اقتصاد ومال

هَكَذا أَصْبَحَتْ كُرَةُ الْقَدَمِ إِحْدى أدَواتِ "الْقُوَّةِ النّاعِمَة"!

أَصْبَحَتْ كُرَةُ الْقَدَمِ الْقُوَّةَ النّاعِمَةَ الصّاعِدَةَ في النِّظامِ الْعالَميِّ الْجَديد، التي تُخْتَزَلُ فيها حَضارَةُ الْأُمَم، وَثَقافَتُها، وَمَدى اسْتِقْرارِها وَتَقَدُّمِها وازْدِهارِها، وَمَكانَتُها بَيْنَ الشُّعوبِ الْأُخْرى. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَتِمُّ تَسْخيرُ كُلِّ الْإِمْكانياتِ الْمالِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والْإِعْلامِيَّةِ والدّيبْلوماسِيَّةِ والْعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، لِنَيْلِ شَرَفِ الاسْتِضافَةِ أَوِ الْمُشارَكَةِ أَوِ التَّتْويجِ بِاللَّقَب، بِاعْتِبارِها وَسيلَةَ تَرْفيهٍ بِامْتِياز، وَأَداةً ناعِمَةً لِلْحُكْمِ تُساعِدُ في تَعْضيدِ مَتانَةِ الْبَيْتِ الدَّاخِلِيّ، وَخَلْقِ الانْدِماجِ الْمُجْتَمَعِيّ، وَتَأْجيلِ الْخِلافاتِ الدّاخِلِيَّةِ والتَّغاضي عَنِ النَّواقِصِ الاجْتِماعِيَّة، وَتَأْجيلِ الصِّراعاتِ السِّياسِيَّة.

هَكَذا أَصْبَحَتْ كُرَةُ الْقَدَمِ إِحْدى أدَواتِ

كَثيرًا ما وُصِفَتْ كُرةُ القَدَمِ بِأَنَّها لُعْبَةٌ ساحِرَة، تَتَجاوَزُ الْمَراكِزَ والْمَناصِبَ والْأَلْقابَ والْأَعْراقَ والدِّياناتِ والثَّقافات. وَهِيَ أَشْبَهُ بِـ "أَفْيونِ شُعوبٍ" حَقيقِيٍّ عِنْدَ الْبَعْض، أَوْ "تَنْويمٍ مَغْناطيسِيٍّ" يَتَسابَقُ عَلَيْهِ الْأَثْرِياءُ والْفُقَراء، الْأَقْوِياءُ والضُّعَفاء، الْمُتَعَلِّمونَ والْأُمِّيّون، الْحَاكِمونَ والْمَحْكومون، الْمُوالونَ والْمُعارِضون، الْمُنْتَفِعونَ والْمُهَمَّشون.

بِقَدْرِ ما يُفْتَرَضُ مِنْ هَذِهِ الرِّياضَةِ أَنْ تُقَرِّبَ بَيْنَ الشُّعوبِ والثّقافاتِ والْحَضارات، فَإِنَّها قَدْ تَكونُ أَحْيانًا مَصْدَرَ شَحْنٍ عاطِفِيٍّ يَصْعُبُ التَّحَكُّمُ فيه.

كُرَةُ الْقَدَمِ قَدْ تُفْرِحُ أَوْ تُبْكي، حَتّى الْأَكْثَرَ انْضِباطًا وَصَرامَة. كَما تُخْرِجُ إلى الشّارِعِ الشُّعوبَ الْأَكْثَرَ مَنْعًا مِنَ الْحُرِّيات، بَلْ تُسْقِطُ كُلَّ الْحَواجِز، وَتُلْغي مُؤَقَّتًا كَثيرًا مِنَ الْمَوانِع. وَهُناكَ دُوَلٌ اسْتَضافَتْ نِهائِيّاتٍ عالَمِيَّةً وَغَضَّتِ الطَّرْفَ عَنْ سُلوكِيّاتٍ غَيْرِ مُباحَةٍ في الْأَوْقاتِ الْعادِيَّة، تَرْضِيَةً لِمُيولِ فَريقٍ مِنَ الْمُشَجِّعين، وَكَأَنَّ لِكُرَةِ الْقَدَمِ طُقوسَها الْخاصَّةَ التي تَتَجاوَزُ التَّشْريعاتِ والْقَوانينَ الْمَحَلِّيَّة.

تُنفق الحكومات بسخاء على تشييد الملاعب والتجهيزات والبنى التحتية حتى لو كانت نفقات الاستضافة على حساب أهل البيت

في النِّهايَة، الْكُرَةُ لَها وَجْهٌ إيجابِيٌّ مِنْ قَبيلِ جَلْبِ السُّياحِ الْأَجانِبِ والاسْتِثْماراتِ وَتَجْميلٍ مَشْروعٍ للصّورَةِ الْخَارِجِيَّة. لَكِنَّها قَدْ تَكونُ مَصْدَرَ صَدْمَةٍ لِلْفَريقِ الْمُنْهَزِم، وَمِنْ وَرائِهِ مَلايينُ الْمُشَجِّعين، والدّاعِمينَ والْمُمَوِّلين.

إِنَّها أَقْرَبُ إلى بورْصَةٍ غَيْرِ مُسْتَقِرَّةِ الْأَسْهُم، فيها الرّابِحُ والْخاسِر، تَقودُها الْعَواطِفُ وَيَتَوَقَّفُ فيها الْعَقْل.

تَتَنافَسُ الْقُوى الْكُبْرى والصّاعِدَةُ حالِيًّا، على اسْتِضافَةِ النِّهائِيّاتِ الدَّوْلِيَّة، مِثْلَ كَأْسِ الْعالَمِ وَكَأْسِ الْقارّاتِ وَكَأْسِ الْعَرَبِ وَكَأْسِ أَفْريقْيا وَكَأْسِ آسْيا وَكَأْسِ الْأَنْدِيَةِ الْبَطَلَةِ وَغَيْرِها، بِاعْتِبارِها دُوَلًا تَتَوَفَّرُ على التَّجْهيزاتِ الْكافِيَةِ الضَّرورِيَّة، وَشُروطِ التَّنْظيمِ الْمَرْعِيَّة، وَهِيَ مُسابَقاتٌ يُتابِعُها مِئاتُ مَلايينِ النّاسِ عَبْرَ الْعالَم، مِمّا يَجْعَلُها اقْتِصادًا عالَمِيًّا مُوازِيًا، بِعَشَراتِ مِلْياراتِ الدّولارات، حَيْثُ تَدورُ حَوْلَها أَنْشِطَةٌ كَثيرَةٌ، مِنَ الْبَثِّ الْإِعْلاميِّ إلى الْإِشْهار، وَمِنَ السِّياحَةِ إلى الْمَطاعِمِ والتَّرْفيه، فَضْلًا عَنْ قيمَةِ تَذْكِرَةِ الْوُلوجِ إلى الْمَلاعِب، التي تَفوقُ أَحْيانًا الدَّخْلَ الْفَرْدِيَّ في الدُّوَلِ الْمُحْتَضِنَة.

وَبِدَوْرِها، تُنْفِقُ الْحُكوماتُ بِسَخاءٍ على تَشْييدِ الْمَلاعِبِ والتَّجْهيزَاتِ الرِّياضِيَّةِ والْفَنِّيَّةِ والْبُنى التَّحْتِيَّة، لِإِظْهارِ التَّمَيُّزِ وَعُلُوِّ كَعْبِ المُنافَسَة، حَتّى لَوْ كانَتْ بَعْضُ نَفَقاتِ الاسْتِضَافَةِ مُبالَغًا فيها تُجاهَ الضَّيْف، على حِسابِ أَهْلِ الْبَيْت، على طَريقَةِ حاتِمِ الطَّائيِّ الذي نَحَرَ راحِلَتَهُ لِإِطْعامِ ضُيوفِه.

تُشْبِهُ الْقِصَّةُ في تَفاصيلِها ما كانَ يَصْنَعُهُ الرّومان، مِنْ فُرْجَةٍ جَماهيرِيَّةٍ في مَلْعَبِ "الكولوسْيوم" (Colosseum) قَبْل أَلْفَيْ سَنَة، حينَ كانَتْ تُقامُ الْمُصارَعاتُ الْجَسَدِيَّةُ التي يَحْضُرُها الْآلافُ مِنْ سُكّانِ روما، وَكِبارُ حُكّامِ وَأَثْرِياءِ الْعالَمِ الْقَديمِ لِمُشاهَدَةِ مُبارَزَة، يُجْلَبُ لَها أَبْطالٌ مِنْ شُعوبٍ بَعيدَة، لِإِظْهارِ قُوَّةِ الْإِمْبَراطورِيَّة، وَعَظَمَتِها، وَأَحَقِّيَّتِها في الرِّيادَةِ والْقِيادَة.

لَقَدْ حَوَّلَتِ الْحَضارَةُ الْغَرْبِيَّةُ الْحَديثَةُ الْمُنافَسَةَ الْعَنيفَةَ إلى مُنافَسَةٍ لَطيفَة، تَكْتَفي بِإِدْخالِ الْكُرَةِ في شِباكِ الْخَصْم. وَهِيَ مُتْعَةٌ يُتابِعُها الْعالَمُ وَيُنْفِقونَ مِنْ أَجْلِ حُضورِها أَمْوالًا وَيَتَكَبَّدونَ جُهْدًا وَعَناءً.

الحُضورُ العَرَبِيُّ في كَأْسِ الْعالَمِ بِأَميرْكا

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ تُقامُ نِهائِيّاتُ كَأْسِ الْعالَمِ 2026 في ثَلاثِ دُوَل، وَهِيَ الْوِلاياتُ الْمُتَّحِدَةُ وَكَنَدا والمَكْسيك، وَعلى الرَّغْمِ مِنَ الْخِلافاتِ السِّياسِيَّةِ والتِّجَارِيَّةِ والتَّناقُضِ في الْمَواقِفِ حَوْلَ قَضايا قارِّيَّةٍ وَدَوْلِيَّة، بَيْنَ حُكوماتِ تِلْكَ الدُّوَلِ وَمَوْقِفِ بَعْضِها مِنْ إِجْراءاتِ الرَّئيسِ دونالِد تْرامْب الاقْتِصادِيَّةِ والْعَسْكَرِيَّة، فَإِنَّ كُرَةَ الْقَدَمِ تُوَحِّدُ الدُّوَلَ الْأَميرْكِيَّةَ الثَّلاث، تَحْتَ غِطاءِ انْتِماءٍ قارِّيّ، في أَكْبَرِ تَظاهُرَةٍ رِياضِيَّة، تَشْمَلُ 48 فَريقًا مِنْ خَمْسِ قارات.

المشاركة العربية لم تعُد رمزية في كأس العالم بل صارت ندّية لكنّ جزءًا من الجمهور العربي لن يستطيع الحضور إلى أميركا

وَسَتَنْتَقِلُ الْكَأْسُ مِنْ أَميرْكا إلى الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّط، حَيْثُ سَيَسْتَضيفُ الْمَغْرِبُ وَإِسْبانْيا والبُرْتُغالُ تَنْظيمَ كَأْسِ العالَمِ 2030 بَيْنَ قارَّتَيْ أَفْريقْيا وَأوروبا. وَبَعْدَهُ سَيَكونُ لِلْمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ شَرَفُ تَنْظيمِ نِهائِيّاتِ كَأْسِ الْعالَمِ 2034. نَحْنُ إِزاءَ تَحَوُّلٍ جُغْرافِيّ، واعْتِرافٍ بِالْمَكانَةِ التي باتَتْ تَحْتَلُّها الْكُرَةُ الْعَرَبِيَّة، في الْمَحافِلِ الدَّوْلِيَّة.

وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَيْضًا في تاريخِ بُطولاتِ كَأْسِ الْعالَمِ مُنْذُ مِئَةِ عام، سَتُشارِكُ ثَماني دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ في كَأْسِ الْعالَمِ 2026، إِذْ جَرَتِ الْعادَةُ أَنْ تُشارِكَ دَوْلَتانِ أَوْ حَتَّى ثَلاثُ دُوَل، أَغْلَبُها كانَ مِنْ شَمالِ أَفْريقِيا وَدُوَلِ الْخَليج. لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ تُشارِكُ دَوْلَةٌ مِنَ الشّامِ هِيَ الْأُرْدُن، إلى جَانِبِ السُّعودِيَّة وَقَطَرَ والْعِراق وَمِصْرَ وَتونُسَ والْجَزائِرِ والْمَغْرِب. وَسَيَكونُ لِلْجالِيَةِ الْعَرَبِيَّةِ في أَميرْكا فُرْصَةٌ لِحَمْلِ الْقُمْصانِ والرّاياتِ الْعَرَبِيَّة، في المَلاعِبِ التي تَحْتَضِنُ مُبارَياتٍ تَلْعَبُ فيها فِرَقٌ عَرَبِيَّة.

كُرة القدم تُوحّد الشعوب لكنها لا تلغي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية

واضِحٌ أَنَّ الْمُشارَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ تَعُدْ رَمْزِيَّةً كَما في السّابِق، بَلْ صارَتْ نِدِّيَّة، بَعْدَ أَنْ وَصَلَ الفَريقُ المَغْرِبِيُّ إلى الْمُرَبَّعِ الذَّهَبيِّ أَمامَ فَرَنْسا، في نِهائِيّاتِ كَأْسِ الْعالَمِ عامَ 2022 في قَطَر. وَكانَتْ فُرْصَةً لِظُهورِ الْعَرَبِ بِوَجْهِ المُشَجِّعِ الواحِد، وَراءَ فَريقٍ عَرَبِيٍّ، أَصْبَحَ يَحْتَلُّ الْمَرْتَبَةَ الثّامِنَةَ عالَمِيًّا.

الْوَجْهُ الْآخَرُ لِهَذا الْمَشْهَدِ مُؤْسِفٌ لِأَنَّ جُزْءًا مِنَ الْجُمْهورِ الْعَرَبيِّ لَنْ يَسْتَطيعَ الْحُضورَ إلى أَميرْكا، بِسَبَبِ شُروطِ وَعَراقيلِ تَحْصيلِ التَّأْشيرَةِ والتي تَشْمَلُ مُواطِني 75 دَوْلَةً عَبْرَ الْعالَم، وَسَيَكْتَفي مَلايينُ المُشَجِّعينَ بِالْهِتافِ لِفِرَقِهِمْ في الْمَقاهي وَوَراءَ الشّاشات.

في النِّهايَة، الْكُرَة، حَتّى لَوْ أَنَّها تُوَحِّدُ الشُّعوب، فَهِيَ لا تُلْغي الفَوارِقَ الِاجْتِماعِيَّةَ والاقْتِصَادِيَّة!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن