزازِ الصُّهْيونيِّ وَاشْتِدادِ خَطَرِهِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة.
تتداخل السياسة بالمال بالدين في المجتمع اليهودي الأميركي
وَيَسْرُدُ بيرْغِر تَفاصِيلَ الضُّغوطِ السِّياسِيَّةِ وَالمالِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّةِ الَّتي مورِسَتْ لِإِسْكاتِ الأَصْواتِ الحُرَّةِ المُناهِضَةِ لِلصُّهْيونِيَّة. تَتَجَلّى هُنا بَراعَةُ السَّرْدِ في تَحْويلِ التَّجْرِبَةِ التَّنْظيمِيَّةِ إِلى مِرْآةٍ لِبُنْيَةِ القُوَّةِ داخِلَ المُجْتَمَعِ اليَهوديِّ الأَميرْكِيّ، حَيْثُ تَتَداخَلُ السِّياسَةُ بِالمالِ بِالدِّين، وَحَيْثُ تُدارُ الذّاكِرَةُ الجَماعِيَّةُ بِاعْتِبارِها أَداةَ انْضِباطٍ لا مَجالًا لِلنِّقاش.
إِسْرائيلُ في المُذَكِّرات: دَوْلَةٌ تُرْبِكُ اليَهودَ قَبْلَ غَيْرِهِم
تَتَعامَلُ المُذَكِّراتُ مَعَ إِسْرائيلَ كَعامِلٍ زِلْزالِيٍّ داخِلَ الهُوِيَّةِ اليَهودِيَّةِ ذاتِها. فَيَرى بيرْغِر أَنَّ الدَّوْلَةَ لَمْ تَحُلَّ "المَسْأَلَةَ اليَهودِيَّة"، لَكِنَّها أَعادَتْ إِنْتاجَها بِصيغَةٍ جَديدَة، عَبْرَ تَحْميلِ يَهودِ العالَمِ أَعْباءَ سِياساتٍ لا يُشارِكونَ في صُنْعِها، ثُمَّ مُطالَبَتِهِمْ بِالدِّفاعِ عَنْها أَخْلاقِيًّا وَإِعْلامِيًا.
في هَذا السِّياق، لا يَتَوَقَّفُ بيرْغِر عِنْدَ نَقْدِ الاحْتِلالِ أَوِ السِّياساتِ العَسْكَرِيَّةِ فَحَسْب، وَإِنَّما يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلى نَقْدِ البُنْيَةِ الذِّهْنِيَّةِ الَّتي تُبَرِّرُ العُنْفَ بِاسْمِ الخَلاص، وَتُحَوِّلُ الذاكِرَةَ إِلى دِرْعٍ أَخْلاقِيٍّ يَمْنَعُ المُسَاءَلَة. هَذا التَّحْليلُ يَمْنَحُ المُذَكِّراتِ قيمَةً فِكْرِيَّةً تَتَجاوَزُ لَحْظَتَها التاريخِيَّة.
ضَعْفُ الإِعْلامِ العَرَبِي
يَرِدُ في مُذَكِّراتِهِ تَأْكيدٌ مُتَكَرِّرٌ عَلى ضَعْفِ الإِعْلامِ العَرَبيِّ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، مَعَ تَوْضيحٍ دَقيقٍ لِمَوْقِعِهِ الفِكْرِيّ؛ فَهُوَ يَنْطَلِقُ مِنْ نِضالٍ مَبْدَئِيٍّ ضِدَّ الصُّهْيونِيَّةِ لِمَا تُخَلِّفُهُ مِنْ أَضْرارٍ عَميقَةٍ عَلى اليَهودِ أَيْنَما وُجِدوا. مِنْ هَذِهِ الأَرْضِيَّةِ يَلْتَقي مَعَ الفِلَسْطينِيِّين، وَيَتَقاطَعُ مَعَ قَضِيَّتِهِم، وَيَمْنَحُها اهْتِمَامَه. وَفي المُقابِل، يُلاحَظُ أَنَّ الإِعْلامَ العَرَبِيَّ ظَلّ، طَوالَ زَمَنٍ طَوِيل، عاجِزًا عَنْ بِناءِ خِطابٍ قادِرٍ عَلى مُخاطَبَةِ العَقْلِ الأَميرْكِيِّ بِفَعالِيَّة، بِاسْتِثْناءِ مُحاوَلاتٍ مَحْدودَةٍ وَنادِرَة.
يرى إمكانية تحجيم تأثير الصهيونية على الإعلام الأميركي عبر إعلام واعٍ ومدروس قادر على الفعل والمواجهة
يُشيرُ بيرْغِر، وَهُوَ يَسْتَعْرِضُ جُهودَهُ المُتَّصِلَةَ بِالقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، إِلَى أَنَّهُ قَدَّمَ مَشُورَتَهُ لِلْعَرَبِ في مَجالِ العَلاقاتِ العامَّة، مُؤَكِّدًا أَنَّ عَدالَةَ أَيِّ قَضِيَّةٍ لا تَكْفي وَحْدَها لِكَسْبِ التَّعاطُفِ وَالدَّعْم. وَقَدْ تَنَبَّهَ مُبَكِّرًا إِلى ضَرورَةِ تَحْويلِ العَدالَةِ إِلى خِطَابٍ مُؤَثِّر. وَفي هَذا السِّياق، يُمَيِّزُ بِدِقَّةٍ بَيْنَ الادِّعاءِ بِأَنَّ الصُّهْيونِيَّةَ تُهَيْمِنُ عَلى الإِعْلامِ الأَميرْكِيّ، وَبَيْنَ القَوْلِ إِنَّها تُمارِسُ تَأْثيرًا فيه، وَيَرى أَنَّ الصّيغَةَ الثَّانِيَةَ أَدَقّ، لِأَنَّها تَفْتَحُ البابَ أَمامَ إِمْكانِيَّةِ تَحْجيمِ هَذا التَأْثيرِ عَبْرَ إِعْلامٍ واعٍ وَمَدْروسٍ قادِرٍ عَلى الفِعْلِ وَالمُواجَهَة.
قيمَةُ المُذَكِّراتِ اليَوْم
تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ مُذَكِّراتِ بيرْغِر في أَنَّها لا تَكْتُبُ ضِدَّ أَحَد، وَإِنَّما تَكْتُبُ مِنْ أَجْلِ اسْتِعادَةِ مَعْنًى مُهَدَّد. إِنَّها نَصٌّ عَنِ الخَسارَة، عَنْ خَسارَةِ التَّعَدُّدِ داخِلَ اليَهودِيَّة، وَخَسارَةِ القُدْرَةِ عَلَى الفَصْلِ بَيْنَ الإِيمانِ وَالقُوَّة، وَخَسارَةِ الشَّجاعَةِ الأَخْلاقِيَّةِ داخِلَ جَماعَةٍ اعْتادَتْ يَوْمًا مُساءَلَةَ ذاتِها.
بَعْدَ عامِ 2020، وَمَعَ تَصاعُدِ أَصْواتٍ يَهودِيَّةٍ جَديدَةٍ تُعيدُ طَرْحَ الأَسْئِلَةِ ذاتِها، تُسْتَعادُ مُذَكِّراتُ بيرْغِر نَصًّا تَأْسيسِيًّا سابِقًا لِزَمَنِه، سَبَقَ التَّحَوُّلاتِ الرّاهِنَةَ بِوُضوحٍ لافِت، وَوَضَعَ الأَسْئِلَةَ في صيغَتِها الجَذْرِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلى شِعارات.
تظل هذه المذكرات مرجعًا لا غنى عنه لفهم كيف تحوّلت الصهيونية من خيار سياسي إلى بنية وعي
مُذَكِّراتُ إِلْمِر بيرْغِر شَهادَةُ ضَميرٍ مِنْ داخِلِ البَيْت، كَتَبَها صاحِبُها وَهُوَ يُدْرِكُ ثَمَنَها، وَاخْتارَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُدَوِّنَها. لِهَذا تَظَلُّ هَذِهِ المُذَكِّراتُ نَصًّا حَيًا، قابِلًا لِإِعادَةِ الْقِراءَة، وَمَرْجِعًا لا غِنى عَنْهُ لِفَهْمِ كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الصُّهْيونِيَّةُ مِنْ خِيارٍ سِياسِيٍّ إِلى بُنْيَةِ وَعْي، وَكَيْفَ ظَلَّ داخِلَ الْيَهودِيَّةِ صَوْتٌ آخَر، هادِئ، صَلْب، وَعَنيد.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

