أعاد طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداد واشنطن للعب دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن الخلاف حول السد الإثيوبي الملفَ إلى واجهة الأحداث، بالتزامن مع جهود تثبيت وقف إطلاق النار فى غزة، وبدء المرحلة الثانية من خطة ترامب "للاستقرار" في القطاع، الذي يعاني سكانه ظروفا غير إنسانية تتطلب جهودا استثنائية لمنحهم حياة جديدة من وسط ركام المباني التي دمرها العدوان الإسرائيلي.
وقال ترامب، في رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى قبل أيام قليلة، إنه "مستعد لإعادة إطلاق الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة مشاركة مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي، مرة واحدة وإلى الأبد"، مؤكدًا "أن أي دولة فى هذه المنطقة لا ينبغي أن تسيطر بشكل أحادي على موارد النيل الثمينة، بما يضر جيرانها في هذه العملية". ومع تأكيد الرئيس الأمريكي أن حل التوترات حول السد الإثيوبي يتصدر جدول أعماله، لم يغفل التعبير عن أمله في ألا يؤدي النزاع إلى "صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا".
رسالة ترامب لقيت ترحيبا من الرئيس السيسي، وتقديرا لاهتمام الرئيس الأمريكي بـ"محورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري"، مذكرا بأن "مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري". عرض الوساطة الأمريكية في ملف سد "الخراب" الإثيوبي، كما سماه وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي في تصريحات سابقة، أعاد إلى الأذهان المفاوضات التي جرت في واشنطن عام 2020، برعاية وزير الخزانة الأمريكي فى إدارة ترامب الأولى والبنك الدولي. ويومها تم التوصل إلى مسودة اتفاق ملزم قانونًا لتشغيل السد، وقعتها مصر بالأحرف الأولى، ووافقت عليها السودان، لكن إثيوبيا انسحبت من التوقيع في اللحظة الأخيرة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الجديد في الوساطة الأمريكية هذه المرة؟ هل الرئيس الأمريكي، الذي أصيب بإحباط من الموقف الإثيوبى خلال ولايته الأولى، قادر على تقديم شىء ملموس الآن، وبما يخرج مصر من الطريق المسدود الذي وصلت إليه بعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات غير المجدية بسبب مراوغات إثيوبيا؟ وهل لدى ترامب نية جادة وحقيقية لإقناع أديس أبابا، أو "إجبارها" بتعبير أدق، على توقيع اتفاق ملزم مع مصر والسودان بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي، وبما لا ينتقص من حقوقنا التاريخية في مياه النيل، شريان الحياة لنحو 110 ملايين مصري؟
وما الضمانات التي يمكن أن يقدمها الرئيس الأمريكي لمصر، حتى تخرج من دائرة الجمود في ملف السد الإثيوبى، وألا تجد نفسها في حلقة مفرغة من استهلاك الوقت في ألاعيب إثيوبية لا تقدم ولا تؤخر؟ قبل الانخراط في جولة مفاوضات ثانية تحت مظلة الوساطة الأمريكية، يجب أن نعرف جيدا على أي أرض نقف، وما هي الفاتورة التي سيتحتم تحملها مقابل الوساطة المعروضة، فلا شىء مجانيا مع ساكن البيت الأبيض، الذي يجيد عقد الصفقات.
يجب استحضار بنود وثيقة اتفاق 2020، وإعادة التذكير مرارا بحقوقنا المائية في نهر النيل باعتبارها قضية "حياة أو موت"، والتأكيد على حجم الضرر الواقع علينا. وكما قال وزير الري الدكتور هاني سويلم أمام أعضاء مجلس الشيوخ: "هناك ضرر بالطبع نتيجة السد الإثيوبي"، لأنه "عندما يتم خفض حصتك من المياه، فهذا ضرر". سويلم أشار إلى أن الدولة المصرية بذلت جهودا كبيرة لمنع وصول هذه الأضرار إلى المواطن المصري، "لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي" من الأضرار التي لحقت بنا، ولا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات، يوما ما، عن كل المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، والتي وصلت إلى مليارات الجنيهات، حسب الوزير.
تبقى الوساطة الأمريكية اختبارا للجدية لا للنوايا، فمصر لا تبحث عن وعود جديدة، بل عن اتفاق ملزم يحمي حقها في الحياة ويضع حدا لسياسة الأمر الواقع.
(الشروق المصرية)

