في الْأَدَبِيّاتِ الْغَرْبِيَّة، قَدَّمَ الطَّبيبُ النَّفْسِيُّ النَّمْساوِيُّ فيكْتور فرانْكل (Viktor Frankl) فِكْرَةً مُلْفِتَةً لِلنَّظَرِ وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسانَ لا يَنْهارُ حينَ يَتَأَلَّم، بَلْ حينَ يَفْقُدُ الْقُدْرَةَ على الْإِجابَةِ عَنْ سُؤال: ما الذي يَعيشُ مِنْ أَجْلِه؟! هَذِهِ الْفِكْرَةُ تَتَكَرَّرُ بِأَشْكالٍ أَحْدَثَ عِنْدَ الْفَيْلَسوفِ الْكَنَديِّ تشارْلز تايْلور (Charles Taylor) وَهُوَ يَصِفُ تَحَوُّلاتِ الذّاتِ الْحَديثَة، وَعِنْدَ عالِمِ الاجْتِماعِ الْأَلْمانيِّ هارْتْموت روزا (Hartmut Rosa) الذي يَرْبِطُ تَآكُلَ الْمَعْنى بِتَسارُعِ الْحَياةِ وَفَقْدانِ التَّفاعُلِ مَعَ الْعالَم.
انتقل المعنى في العالم العربي من "مشروع عام" إلى "نجاة فردية"
الْمُقارَنَةُ هُنا مُفيدَة: في الْغَرْبِ، أَزْمَةُ الْمَعْنى تَأْتي كَثيرًا مِنْ فائِضِ الْخِيارات، وَمِنْ تَفَكُّكِ الْمَرْجِعِيّاتِ التَّقْليدِيَّةِ أَمامَ فَرْدانِيَّةٍ قَوِيَّة. أَمّا في الْعالَمِ الْعَرَبيِّ فالْأَزْمَةُ غالِبًا مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ فَهِيَ لَيْسَتْ ناتِجَةً عَنْ "كَثْرَةِ الْحُلول"، بَلْ عَنْ "ضيقِ الْأُفُق". الْمَعْنَى يَتَآكَلُ لِأَنَّ النّاسَ لا يَرَوْنَ مَسارًا قابِلًا لِلتَّوَقُّع، وَلا عَقْدًا اجْتِماعِيًّا يَضْمَنُ الْحَدَّ الْأَدْنى مِنَ الْعَدالَة، وَلا مَجالًا عامًّا يَسْمَحُ بِتَراكُمِ الثِّقَة.
يُمْكِنُ تَلْخيصُ أَزْمَةِ الْمَعْنى في الْعالَمِ الْعَرَبيِّ في جُمْلَةٍ واحِدَة: انْتَقَلَ الْمَعْنى مِنْ كَوْنِهِ "مَشْروعًا عامًّا" إلى كَوْنِهِ "نَجاةً فَرْدِيَّة". حينَ يُصْبِحُ الْهَمُّ الْأَساسِيُّ لِلْمُواطِنِ الْعَرَبيِّ هُوَ زِيادَةَ الرّاتِب، أَوْ الْبَحْثَ عَنْ وَظيفَةٍ إِضافية، أَوْ تَأْمينَ الْهِجْرَة، يَتَحَوَّلُ الْمَعْنى مِنْ فِكْرَةٍ تُبْنى إلى مُهِمَّةٍ تُدار. هُنا لا يُصْبِحُ السُّؤالُ "كَيْفَ نَعيشُ حَياةً ذاتَ قيمَة؟"، بَلْ "كَيْفَ نَتَفادى السُّقوطَ والانْهِيار؟". هَذا التَّحَوُّلُ يَخْلُقُ سُلوكِيّاتٍ جَديدَة: سُلوكِيّاتِ النَّجاة، حَيْثُ تُقاسُ الْقَراراتُ بِمَدى تَقْليلِ الْمَخاطِرِ لا بِمَدى اقْتِرابِها مِنْ تَصَوُّرٍ إيجابِيٍّ لِلْحَياةِ أَوْ تَحْقيقِ حُلْم. وَمَعَ الْوَقْت، تَسْتَهْلِكُ هَذِهِ السُّلوكِيّاتُ الطّاقَةَ النَّفْسِيَّة، لِأَنَّ النَّجاةَ لا تَعْرِفُ لَحْظَةَ انْتِهاء، بَلْ تَتَوَسَّعُ لِتَبْتَلِعَ كُلَّ شَيْء!.
الْمُفارَقَةُ هُنا أَنَّ الْمُجْتَمَعاتِ الْعَرَبِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ مَرْكَزِيَّةِ الْعائِلَةِ والدّينِ والرَّوابِط، لا تَضْمَنُ بِالضَّرورَةِ مَعْنًى مُسْتَقِرًّا. الْعائِلَةُ تَمْنَحُ مَعْنًى، لَكِنَّها قَدْ تَتَحَوَّلُ إلى جِهازِ مُراقَبَةٍ واسْتِنْزَافٍ حينَ تُصْبِحُ هِيَ شَبَكَةَ الْأَمانِ الْوَحيدَة. والدّينُ يَمْنَحُ مَعْنًى، لَكِنَّهُ أَحْيانًا يُحاصَرُ داخِلَ بَعْضِ الْوَظائِفِ الضَّيِّقَة: طَمْأَنَةٌ فَرْدِيَّة، ضَبْطٌ اجْتِماعِيّ، أَوْ تَعْبِئَةٌ سِياسِيَّة! وَبَيْنَ الدّينِ والْعائِلَةِ يَظْهَرُ نَوْعٌ ثالِث، وَهُوَ مَعْنًى هَشٌّ تَصْنَعُهُ مِنَصّاتُ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ في عالَمٍ يَقومُ على جَذْبِ الانْتِباهِ فَتُصْبِحُ قيمَةُ الْإِنْسانِ مُرْتَبِطَةً بِمَدى ظُهورِه، وَيُصْبِحُ تَقْديرُ النّاسِ لَهُ مُرْتَبِطًا بِعَدَدِ الْإِعْجاباتِ والتَّعْليقات. فَيَبْدو كَأَنَّ الْمَعْنى في مُتَناوَلِ الْجَميع، لَكِنَّهُ يَخْتَفي بِسُرْعَةٍ عِنْدَما يَتَوَقَّفُ التَّفاعُلُ وَتَخْتَفي الْإِشْعارات!.
أزمة المعنى في العالم العربي هي أزمة قدرات مُقيَّدة
وَبَعيدًا عَنِ الْغَرْب، هُنا يُمْكِنُ الاسْتِفادَةُ مِنْ مُقارَبَةٍ شَرْقِيَّةٍ أَيْضًا. في اليابانِ مَثَلًا شاعَ مَفْهومُ "إيكيغاي" (Ikigai) والذي يُمْكِنُ تَرْجَمَتُهُ إلى "سَبَبِ الْعَيْش"، أَوِ الدّافِعِ الذي يَجْعَلُ الْإِنْسانَ يَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَباحٍ لِيُباشِرَ حَياتَه، بِوَصْفِهِ نُقْطَةَ تَقاطُعٍ بَيْنَ ما تُحِبُّه، وَما تُتْقِنُه، وَما يَحْتاجُهُ الْعالَم، وَما يُمْكِنُ أَنْ تَعيشَ مِنْه. جاذِبِيَّةُ هَذا الْمَفْهومِ عَرَبِيًّا مَفْهومَة، لَكِنَّهُ يَصْطَدِمُ بِواقِعٍ مُخْتَلِف: الْكَثيرُ مِنَ النّاسِ لا يَمْلِكونَ تَرَفَ التَّوْفيقِ بَيْنَ هَذِهِ الدَّوائِرِ الْأَرْبَع، لِأَنَّ دائِرَةَ "ما يُمْكِنُ أَنْ تَعيشَ مِنْهُ" أَيِ الدُّخولُ والْمَعاشاتُ تَبْتَلِعُ الْبَقِيَّةَ! الْفِكْرَةُ لَيْسَتْ أَنَّ "الإيكيغاي" مُسْتَحيلٌ عَرَبِيًّا، بَلْ إِنَّ شُروطَهُ تَتَطَلَّبُ مُؤَسَّساتٍ داعِمَة: تَعْليمٌ يَصْقُلُ الْمَهاراتِ والْمَواهِب، سوقُ عَمَلٍ أَقَلُّ عَشْوائِيَّةً وَمَحْسوبِيَّة، وَبِيئَةٌ تَسْمَحُ بِالتَّجْرِبَةِ والْخَطَأ مِنْ دونِ أَحْكام. حينَ تَغيبُ هَذِهِ الشُّروط، يُصْبِحُ الْحَديثُ عَنْ "اكْتِشافِ الذّات" عِبارَةً مُبْهِرَةً لَكِنْ بِلا إِمْكانِيَّةٍ لِلتَّطْبيق!.
مِنْ زاوِيَةٍ أَكْثَرَ عِلْمِيَّة، تُذَكِّرُنا مُقارَبَةُ عالِمِ الاقْتِصادِ الْهِنْديِّ أمارْتيا سِن (Amartya Sen) حَوْلَ "الْقُدْرات" أَنَّ رَفاهَةَ الْإِنْسانِ لا تُقاسُ بِالدَّخْلِ وَحْدَه، بَلْ بِما يَسْتَطيعُ فِعْلَهُ بِهَذا الدَّخْل، أَيْ مَساحَةَ الْخِياراتِ الْمُتاحَةَ أَمامَه: التَّنَقُّل، التَّعَلُّم، الْمُشارَكَة، وَبِناءُ حَياةٍ يَراها جَديرَةً بِالْعَيْش. إِذا طَبَّقْنا ذَلِكَ على الْعالَمِ الْعَرَبِيّ، سَنَجِدُ أَنَّ أَزْمَةَ الْمَعْنى لَيْسَتْ فَقَطْ أَزْمَةَ أَفْكار، بَلْ هي أَزْمَةُ قُدْراتٍ مُقَيَّدَة. حِينَ تُقَيَّدُ الْقُدْرَةُ على التَّخْطيطِ طَويلِ الْمَدى بِسَبَبِ التَّضَخُّم، أَوْ بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ السِّياسَة، أَوْ بِسَبَبِ هَشاشَةِ الْوَظائِفِ أَوْ مَحْسوبِيَّتِها وَفي بيئَةٍ سُلْطَوِيَّةٍ تُنَفِّذُ الْقانونَ بِشَكْلٍ انْتِقائِيّ، يُصْبِحُ الْمَعْنى هُنا في حَدِّ ذاتِهِ رَفاهِيَّةً لا يُمْكِنُ الْوُصولُ إِلَيْها!.
حين يشعر الإنسان بأنّ جهده يترك أثرًا يمكن تتبُّعه يعود المعنى تدريجيًا
لَكِنَّ أَخْطَرَ ما في أَزْمَةِ الْمَعْنى عَرَبِيًّا هُوَ أَنَّها تُنْتِجُ لُغَةً جَدِيدَةً لِلْعَيْش: لُغَةَ التَّكَيُّفِ الْمُسْتَمِرّ. في الْمُجْتَمَعاتِ التي تَمُرُّ بِتَقَلُّباتٍ حادَّة، يُصْبِحُ التَّكَيُّفُ فَضيلَةً عُلْيا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثَمَنًا خَفِيًّا: يُدَرِّبُ الْفَرْدَ على خَفْضِ تَوَقُّعاتِه، وَعلى اعْتِبارِ الْحَياةِ سِلْسِلَةَ تَنازُلاتٍ ذَكِيَّة. وَمَعَ كُلِّ تَنازُل، يَتَقَلَّصُ "النَّصُّ الذّاتِيُّ" الذي يَرْوي الْإِنْسانُ لِنَفْسِهِ لِماذا يَفْعَلُ ما يَفْعَل. فَيَتَحَوَّلُ النَّجاحُ إلى رَقْم، والْهِجْرَةُ إلى إِنْجاز، والزَّواجُ إلى مَشْروع، والْعَمَلُ إلى تَسْديدِ الْفَواتِير، مِنْ دونِ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ في النِّهايَةِ حَياةً ذاتَ مَعْنى.
رُبَّما يَكُونُ السُّؤَالُ الْأَدَقُّ في الْعالَمِ الْعَرَبيِّ لَيْسَ "أَيْنَ الْمَعْنى؟"، بَلْ "كَيْفَ يُصْنَعُ الْمَعْنى حينَ يُصْبِحُ الْمُسْتَقْبَلُ ضَبابِيًّا؟". الْجَوابُ لا يَحْتاجُ إلى خَطابَة، بَلْ إلى إِعادَةِ الاعْتِبارِ لِفِكْرَةٍ بَسيطَة: الْمَعْنى يَتَوَلَّدُ مِنْ عَلاقَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ بَيْنَ الْجُهْدِ والنَّتيجَة، وَبَيْنَ الْفَرْدِ والْعالَم. حينَ يَشْعُرُ الْإِنْسانُ بِأَنَّ جُهْدَهُ يَتْرُكُ أَثَرًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُه، وَبِأَنَّ الْعالَمَ يَسْتَجيبُ بِطَريقَةٍ مَفْهومَة، يَعودُ الْمَعْنى تَدْريجِيًّا. لِذَلِكَ قَدْ يَبْدَأُ الْإِصْلاحُ الْحَقيقِيُّ مِنْ أَشْياء تَبْدو صَغيرَة: مُؤَسَّساتٌ أَقَلُّ إِذْلالًا، تَعْليمٌ يَرْبِطُ الْمَعْرِفَةَ بِالْحَياة، عَمَلٌ لا يُعاقِبُ الْكَفاءَة، وَمَجالٌ عامٌّ لا يَبْتَلِعُ النّاسَ في صِراعاتٍ صِفْرِيَّة. عِنْدَها فَقَطْ يُصْبِحُ "سُؤَالُ الْمَعْنى" أَقَلَّ أَلَمًا وَأَكْثَرَ قابِليةً لِأَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ شَكْوى إلى مَشْروعِ حَياة!.
(خاص "عروبة 22")

